بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

“المدمّرة” الأميركية على أبواب لبنان… و”حزب الله” ليس المتضرر الوحيد

نوال الأشقر

في سياق حروبها على الحلبة الدولية، ليس بالضرورة أن تلجأ الدول الكبرى الى القوة العسكرية لتحقيق مبتغاها. فالحروب غالباً ما تكون باهظة التكاليف وطويلة الأمد. من هنا تلجأ الدول إلى استبدال الحرب الخشنة بأخرى ناعمة، قد تكون أشد فتكاً من الصواريخ والبوارج، كونها تعتمد مبدأ التغيير من الداخل بدل الخارج، وبدل أن تدمّر المنازل تعمل على تدمير المبادىء بتغذية التناحر المذهبي والعرقي.
أروقة البنتاغون والمخابرات المركزية الأميركية لطالما برعت في استخدام أساليب الحرب الناعمة في سياساتها الخارجية، بعدما لمست حجم الخسائر المتأتية عن تلك العسكرية. واليوم تندرج في سياق هذا المفهوم الجديد، العقوباتُ الأميركيةُ على “حزب الله”، وتوسيع مروحتها لتطال أحزاباً وشخصياتٍ متعاونة مع الحزب بالمنظور الأميركي. ولأنّ الإعلام والتهويل والحرب النفسية من الأدوات والأسلحة الرئيسة في الحرب الناعمة، تمّ تسريب مسودة قانون العقوبات الأميركية لتحقق أهدافها حتّى قبل أن تصبح قانوناً نافذاً، ولأنّ تطبيقها في المصارف اللبنانية بمثابة كارثة اقتصادية ومالية بكل المقاييس، قصدت وفود لبنانية واشنطن في محاولة لتفادي ما أمكن من تداعياتها قبل أن تصبح قانوناً عابراً للحدود، وبالتالي “مقاربة هذه العقوبات تنطلق من كونها قراراً سياسياً بالدرجة الأولى، تستخدمه الولايات المتحدة كأداة لتغيير واقع سياسي معين من دون اللجوء إلى القوة، كالعقوبات على روسيا من أجل الإنسحاب من شبه جزيرة القرم، وعلى إيران التخلي عن برنامجها النووي”، يقول الخبير الإقتصادي الدكتور جاسم عجاقة في حديث لـ “لبنان 24″، وهوعلى قناعة أنّ الوفد اللبناني غير قادر على إحداث أيّ تغيير بلائحة الأسماء التي ستدرجها الولايات المتحدة من خلال القانون، بل بآلية التطبيق، “فإذا اعتمدت هذه الآلية على تصنيف كل لبناني متعامل مع “حزب الله” كإرهابي، فهذا الأمر كفيل بتحويل لبنان خلال شهرين إلى دولة إرهابية، كوننا نتعامل كلبنانيين مع بعضنا البعض في شتّى الميادين”. عجاقة يصنّف الوفود إلى ثلاثة : النيابي الحكومي والمصرفي، الأول والثاني لا يمتلكان القدرة على إحداث تغيير، انطلاقاً من عدم الإلمام بالمخاطر التقنية وأليات التطبيق، فضلاً عن الإنقسام بالموقف اللبناني حيال خلفيات العقوبات كالنظرة إلى انخراط الحزب في الحرب السورية، والوفد المصرفي هو الأكثر قدرة على تحديد المخاطر وشرحها، كونه يدرك التفاصيل التقنية. ليبقى الدور الفعّال لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، ولأنه ليس خافياً على أحد أنّ قرار التجديد للحاكم ينطلق من الحاجة إليه في التخفيف من وطأة هذه العقوبات، يُعول عجاقة على دوره وحنكته وقدرته على إيجاد مخارج تجنّب لبنان التداعيات الكارثية للعقوبات الأميركية. “يُحكى ان التصويت على القانون سيتمّ آخر أيار الحالي، ونتمنى التجديد للحاكم على وجه السرعة، ليتمكن من مباشرة المهمة الأربعاء المقبل في واشنطن بصفته حاكماً مجدداً له. فهو الوحيد القادر على تغيير أمور معينة في آليات التطبيق، انطلاقاً من الثقة التي كسبها، والتي جعلت الأميركيين يختارونه كأفضل حكّام المصارف المركزية في العالم”. ويلفت عجاقة إلى المرحلة الأولى من العقوبات، والتي بدأ تطبيقها العام الماضي،”بحيث تعهد سلامة للأميركيين بتطبيقها، وبالفعل استطاع ابتكار حلّ بمفرده واتخذ قراراً على عاتقه الشخصي، بمعزل عن الحكومة، من خلال التعميم الشهير 137، والذي منح المصارف جانباً من الضوابط الذاتية، ومرت العقوبات من دون ضجة أو مواجهة داخلية، وحسناً فعل لأننا لا نملك خيار رفضها. أمّا اليوم فالواقع أصعب، لأنّ الأميركيين كان بإمكانهم إضافة أسماء جديدة من خلال القانون السابق، ولكنّهم عمدوا إلى إصدار قانون جديد من أجل تغيير آلية التطبيق التي سمحت للحاكم أن ينفذ منها، مما يعني أن العقوبات الجديدة خففت من هامش وقدرة سلامة على التفاوض، وعلى خلق مخارج قانونية،على غرار تلك التي أوجدها المرة السابقة، عبر التعميم واستخدام عبارة على مسؤولية المصرف، وباعتقادي اليوم مع القانون الجديد لن يكون الحاكم قادراً على استخدام هذه العبارة، وبالتالي سيتدخّل بآلية تطبيق العقوبات داخل المصارف، وسيستخدم في مهمته الصعبة الثقة التي كسبها لخلق منفذ يجنّب لبنان الكأس المرة، وأولى تداعياتها فقدان الثقة وهروب المستثمرين”. صحيح أنّ الإدارة الأميركية لا تستهدف لبنان كدولة، وتحاول التضييق على “حزب الله” داخل بيئته، ولكنّ لبنان، كل لبنان، باقتصاده وقطاعه المصرفي سيتضررمن هذه العقوبات، ولن يكون بمقدوره رفضها، فكم من حاكم بأمر مصلحة الوطن نحن بحاجة إليه، لنتمكن من اجتياز المطبّات والمحن الداخلية والخارجية، وما أكثرها.

