بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

لا خطة صرف واضحة للبناني. و”التقشف” لا يخلّصه

أكثر من 55% من اللبنانيين لا يتوافر لديهم أي فائض شهري من مداخيلهم، و63% يواجهون صعوبات في تأمين النفقات الغذائية والضرورات الأخرى”، هذا ما كشفته نشرة “حديث المالية” الفصلية التي يصدرها معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي، وهذا ما هو فعلاً على ارض الواقع حيث ان الأزمة المالية تتفاقم الى حد كبير عند شريحة كبيرة جداً من اللبنانيين. لا خطة صرف واضحة لدى معظمهم، تتآكلهم الديون، والهموم المعيشية، والحل الوحيد لأزمتهم يكمن في “التقشف” الإستراتيجية الأكثر صعوبة لدى اللبناني “العيش”.
بيّنت النتائج الأولية للمسح الوطني “حول الإلمام بالمسائل المالية” الذي نشرته “حديث المالية” ان 50% من اللبنانيين لا يعدّون خطة واضحة لمداخيلهم ومصاريفهم الشهرية، و50% لا يعون حتى قيمة المبلغ الذي انفقوه اسبوعياً، وان 70% من اللبنانيين لا يعرفون بشكل دقيق قيمة المبلغ المتوافر لديهم لتسديد المصاريف اليومية. اما المؤشر الأبرز فهو ان 55% من اللبنانيين لا يتوافر لديهم اي فائض شهري من مداخيلهم، وان 63% من اللبنانيين يواجهون صعوبات في تأمين النفقات الغذائية والضرورات الأخرى.

اللبناني تتآكله الديون
وفي حديث خاص لـ “صدى البلد” اكد الخبير الإقتصادي جاسم عجاقة ان اللبناني بالإجمال يصرف اكثر من قدرته الشرائية، وما سبب له ضيقة مادية اضافية انخفاض نسبة الأموال المرسلة اليه من المغتربين، وعدم توافد رؤوس الأموال الى لبنان. ولفت الى ان المشكلة الأكبر تكمن في ان اللبناني يلتزم بقروض مصرفية لشراء العديد من حاجاته، من سيارة، الى المنزل، والى كل مستلزماته، وهذه القروض تقتصر على الطبقة التي تكون على حدود الفقر. واضاف “ليس هناك حل امام المواطن سوى إتباع سياسية تقشف مالي محكمة خصوصاً بعد ان تطايرت زيادة الرتب والرواتب مع الغلاء المعيشي وهذا ما تتحمل اعباءه الحكومة اللبنانية، فهي من اوصل بالناس الى هذا الوضع الإقتصادي المتردي، فكل شيء من حولهم غالٍ، بينما مدخولهم لا يكفيهم لدفع اقساطهم المصرفية فيعجزون عن شراء شيء بل يقعون تحت كاهل الديون”.

كما اوضح ان “قسما كبيرا من الشباب يعمل ضمن عمل محدود، وليس ضمن إختصاصاتهم العلمية، ولكنهم لا يستطيعون بناء مستقبلهم رغم كل هذا التعب وساعات العمل الطويلة في اكثر من مهنة، والدولة لا تقف الى جانب اي مواطن في ازمته المالية، فإلتزاماتها المادية اعمق من هموم اللبنانيين وتتخطى حدود الوطن”.

الراتب لا يكفي الضروريات
وفي السياق عينه كان لـ”صدى البلد” جولة مع الناس، اكدوا جميعهم انهم يعيشون في قلّة مادية لم يسبق ان مرّت عليهم، وبات همهم الوحيد ان تنخفض الأسعار لينهضوا من عجزهم المالي.

ولفتت اليان حرب الى ان راتبها الشهري لا يكفي لشراء حاجات عائلتها الضرورية، مضيفةً “هذا دون ذكر الضرائب المفروضة على اللبناني، فكل شيء ندفعه مرتين، من منتصف الشهر ابدأ بطلب المعونة المادية من ابنتي، وهذا ليس لأنني مبذّرة بل السياسة الإقتصادية المتبعة من الدولة تفرض ان لا يكفيني راتبي”. واشارت الى انها لا تشتري سوى الضروريات لأنها لا تستطيع ان تحرم عائلتها من شيء، و”يبدأ الصرف مع تسديد كل الفواتير اولاً ومن ثم النفقات الغذائية”، مشيرةً الى انه لا يمكن لراتبها ان يكفي فاتورة إستشفاء واحدة ان مرض احد افراد العائلة.

