أستاذ جامعي وباحث نووي وإقتصادي

المصارف اللبنانية "ورقة أميركية" في وجه سورية

من المقرّ الرئيسي في بريطانيا اتسعت رقعة فضيحة الـHSBC عالمياً حتى أغرقت السوق المحلي بمتاهاتٍ لامتناهية، بتهمة تعامل المصرف البريطاني سريأً مع إيران والإرهابيين ومهرّبي المخدرات على مدار الست سنوات المنصرمة بقيمة تصل الى نحو 16 مليار دولار. 
هزّت تلك الفضيحة الوسط المصرفي بعدما أصدر مجلس الشيوخ الأميركي تقريراً يصف المصرف البريطاني بأنه يحمل “ثقافة ملوثة”، شملت تعاملات مع ايران ورجل الاعمال السوري رامي مخلوف، وتجار مخدرات مكسيكيين، ومصرف خليجي متهم بتمويل الإرهاب، ما عكّر صفوه الاقتصاد وقلّص من ثقة المستثمرين، الأمر الذي انعكس سلباً على الحركة الاقتصادية.

تمويل الإرهاب
كشف التقرير أن 25 ألف عملية مالية بقيمة إجمالية تقدر بحوالي 16 مليار دولار مرتبطة بإيران جرت عبر المصرف السعودي “بنك الراجحي”، الذي وصفه التقرير بأنه مرتبط بتمويل “الإرهاب”. كما مرت معظم هذه العمليات دون إشارة من المصرف إلى أن هذه العمليات مرتبطة بإيران الرازحة تحت العقوبات الدولية. وأشار التقرير إلى أن المصرف عمد الى نقل 7 مليار دولار نقداً من فرعه المكسيكي إلى فرعه الأميركي، متجاهلاً بذلك تحذير السلطات الأميركية من أنه مرتبط بتجارة المخدرات في المكسيك. فجاءت ردة فعل سريعة من مدير إدارة تطبيق القواعد في بنك HSBC، ديفيد باجلي الذي قدّم إستقالته بعد اعتذاره لأعضاء مجلس الشيوخ الأميركي عن تراخي تطبيق القواعد بما أتاح وجود عمليات غسيل أموال في البنك.

غسيل الأموال
وفي هذا المضمار، تحدث الخبير الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة عما ستحمله تلك القضية من عواقب وخيمة على الاقتصاد، فقال: “لا تتردد الولايات المتحدة الأميركية في استخدام أكبر الوسائل لتطبيق العقوبات المفروضة على سورية وإيران. وآخرها الضربة التي وجهتها الى القطاع المصرفي البريطاني حيث إتهم مجلس الشيوخ الأميركي البنك البريطاني HSBC بغسيل أموال آتية من المكسيك، إيران، السودان، اليابان، كوريا الشمالية، وبخرق العقوبات المفروضة على إيران، سورية”.

وتابع: “يتألف هذا الملف من شقين: الأول غسل الأموال والثاني خرق العقوبات على إيران وسوريو. وكل شق يحتوي على دعوة جزائية وأخرى مدنية. والإحتمالات كلها مربوطة بالمحادثات التي تقوم بها إدارة المصرف مع مجلس الشيوخ الأميركي”. وأكد “أن المصرف سيدفع غرامات باهظة قد تؤدي الى إضعافه عالمياً. ففي قضية خرق العقوبات الأميركية على إيران وسورية، يواجه HSBC غرامة بمليار دولار أميركي”.

رسائل واضحة
وأكد أن “تقرير مجلس الشيوخ الأميركي يتضمن أهدافا عدة منها:
• وقف تبيض الأموال وخرق العقوبات الأميركية على إيران وسوريا
• إرسال رسالة إلى النظام المصرفي العالمي لأخذ كل الحذر في التعاملات الدولية.
• إرسال رسالة إلى النظام المصرفي العالمي أن الولايات المتحدة الأميركية لها القدرة على كشف كل العمليات المشبوهة أينما تتم
• إظهار السيطرة الأميركية على النظام المصرفي والمالي العالمي عبر قدرتها على معاقبة أي مؤسسة مصرفية أو مالية في العالم.
• الطلب المباشر من المصارف في دول العالم التعاون مع الإدارة الأميركية تحت طائلة العقوبات”.