رابط لبنان 24 

مقالات بحسب المواضيع

الإقتصاد اللبناني

المالية العامة

الفساد

السياسة النقدية

سلسلة الرتب والرواتب

جاسم عجاقة لـ”النشرة”: كان من المفترض وضع رسم 7 و 8% على البضائع المستوردة

اعتبر الخبير الإقتصاد​ي والاستراتيجي البروفسور ​جاسم عجاقة​ أن خفض ​العجز​ الذي تحقق في موازنة العامة 2019 كاف باعتبار أن المطلوب كان خفضه الى 9% ويبدو أنه وصل نتيجة التعديلات الأخيرة الى قرابة الـ7.3%، مشددا على ان العبرة ليست بالارقام انما بالتطبيق لأنّ تجربة موازنة 2018 لم تكن مشجعة.
المزيد...

المصارف اللبنانية العمود الفقري للاقتصاد اللبناني

يُعتبر القطاع المصرفي اللبناني العامود الفقري للاقتصاد اللبناني حيث يؤدي دورا أساسيا في تمويل الاقتصاد إضافة إلى…

جاسم عجاقة لموقع المرده: الليرة اللبنانية ليست في دائرة الخطر ومحميّة ووراءها دعم…

أكد الخبير الاقتصادي والاستراتيجي البروفيسور جاسم عجاقة أن “الليرة اللبنانية ليست في دائرة الخطر وانها محميّة…