اما مارك حاتم صاحب متجر خلوي، فاشار الى ان كل شهر يختلف عن الآخر حسب نسبة البيع والمدفوعات التي تتوجب عليه، لافتاً الى انه “قبل كل شيء يجب عليه تسديد كلفة إيجار متجره، وراتب العامل لديه، هذا دون ذكر المستحقات الأخرى من مياه وكهرباء وغيرها”. وشرح انه يتبع استراتيجية واضحة لصرف امواله لأن لديه إلتزامات كثيرة ومدخوله ليس ثابتاً فيتغير حسب الظروف الشرائية.

لا حل
“راتبي 700 الف واصرف شهرياً اكثر من مليون ليرة” تقول برناديت، مضيفةً “كل شهر اطلب سلفة من رّب العمل، لأنه مستحيل ان يتساوى راتبي ومصاريفي الضرورية منها والتي تتمثل بدفع فواتير المياه والكهرباء والهاتف، وتأمين الغذاء للعائلة”.

كما لا تجد لودي كوسا بدورها حلاً للعيش دون اعباء إقتصادية، وللوصول الى الإكتفاء المادي فهي كسواها من الناس في لبنان، تتخبط بين راتب قليل ومصروف كبير جداً يقتصر على مستلزمات الحياة. واعتبرت انه حتى لو كان الراتب عالياً، فضروريات العيش في لبنان تتخطاه لأن كل شيء غالٍ، خصوصاً التأمينات الغذائية، فدائماً نشعر اننا نحتاج الى سيولة مادية إضافية، رغم إتباع خطة صرف محكمة.

وتوضح نسرين محاسب انه لا يمكن ان يبقى معها فائض من راتبها الشهري لأن مسؤولياتها كبيرة جداً، وكل شيء من حولها يزيد سعره من دون رقابة من الدولة التي لا تساهم في ضبط الأسعار، بل إكتفت بزيادة الرواتب التي قابلتها زيادة متفاقمة في الأسعار، “فكيف يمكن ان نتبع خطة صرف في ظل كل هذه الفوضى المالية من حولنا؟”.

ثقافة اقتصادية
الواضع ان معظم اللبنانيين لا يديرون اموالهم من خلال خطة مالية لأن مدخولهم اقل بكثير من التزاماتهم المادية، مما يجعلهم يقعون فريسة الصرف العشوائي، والديون المتكدسة، والحياة المليئة بالهموم. وفي المقلب الآخر هناك الدولة لا تأخذ هموم المواطن المادية على محمل الجد كونها رفعت الحد الأدنى للأجور، واصدرت زيادة على الرواتب، فلا يمكنها ان تقدم اكثر من ذلك، فهمومها، التزاماتها، وصفقاتها المادية، اكبر من حجم الفقراء، لتتخطى حدود الوطن، وتكون اهم بكثير من معادلة بسط ثقافة اقتصادية تسهل على المواطنين حياتهم.

مقالات بحسب المواضيع

الإقتصاد اللبناني

المالية العامة

الفساد

السياسة النقدية

سلسلة الرتب والرواتب

عجز مشروع موازنة 2019 إنخفض إلى 4 مليارات دولار أميركي.. وهذا ما يحويه

يعقد مجلس الوزراء اليوم جلسته ما قبل الأخيرة بإنتظار جلسة الإقرار النهائية نهار الخميس في قصر بعبدا حيث من المتوقّع أن يتمّ إقرارها في جلسة نهائية توّجت عمل 18 جلسة متتالية للحكومة اللبنانية لدراسة مشروع الموازنة.
المزيد...

