أستاذ جامعي وباحث نووي وإقتصادي

نصف قرن على “لبنان الفساد”… والتكنولوجيا هي الحل

لبنان الفن، لبنان الحضارة، لبنان السلام، الثقافة والحريات… لطالما ارتبط اسم لبنان بهذه العناوين، ولطالما كررها آباؤنا وأجدادنا على مسامعنا حتى حفظناها عن ظهر قلب. ولكن ماذا عن لبنان اليوم وأي عناوين ارتبطت به في السنوات الأخيرة وأي صفات التصقت به وأصبحت جزءا لا يتجزأ من تفاصيله. فيحتار جيل اليوم في أمره ويغرق في مشاكله ويضيع في زواريب أسبابها الكثيرة التي تتقاطع لتصب في مستنقع واحد هو الفساد، ما يعطي للبنان اليوم اسماً جديدا هو “لبنان الفساد” حصل عليه بجدارة على مدى أكثر من نصف قرن حتى احتل المرتبة الـ 123 من أصل 175 على لائحة الفساد. 

جريدة البلد | نهلا ناصر الدين

 حسب استطلاع أجرته شركة “إيبسوس” شمل عينة من اللبنانيين تراوحت أعمارهم بين الـ21 سنة وما فوق، سألت فيه اللبنانيين عن أبرز المشاكل التي يعانون منها، فاعتبر 87 في المئة من المستهدفين في الاستطلاع أن أبرز المشاكل التي يعانون منها هي الفساد، 85 في المئة اعتبروا أن النقص في تأمين الحاجات الأساسية من أزمة النفايات إلى الماء والكهرباء إلى الرعاية الصحية والتعليم هي أبرز المشاكل، 68 في المئة اعتبروا أن انعدام الأمن والاستقرار هو من أبرز المشاكل، 55 في المئة رأوا في غلاء المعيشة أبرز المشاكل، 55 في المئة اعتبروا النقص في فرص العمل من أبرز ما يعانون منه، 42 في المئة اعتبروا مشكلة اللاجئين السوريين من أبرز المشاكل، 40 في المئة اشتكوا من الهجرة المتزايدة، و38 في المئة رأوا في مشاكل النقل العام سببا لأبرز معاناتهم.

وبما أن الإجماع الأكبر كان على مشكلة الفساد بـ 87 في المئة، طرحت “إيبسوس” على اللبنانيين سؤالا “على أي المستويات يظهر الفساد بشكل أساسي برأيهم”، فكان الجواب: 84 في المئة اعتبروا أن الفساد يظهر بالوسايط، 81 في المئة اعتبروا أن الفساد سببه مصالح السياسيين الشخصية، 70 في المئة من المستفتين اعتبروا أن الرشوة من ابرز وجوه الفساد، 31 في المئة رأوا أن التواطؤ مع السياسة الأجنبية سبب للفساد.  وإجابة على سؤال “ما هي أبرز المطالب التي يطلبها اللبنانيون من الرؤساء الثلاثة”.

تصدر أيضا مطلب محاربة الفساد في مؤسسات الدولة قائمة الأجابات بـ57 في المئة، بينما 52 في المئة طالبوا بالعمل على تحسين الوضع الاقتصادي، 40 في المئة أكدوا ضروؤة العمل على إيجاد حل لمشكلة النفايات كمطلب من الرؤساء الثلاثة، 36 في المئة طالبوا بالعمل على حل مشكلة الكهرباء، 27 في المئة طالبوا بوضع قانون انتخابات وإجراء الانتخابات النيابية، و18 في المئة طالبوا بالمحافظة على الأمن.

الحكومة الالكترونية

لم يتفاجأ الخبير الاقتصادي والاستراتيجي جاسم عجاقة بهذه الأرقام، واستغرب عدم إجماع اللبنانيين 100 في المئة على اعتبار الفساد مشكلة أساسية لحياتهم، كون كل المشاكل التي يعاني منها اللبناني يمكن أن تحل بمحاربة الفساد الذي تجاوز عمره النصف قرن، بعد أن مرّ على آخر إصلاحات فعليّة قامت بها الدولة اللبنانية في عهد الرئيس فؤاد شهاب أكثر من 50 سنة.

ويرى عجاقة بأن أحد الحلول الفعالة لمحاربة الفساد والحد منه في لبنان هو الحكومة الالكترونية، وهي عبارة عن استخدام التكنولوجيا، تحديدا الحاسوب إضافة إلى برامج مختصة في العمليات التي تقوم بها المؤسسة.

