أستاذ جامعي وباحث نووي وإقتصادي

ترحيل النفايات “جدّياً” على الطاولة… فهل من مُحسن !

حتى النفايات ما عادت تجد لنفسها مكانا في هذا البلد المحاط بالسماسرة، والمحاصر بطباخي الصفقات، فبينما لا يزال لبنان غارقاً بالنفايات لليوم الحادي عشر بعد المئة، عاد خيار ترحيل النفايات الى الخارج الى الواجهة من جديد كأحد الطروحات الجدية المتداولة على طاولة المحادثات “القمامية” إذ نجح الحوار الوطني في جلسته الأخيرة في إعادة التسويق لطرح التصدير إلى الخارج، بعد أن أجمع الجميع على أن فكرة إيجاد مطامر “طائفية” في المناطق باتت مستحيلة نتيجة الإعتراضات الشعبية، التي ما عادت “ديوك المزابل” قادرة على طمر خياراتها “بالمَونة” بعد اليوم.
 
لا إجابات شافية عن مصير النفايات لدى من يمسك بزمام الأمور، سوى حلولٍ ارتجالية يتقاذفها المسؤولون على طاولة النفايات “يا بتصيب يا بتخيب” بعيداً عن استراتيجية وطنية حقيقية لإدارة هذا الملف، وكأنما جفّت آبار الحلول الفعلية لأزمة نفايات لبنان وما عادت تجد لنفسها طريقا الا السير بتكاليف خيالية الى الخارج، وتؤكد مصادر مطلعة لـ”البلد” أنه بعد أن باتت أزمة النفايات تشكل اشكالية أساسية للحكومة بعد أن أظهرت للعلن التباعد الهائل بين الاطراف اللبنانية أصبحت الحكومة مستعدة للذهاب الى أي خيار مقابل حل هذه الازمة، التي توقفت اجتماعات مجلس الوزراء عندها، حيثث بات ملف النفايات “ملفاً حارقاً للحكومة” ولذلك خيار الترحيل “جدي أكثر من اللزوم” مهما زادت كلفته الاقتصادية عن بقية الحلول الـ”مستحيلة التطبيق”.

حل “واقعي”
ويرى الخبير الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة بأن الترحيل “حل واقعي” لازمة النفايات التي لا تحل الا بالترحيل، بعد ان سقط خيار المطامر لاسباب طائفية، حتى أنه “بعيدا عن مذهبة النفايات هناك مشكلة الحل التقني الذي يحتاج، اقلها، الى فترة تتراوح ما بين الـ 3 الى 6 اشهر” وهنا يعود خيار الترحيل من النافذة الواقعية العريضة لـ”تخطي المشكلة الآنية المتمثلة بـ 350 الف طن في الطرقات والتي ستتسبب بخلق كوارث صحية لا يمكن تخطيها أو غض النظر عنها”.
وعن الكلفة الاقتصادية التي يمكن أن تدفعها الدولة مقابل الطن الواحد من النفايات، يشير عجاقة إلى أن “النفايات المنتشرة في الشوارع فقدت القيمة الحرارية بعد دخول الأزمة شهرها الرابع وبعد ان انغمست النفايات بالمياه وتبخرت بالشمس، وبناءً عليه ستأخذ الدول المستوردة النفايات فقط للحرق ولا يمكنها الاستفادة منها في توليد الطاقة، وبالتالي ستشكل هذه النفايات كلفة أكبر على الدول المستوردة وبذلك ستزيد كلفة الدفع على البلد المصدّر (لبنان) ومن المتوقع أن تصل كلفة تصدير الطن الواحد من النفايات الى 250 دولارا في حال كان التصدير الى ألمانيا، ايطاليا، او سبانيا، أما اذا تم التصدير الى سوريا أو العراق، اللتين أعربتا بشكل غير رسمي عن استعدادهما لاستقبال نفايات لبنان، يمكن ان يكلفنا الطن الواحد ما يقارب الـ60 دولارا، لانهما أولاً سيطمران النفايات في الصحراء، وفي الصحراء لا مياه ولذلك لا اشكالية لديهم، وثانياً لأن كلفة النقل تغيب عند نقل النفايات براً، ويكون توضيبها أسهل وأقل كلفةً أيضاً، لان نقل النفايات بالبحر يحتاج الى توضيب دقيق في صناديق يتم وضعها بطريقة معينة لا تلوث البحر احتراماً للمواثيق والمعاهدات الدولية”.
ويوضح عجاقة أن الكلفة الحقيقية للتصدير قد تتأثر بحسب الدول التي يُتوقع أن تساعد لبنان في أزمته، متوقعاً بأن تكون فرنسا إحدى الدول التي ستساعد لبنان في التخلص من أزمة نفاياته، “لأن فرنسا فقدت نفوذها في لبنان وهي بحاجة اليوم لتستعيد نفوذها الذي يمكن أن يكون عبر تخليص لبنان من ازمة النفايات” التي تتحول من أزمة الى كارثة بيئية صحية ووطنية.