الخلافات السياسية أطاحت موازنة 2019 وجلسة اليوم مفصلية

«يا فرحة ما اكتملت!» بالفعل... لم تكتمل فرحة اللبنانيين الذين كانوا ينتظرون الدخان الأبيض من مجلس الوزراء الأربعاء…

أبعد من السلام… حدود جغرافيّة بأقلام إقتصادية…

بالعودة الى الورشة الإقتصادية التي ستستضيفها العاصمة البحرينية المنامة في حزيران القادم، تحت عنوان "الرخاء من أجل…

الدين العام

«المركزي» دعَمَ الخزينة بـ 2.8 مليار دولار في 2018

هل يُساهم مصرف لبنان في دعم خزينة الدولة؟ سؤال مشروع مع تواتر الشائعات عن عدم مساهمة المصرف المركزي في دعم مالية الدولة. في الواقع تُشير الأرقام إلى أنّ كلفة مصرف لبنان جرّاء دعم خزينة الدوّلة بشقّيه التسهيلات والقروض بلغت 2.8 مليار دولار أميركي في العام 2018.
المزيد...

هكذا يتحول العجز إلى دين…وهذا هو الحل

أكد الخبير الاقتصادي الدكتور جاسم عجّاقة في حديث لصحيفة الشرق الاوسط، أن "مؤتمر (سيدر) فرض على لبنان إجراءات تتطابق…

مصرف لبنان يوفر على الدوّلة أقلّه ملياران ونصف مليار دولار أميركي

تتمّ مداولة العديد من المغالطات عن مدى مساهمة مصرف لبنان في خزينة الدوّلة والتي تُروّج لفكرة أن مصرف لبنان لا يقوم…

الحكومة مُحاصرة برباعية المجتمع الدولي ــ الشارع ــ عجز الموازنة والوقت

الديار | بروفسور جاسم عجاقة نقاشات حادّة طغت على الجلسات الأولى لمجلس الوزراء لبحث الموازنة وكادت تُطيح بها وبجلسات المجلس. وعلى الرغم من تدخّل الرئيس الحريري لتهدئة الأجواء وإرساء جو من النقاش البنّاء إلا أن المعلومات تُشير إلى أن أجواء الجلّسات بقيت محقونة تحت تأثير أربعة عوامل: أولا ـ المجتمع الدولي الذي ما يزال غير راض عن الإجراءات المُقترحة…
المزيد...

بروفسور جاسم عجاقة: هكذا سيكون وضع الليرة قرييا

مقابلة البروفسور جاسم عجاقة على قناة ليبانون فايلز ضمن برنامج مرتجل مفيد - عجاقة: هكذا سيكون وضع الليرة قرييا -…

مُعالجة الموازنة من وجهة نظر ماليّة لن تكفي والمطلوب مُعالجة إقتصاديّة إصلاحيّة

أسبوع مرّ على خطاب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وحتى الساعة لم يتمّ طرح الموازنة على طاولة مجلس الوزراء، مع…

الموازنة العامة

الكهرباء

النفايات

التهرب الضريبي

الإرهاب

لبنان يكافح شبكة تمويل داعش

نهاد طوباليان داهم الأمن العام في لبنان خلال عمليات نفذت مؤخرا في بيروت مؤسسات صيرفة وشركات مالية بعد الإشتباه…

العقوبات الأميركية على حزب الله

إيران

الأزمة القطرية الخليجية

الإمارات ومصر والسعودية أمام موجة خسائر بسبب مقاطعة قطر

ستكون شركات إماراتية وسعودية، أمام موجة من الخسائر المالية التي ما يزال مبكراً تقدير حجمها، ناتجة عن مقاطعة دول…

خُبراء.. قطع العلاقات مع قطر خسارة للاقتصادات العربية

محمد إبراهيم أكد خبراء ومحللون اقتصاديون، تأثر الاقتصادات العربية بالخلاف الدبلوماسي الأخير، والذي أدى إلى قطع…

مقالات إستراتيجية

الموازنة العامّة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More