بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

اللبناني “يتفقّر” 1000 دولار سنوياً

يُعتبر ميزان المدفوعات من أهم المؤشرات المالية التي تُستخدم من أجل تقييم الوضع المالي لبلد مُعيّن، إذ تستخدمه وكالات التصنيف الإئتماني بشكل كبير لتقييم الوضع المالي. وتحليل ميزان المدفعوات في لبنان يُظهر أن لبنان يُعاني عجزاً قاتلاً في الميزان التجاري.

يتكون ميزان المدفعوات من مجموع العمليات التي تتمّ بين بلد معيّن (المقيمون) والخارج (غير المقيمين) خلال فترة معيّنة عادة ما تكون سنة. ويتمّ إحتساب ميزان المدفوعات على أساس مبدأ المحاسبة، التي تنص على تسجيلها مرتين في الحسابات الوطنية. فمثلاً إستيراد البضائع يُسجّل بخروج أموال من الميزان التجاري ودخول أموال في ميزان رؤوس الأموال. من هنا تأتي كلمة “ميزان” التي تعكس توازناً مُستمراً لهذا الحساب، لذا، من المهم فهم مكونات هذا الميزان وخصوصاً الحسابات الوسيطة، مثل حساب العمليات الجارية، نقل المداخيل. ويتكون ميزان المدفعوات من:(1) رصيد العمليات التجارية الذي هو عبارة عن الفرق بين الصادرات والواردات؛(2) رصيد العمليات غير المرئية، التي تضمّ الفرق بين تصدير وإستيراد الخدمات، إستعادة الأرباح، وتحاويل المنظمات الدولية العاملة في البلد (من وإلى)؛(3) رصيد حساب رؤوس الأموال الذي يشمل صافي نقل رؤوس الأموال من وإلى البلد؟(4) الإستثمارات المباشرة، وهي عبارة عن صافي إستثمارات الأجانب المباشرة في البلد وإستثمارات البلد في الخارج؛(5) الإستثمارات في المحافظات؛(6) القروض الخارجية؛(7) الإحتياطات بالأمانة. وبدراسة هيكلية ميزان المدفوعات للبنان يظهر أن الميزان التجاري يُسجّل عجزاً مُفرطاً. وذلك منذ عقود، مع عجز شبه كلّي للماكينة الإقتصادية في تلبية الطلب الداخلي. وبالتالي، نرى أن هناك خروجاً لأموال كبيرة سنوياً بلغ ذروته في العام 2013 مع 17.3 مليار دولار ليعاود الإنخفاض إلى 15.1 مليار دولار تحت تأثير إنخفاض أسعار النفط وتراجع سعر صرف اليورو مقابل الدولار الأميركي. أما تصدير الخدمات وإستيرادها فيظهر بحسب أرقام المركز الدولي للتجارة (ITC) للعام 2014، أن ميزان الخدمات متوازٍ مع ما يُقارب 13 مليار دولار، إستيراداً وتصديراً. وفي ما يخص تحاويل المنظمات الدولية وإستعادة الأرباح، فهي تبقى ضئيلة في الإتجاهيين. وبالتالي، فإن ميزان العمليات غير المرئية يوازي صفر. أما في ما يخص حساب رؤوس الأموال، فنرى أن حجم الأموال التي تدخل لبنان كبيرة مع ذروة في العام 2009 بلغت 20.7 مليار دولار، لتُعاود إنخفاضها إبتداءً من العام 2010 وتهبط إلى 11.8 مليار دولار في العام 2015. وبالنظر إلى تحاويل المُغتربين، نرى أن حجمها بلغ الذروة في العام 2013 مع أكثر من 7.8 مليار دولار، لتعاود الإنخفاض في العامين 2014 و2015 بفعل إنخفاض أسعار النفط إلى 7.1 مليار دولار في العام 2015. أما الإستثمار الأجنبي المُباشر فقد إنخفظ من 4.8 مليار دولار، وهي أعلى نقطة له في العام 2009، إلى 2.34 مليار دولار في العام 2015، أي أقلّ من النصف.