الأمر الذي يؤدي إلى فعالية أكبر في الأداء من خلال السرعة في تنفيذ العملية وتفادي فقدان الأوراق والتدقيق في العملية والأخطار التشغيلية الناتجة عنها. علما أن استخدام الحكومة الإلكترونية يساعد على زيادة الشفافية، تسريع العمليات، السماح بتعقّب العمليات، يجعل العمليات تعتمد على قواعد مكتوبة، يسمح بالحفاظ على سرية الموظف والعمليات، يسمح بنشر أسهل للمعلومات كما وتجميعها من عامة الشعب، يقلّل من التعاطي المباشر بين الموظف وعامة الشعب، ويسمح بالمحاسبة ويحد من سلطة الموظف.

وبالطبع كل هذا يلجم ظاهرة الفساد بحكم أن الأنظمة الإلكترونية تسمح بتعقب العمليات وكشف عمليات الغش وفاعلها. إضافة إلى أن الوصول إلى المعلومات يصبح أسهل من خلال الحاسوب وبالتالي يمكن نشر المعلومات التي يتم اختيارها، لعامة الشعب من خلال بوابة إلكترونية أو من خلال الهواتف الذكية. وكل هذا يزيد الثقة بين المواطن والإدارات العامة التي تزيد مع ازدياد مستوى الشفافية والسماح للمواطن بالوصول إلى ملفه الشخصي.

أسس أربعة

ويلفت عجاقة إلى أن من الاستراتيجيات التي وضعها الباحثون في المجالات الإقتصادية والإجتماعية والسياسية للحد من ظاهرة الفساد “الإستراتيجية الرباعية الأسس” والتي تقوم على ما يلي:

  • أولاً: الوقاية عبر القيام بإصلاحات إدارية تشمل آليات العمل الإدارية، الحاسبية والمشتريات.
  • ثانياً: تقوية الحوكمة وذلك من خلال وضع سجلات خاصة وإنشاء نظام رقابي فعّال ومُندمج بآليات العمل.
  • ثالثاً: وضع المعلومات في تصرف الإعلام وعامّة الشعب (القطاع العام) وذلك من خلال قواعد البيانات التي تمتلكها المؤسسة.
  • رابعاً: بناء القدرات وذلك من خلال تعزيز أنظمة الحوكمة والعمليات كما وتأمين التدريبات اللازمة، وتعزيز ثقافة محاربة الفساد، وهي الثقافة التي لا يمكن أن تعمم إلا عبر البعد الأخلاقي، ومحاربة الفاسد والتشهير به مثله مثل مغتصب الأطفال ليكون عبرة لغيرة.

تحديات التطبيق

ويطرح عجاقة مثالاً على اتباع المكننة في المؤسسات الرسمية، الأمن العام الذي أصبح ممكننًا لدرجة خفت معها المحسوبيات بنسبة كبيرة، وأصبح مظهرًا من مظاهر التحضر ونوعًا من الإدارات الجديدة التي يحتاجها لبنان واللبنانيون. ولو أن هذه الممكننة تطبق على صعيد كل الوزارات والمؤسسات والادارات الرسمية الأخرى لساهمت بتخفيف نسب الفساد بشكل ملحوظ.

وتقع المسؤولية المباشرة في تطبيق هذه الآلية على الحكومة بالدرجة الأولى التي يتوجب عليها تحضير مشروع قانون لتطبيق الحوكمة الإلكترونية، وعلى مجلس النواب الذي يصوت على القانون بالدرجة الثانية.

وسببان اثنان يقفان عائقا أمام اتباع المكننة في مؤسسات الدولة، كما يؤكد عجاقة، وهما أن المستفيدين من هذه الفوضى في تعبئة جيوبهم بالتأكيد لا تناسبهم هذه الآلية ويحاربونها بشتى الوسائل، إضافة إلى وجود موظفين كثر من الجيل القديم الذين لا توجد علاقة جيدة بينهم وبين التكنولوجيا.

العهد الجديد

إذاً الفساد موجود ومستشرٍ، والحلول موجودة أيضاً، ويعلق اللبنانيون آمالا كبيرة وكثيرة على العهد الجديد و”من المتوقع أن يكون العهد الجديد عهد محاربة الفساد وذلك بحسب خطاب قسم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وتصريحات الأحزاب السياسية”، فهل سيصلح العهد الجديد ما أفسده نصف قرن من الفساد؟ لعله سؤالٌ يبقى برسم الأيام القادمة التي لها أن تضع قطار محاربة الفساد على سكة التطبيق أو تسند جديد العهد إلى قديمه…!

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More