الموازنة تُهدّد الحكومة… وسيناريو التعطيل مُكلِف

تكاثرت التسميات بين موازنة إصلاحية، تقشفية، تصحيحية... والنتيجة واحدة، موازنة من دون هوية. والسبب يعود إلى الصراعات…

أزمة محروقات مُفتعلة؟

إصطف بعد ظهر اليوم، العديد من المواطنين أمام محطات الوقود، في مختلف المناطق اللّبنانيّة، خوفاً من أزمة وقود،…

هكذا رُحلت الموازنة غير “الوازنة”

يوم بعد آخر تُرحّل النقاشات "الموازناتية "من جلسة إلى أُخرى، لتصبح "البنود" المطروحة على طاولة البحث أشبه بـ شبكات…

حسابات سياسية تُعرّقل طريق الموازنة وإحتمال حدوث سيناريو السلسلة مُرتفع

عقد مجلس الوزراء جلسة البارحة كان من المفروض أنها الجلسة الختامية في سلسلة إجتماعات مُخصّصة لدرس مشروع موازنة العام…

الدين العام

«المركزي» دعَمَ الخزينة بـ 2.8 مليار دولار في 2018

هل يُساهم مصرف لبنان في دعم خزينة الدولة؟ سؤال مشروع مع تواتر الشائعات عن عدم مساهمة المصرف المركزي في دعم مالية الدولة. في الواقع تُشير الأرقام إلى أنّ كلفة مصرف لبنان جرّاء دعم خزينة الدوّلة بشقّيه التسهيلات والقروض بلغت 2.8 مليار دولار أميركي في العام 2018.
المزيد...

هكذا يتحول العجز إلى دين…وهذا هو الحل

أكد الخبير الاقتصادي الدكتور جاسم عجّاقة في حديث لصحيفة الشرق الاوسط، أن "مؤتمر (سيدر) فرض على لبنان إجراءات تتطابق…

مصرف لبنان يوفر على الدوّلة أقلّه ملياران ونصف مليار دولار أميركي

تتمّ مداولة العديد من المغالطات عن مدى مساهمة مصرف لبنان في خزينة الدوّلة والتي تُروّج لفكرة أن مصرف لبنان لا يقوم…

الحكومة مُحاصرة برباعية المجتمع الدولي ــ الشارع ــ عجز الموازنة والوقت

الديار | بروفسور جاسم عجاقة نقاشات حادّة طغت على الجلسات الأولى لمجلس الوزراء لبحث الموازنة وكادت تُطيح بها وبجلسات المجلس. وعلى الرغم من تدخّل الرئيس الحريري لتهدئة الأجواء وإرساء جو من النقاش البنّاء إلا أن المعلومات تُشير إلى أن أجواء الجلّسات بقيت محقونة تحت تأثير أربعة عوامل: أولا ـ المجتمع الدولي الذي ما يزال غير راض عن الإجراءات المُقترحة…
المزيد...

بروفسور جاسم عجاقة: هكذا سيكون وضع الليرة قرييا

مقابلة البروفسور جاسم عجاقة على قناة ليبانون فايلز ضمن برنامج مرتجل مفيد - عجاقة: هكذا سيكون وضع الليرة قرييا -…

مُعالجة الموازنة من وجهة نظر ماليّة لن تكفي والمطلوب مُعالجة إقتصاديّة إصلاحيّة

أسبوع مرّ على خطاب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وحتى الساعة لم يتمّ طرح الموازنة على طاولة مجلس الوزراء، مع…

الموازنة العامة

الكهرباء

النفايات

التهرب الضريبي

الإرهاب

لبنان يكافح شبكة تمويل داعش

نهاد طوباليان داهم الأمن العام في لبنان خلال عمليات نفذت مؤخرا في بيروت مؤسسات صيرفة وشركات مالية بعد الإشتباه…

العقوبات الأميركية على حزب الله

إيران

الأزمة القطرية الخليجية

الإمارات ومصر والسعودية أمام موجة خسائر بسبب مقاطعة قطر

ستكون شركات إماراتية وسعودية، أمام موجة من الخسائر المالية التي ما يزال مبكراً تقدير حجمها، ناتجة عن مقاطعة دول…

خُبراء.. قطع العلاقات مع قطر خسارة للاقتصادات العربية

محمد إبراهيم أكد خبراء ومحللون اقتصاديون، تأثر الاقتصادات العربية بالخلاف الدبلوماسي الأخير، والذي أدى إلى قطع…

مقالات إستراتيجية

الموازنة العامّة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More