وعلى صعيد الودائع المصرفية لغير المُقيمين ولغير القطاع المالي، فقد بلغت 64.4 مليار دولار مع تغيرات شهرية بمعدّل 400 مليون دولار، أدّت إلى زيادة الودائع بـ18.4 مليار دولار منذ 31/10/2012. وتبقى القروض الخارجية والإحتياطات بالأمانة والتي هي بالمُطلق ضئيلة نتيجة عدم تكرارها إذا ما وجدت. وبالتالي، يُمكن إعتبارها غير موجودة. كل هذا يوصلنا إلى النتيجة “التعيسة” التالية: إن ميزان المدفعوات أخذ يُسجّل عجزاً كبيراً، منذ العام 2011 بعدما بلغ 2 مليار دولار في العام 2011، و1.54 مليار دولار في العام 2012، و1.13 مليار دولار في العام 2013، و1.41 مليار دولار في العام 2014 و3.35 مليار دولار في العام 2015. هذا التراجع الكبير يأتي بعدما سجّل هذا الميزان فائضاً تاريخياً في العام 2009 مع 7.9 مليار دولار، وهو بالدرجة الأولى من تحاويل المُغتربين ومن الإستثمارات الأجنبية المباشرة. وتُشير البيانات التاريخية إلى أن عجز ميزان المدفوعات في الأشهر الأربعة الأولى من العام 2016 بلغ 899 مليون دولار مقارنة بـ714 مليون دولار في الفترة نفسها من العام 2015. وهذا يعني أنه بالوتيرة نفسها، سيُسجّل هذا الميزان عجزاً في آخر العام 2016 بقيمة 4.22 مليار دولار، أي أن لبنان يخسر سنوياً بقيمة 4.22 مليار دولار. وهذا يعني أن اللبناني يعيش فوق مستوى قدراته المالية. وبالتالي، هذا العجز في ميزان المدفوعات يتحول تلقائياً إلى دين عام. أين تكمن المُشكلة؟تكمن المُشكلة، بالدرجة الأولى، في الميزان التجاري الذي يُسجّل عجزاً لا يُمكن للإقتصاد اللبناني ولا للمالية العامة تحمّله. فالإهمال الذي يضرب السياسة الإقتصادية وبالتحديد الماكينة الإقتصادية يجعل الميزان التجاري في حالة عجز تشدّ الوضع المالي إلى الأسفل.

وبالنظر إلى الصادرات والواردات، نرى أن صادرات لبنان لا تُغطّي إلى 16.33% من الواردات، وبمعنى آخر إن مدخول الصادرات لا يُغطّي هذه النسبة، مما يستورد لبنان. وبالتالي، يُطرح السؤال عن نمط معيشة اللبناني الذي يستهلك أكثر من قدرته الإنتاجية. ويُطرح السؤال عن قدرة الماكينة الإنتاجية اللبنانية على الدخول إلى مُنظمة التجارة الدولية، التي ستزيد من عجز الميزان التجاري. وبالتالي، عجز ميزان المدفوعات. وهنا، يتوجب القول إن هذا الأخير تستخدمه وكالة التصنيف الإئتماني “ستندارد أند بورز” في تقييم التصنيف الإئتماني للدول. وبالتالي، يجب أن نتوقع تراجع التصنيف الإئتماني للبنان إذا ما إستمررنا على هذا الوضع. ما هو الحل؟الحل هو في زيادة الإستثمارات، إذ يتوجب على الحكومة، من خلال خطتها الإقتصادية، أن تُحصي المواد المُستوردة الأكثر إستهلاكاً والقيام بعدها بعملية إستثمارية من خلال الشراكة بين القطاعين الخاص والعام، لأجل خلق صناعات تُنتج جزءاً من البضائع المُستوردة التي يستهلكها اللبناني. ويتوجب على الحكومة تحديث قوانيها في اتجاه تحسين مناخ الأعمال لجذب المُستثمرين وللحفاظ على اليد العاملة اللبنانية. لا يُمكن للبنان الإستمرار على هذا النمط من الإستهلاك المُفرط للبضائع المُستوردة. وهنا تكمن مسؤولية الحكومة اللبنانية في التروي بدخول منظمة التجارة العالمية، لأن شعبها يفتقر كل سنة بقيممة 4.22 مليار دولار، أي ما يوازي 1000 دولار لكل مواطن.

رابط المدن  

مقالات بحسب المواضيع

الإقتصاد اللبناني

المالية العامة

الفساد

السياسة النقدية

سلسلة الرتب والرواتب

البروفسور جاسم عجاقة ضيف إذاعة الشرق اليوم 18 تموز 2019

البروفسور جاسم عجاقة ضيف الإعلامية محاسن حلبي على إذاعة الشرق (88.3 أف أم) ضمن برنامج "بالأرقام" اليوم الساعة الرابعة بعد الظهر وذلك للحديث عن الموازنة
المزيد...