وسيلة العقوبات
وشدد على أنه “لفرض وجهة النظر الأميركية، تستخدم الولايات المتحدة الأميركية وسيلة العقوبات التي يدعمها وزنها الإقتصادي الكبير (17 تريليون دولار) والذي يُشكل ثلث إقتصاد العالم. كما يدعم الموقف الأميركي إحتلالها للمراتب الأولى في إحتياطات الذهب (ثلاثة أرباع إحتياط الذهب العالمي)، بورصة نيويورك (أكثر من 60% من الأموال المُستثمرة في أسواق الأسهم العالمية مُستثمرة في بورصة نيويورك)، الإستثمارات في الخارج، إنتاج النفط، الإنتاج الإصناعي، الكهرباء، الواردات، الخدمات، النقل الجوي، حركة الصادرات، والسياحة الدولية كما أن أھم الشركات في العالم هي أمیركیة وتُهیمن على عدة قطاعات منها الطیران (بوینغ)، البرمجیات (مایكروسوفت)، المشروبات (كوكا كولا)،…”.

وأردف: “هذا الوزن يسمح للولايات المتحدة الأميركية بفرض عقوبات على كل الشركات والبنوك الأجنبية التي تتعامل مع شركات أميركية عبر منع الشركات الأميركية من التعامل معها (بواسطة القوانين الأميركية ACT)”.

المصرف اللبناني في الواجهة
وعما إذا كانت الولايات المتحدة الأميركية ستستخدم القطاع المصرفي اللبناني لزيادة الضغط على النظام السوري، شدد على أن “الخيار العسكري الأميركي ضد سورية ليس مطروحاً ما دام الثوار يستطيعون القيام بذلك. وآخر الأخبار الواردة من سورية، تُظهر أن الثوار يتمتعون بقدرة عسكرية عالية بدأت تظهر من خلال الضربات الموجهة للنظام في سورية. ويأتي إحتمال شمول الحرب اسرائيل وحزب الله وتركيا والعراق، كعائق يمنع الولايات المتحدة الأميركية من إختيار الحل العسكري وتفضيل العقوبات لإضعاف النظام السوري وإعطاء الثوار الأفضلية العسكرية”.

وتابع: “لتحقيق ذلك، ستعمد الولايات المتحدة الأميركية الى تشديد العقوبات عبر الضغط على القطاع المصرفي العالمي وخصوصاً اللبناني لوقف كل العمليات مع المصارف السورية والمصارف الإيرانية”. واعتبر أن “هذا الإلتزام من قبل المصارف اللبنانية سيُعزز بفعل الخوف من شبح العقوبات التي يتضح من قضية البنك البريطاني HSBC أنها لا تُميز أحدا ولا “تُعوّف” أحدا مهما كبُر حجمه أو كانت جنسيته وخصوصاً إذا كان مخالفاً”.

رفع السرية المصرفية
ورأى عجاقة أن “الولايات المتحدة الأميركية ستعمد الى طلب تقارير دورية من كل المصارف اللبنانية عبر مصرف لبنان تحتوي على كل تعاملات المصارف خصوصاً تحاويل الأموال. وتعرف المصارف جيداً أنه لا يمكنها الكذب بخصوص هذه التحاويل لأنها تمر عبر نظام الـ “SWIFT” المراقب من قبل السلطات الأميركية”.

ولفت الى “أن هذه التقارير ستسجل سابقة من ناحية رفع السرية المصرفية اللبنانية لصالح الولايات المتحدة الأميركية على غرار ما حصل في سويسرا ما سيسمح للولايات المتحدة الأميركية بتطبيق فعال أكثر لقانون FATCA الذي سيدخل حيز التنفيذ في أوائل العام 2014. وسنشهد تراجعاً لأرباح المصارف اللبنانية في الأعوام القادة نتيجة وقف العمليات المصرفية للمصارف اللبنانية مع البلدان المفروض عليها العقوبات.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More