“مزحة”
وللبيئيين رأيهم في هذا الموضوع، إذ لا يرَون في خيار الترحيل إلا “مزحة” نابعة من غياب الإرادة الفعلية لدى المعنيين لإيجاد حلول لأزمة النفايات، أو “طرحًا ارتجاليًا” نابعا عن عدم معرفة طارحه بحيثياته وكلفته البيئية والاقتصادية الحقيقية. فيؤكد المحامي عماد قاضي أحد اعضاء “الحركة البيئية اللبنانية” وعضو الهيئة البيئية في مدينة الشويفات، في حديثه لـ”البلد” أن خيار ترحيل نفايات لبنان الى الخارج “طرح غير منطقي” وهو “أول أسوأ خيار طُرح لحل هذه الازمة كونه غير مقبول على المستويين الاقتصادي والبيئي” كما وانه خيار “شائك تقنياً” اذ لا يمكن ان يطبق كون الدول التي تستورد عادة النفايات تستوردها مُفرزة ولها مواصفات معينة و”النفايات الموجودة حاليا في لبنان يستحيل تصديرها كما هي اليوم كما أن كلفة تصدير الطن الواحد منها قد تصل الى 250 دولارا وما فوق، وبالتالي لا يمكن لهذا الخيار ان يكون طرحاً جدياً تماماً كالطرح الاخير عن إنشاء مطمر في الكوستا برافا”. لافتاً الى اننا “نعيش كارثة غير مسبوقة في تاريخ لبنان وهناك امكانية للحل ولكن ما من ارادة حقيقية للحل لدى المعنيين”.

الخطة “تاء”
وفي الوقت الذي تستمر الحكومة بطرح خيارات إما مستحيلة وإما شبه مستحيلة الحل يستمر البيئيون بطرح خططهم وحلولهم البيئية “الممكنة” ويتحدث قاضي عن آخر خطة قدمتها “الحركة البيئية اللبنانية” والتي أسمتها الخطة “تاء” والتي تأتي بعد الخطتين “ألف وباء” اللتين لم تلقيا أي صدى في الجلسات الرسمية “لغياب الإرادة الفعلية لإيجاد الحلول” والتي هي خطة “تعتمد على السُلّم العالمي المُعتمد لمعالجة النفايات ومقاربته تبعاً لامكانيات لبنان المتاحة”.
وفي تفاصيل الخطة “عشر تاءات تقدم حدودا واضحة لمعالجة الأزمة” وتشمل “تحفيز الفرز من المصدر، تشغيل معامل الفرز في كل لبنان، توزيع مراكز التسبيخ على كل الأقضية، تفادي المطامر والمحارق والمكبات في البحر، تحويل أموال البلديات، تدوير الزجاج والبلستيك والمعادن والورق، تسبيخ الفضلات العضوية وتغذية الحيوانات، تأمين الطاقة من المكونات الغنية بالطاقة الحرارية والخالية من العناصر والمركبات السامة لصالح تصنيع الوقود القابل للاستعمال في افران الإسمنت، تأهيل المقالع بالعوادم، وتخزين وترحيل النفايات الخطرة”.

بين المزح والجدّ
اذا، تشير المعطيات الى ان النفايات التي ضلّت طريقها الى المكبات العشوائية ربما ستجد طريقها الى الخارج، ولكن من المؤكد أنه لا يمكن لها أن تسير بتلك الأرقام الخيالية في ظل عجز الدولة عن دفع رواتب، حتى عساكرها، ليبقى خيار الترحيل طرحاً خيالياً “ما بين المزح والجد” لا يمكن أن يتحوّل الى واقع إلا في حال تصدّقت إحدى الدول، صاحبة الأيادي البيضاء، بهبةٍ جديدة على لبنان، هبة من نوعٍ آخر، ويا ليتها تتصدّق “بطريقها” على الشعب اللبناني وتحمل مع النفايات تجّارها بعيداً من هنا، الى حيث لا عودة…! رابط البلد

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More