عملة لبنانية بختم فلسطيني وهلع بين الناس.. فما هي الحقيقة؟

امتناع البنوك عن استقبال العملة اللبنانية المختومة بكلمة فلسطين. الفلسطينيون يقومون بختم كلمة فلسطين على العملة…

السياسة النقديّة مستقرّة رغم الضغوط

على الرغم من الأزمات التي يمرّ فيها لبنان بشكل شبه يومي من تخبّط سياسي إلى فوضى إقتصادية ومالية مرورًا بأحداث…

السياسة النقدية مستقرّة رغم الضغوط

مقابلة البروفسور جاسم عجاقة على شاشة الـ أم تي في ضمن برنامج برس رفيو - السياسة النقدية مستقرّة رغم الضغوط - تاريخ…

صراع بين التساؤل اللبناني والملاحظات القاسية لصندوق النقد الدولي

صراع بين التساؤل اللبناني والملاحظات القاسية لصندوق النقد الدولي صندوق النقد يحذر «المركزي» والمصارف من شراء…

الدين العام

مصداقية الأرقام على المِحكّ والأسواق تُشكّك.. كيف تمّ خفض العجز إلى 6.59 بالمئة؟

أنها أقرب إلى قصّة خرافية منها إلى قصّة حقيقية، بلد يُعاني من عجز مزمن في موازنته العامّة وبظرف ثلاثة أشهر يتمّ خفض هذا العجز إلى ما يقارب النصف؟! الأسواق أعطت كلمتها ووكالات التصنيف الإئتماني أعطت أيضا كلمتها وحتى صندوق النقد الدولي أعطى كلمته والنتيجة واحدة: لن تستطيع الحكومة الإلتزام بعجز 7.59%. إذًا كيف يُمكن لها أن تلتزم بعجز 6.59؟
المزيد...

هل تُخفّض “موديز” تصنيف لبنان الإئتماني؟

تقرير موجّه إلى السياسيين في الدرجة الأولى، هكذا يُمكن تصنيف تقرير موديز الذي لم تتفاعل معه الأسواق المالية على…

دوّامة الدولار وارتفاع الأسعار

يوماً بعد يوم يتورّط لبنان في لعبة الدولار المسمومة. فانعدام النموّ الإقتصادي، والعجز الهائل في الميزان التجاري…

قطر مقابل موديز : نشتري سندات خزينة

مقابلة البروفسور جاسم عجاقة على شاشة الـ او تي في | قطر مقابل موديز : نشتري سندات خزينة | - تاريخ 30 حزيران 2019
المزيد...

محلل اقتصادي: تقرير “موديز” رسالة للطبقة السياسية اللبنانية

أعلنت مؤسسة الائتمان الدولية "موديز انفستورز سيرفيس" في تقرير لها عن أن تباطؤ التدفقات الرأسمالية على لبنان وتراجع…

تحذيرات “موديز” المتكررة وغواية أموال صفقة القرن

أطلقت وكالة "موديز" للتصنيف، مطلع العام 2019، نداءً تحذيرياً للطبقة السياسية اللبنانية، مفاده ضرورة إجراء إصلاحات…

الموازنة العامة

الكهرباء

النفايات

التهرب الضريبي

الإرهاب

الهجوم الإرهابي على القوى الأمنية يُثير المخاوف الاقتصادية والمطلوب ضبط الاوضاع…

الهجوم الإرهابي على القوى الأمنية يُثير المخاوف الاقتصادية والمطلوب ضبط الاوضاع الداخلية السماح للحكومة بالصرف على…

العقوبات الأميركية على حزب الله

إيران

الأزمة القطرية الخليجية

الإمارات ومصر والسعودية أمام موجة خسائر بسبب مقاطعة قطر

ستكون شركات إماراتية وسعودية، أمام موجة من الخسائر المالية التي ما يزال مبكراً تقدير حجمها، ناتجة عن مقاطعة دول…

خُبراء.. قطع العلاقات مع قطر خسارة للاقتصادات العربية

محمد إبراهيم أكد خبراء ومحللون اقتصاديون، تأثر الاقتصادات العربية بالخلاف الدبلوماسي الأخير، والذي أدى إلى قطع…

مقالات إستراتيجية

الموازنة العامّة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More