بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

S&P تؤكد ملاءة لبنان حتى 2022 القيمة الحقيقية للاحتياط 38.66 مليار دولار

عجاقة: الليرة اللبنانية ليست في خطر، لكن من الضروري السير فورا في التنفيذ الحرفي للإجراءات التي تمّ إدراجها ضمن موازنة 2019

النهار | موريس متّى

في 23 آب الماضي أبقت وكالة ستاندرد اند بورز تصنيفها للبنان عند B- مع نظرة سلبية، وأعطت البلاد مهلة ستة أشهر لبدء تنفيذ الإصلاحات التي وردت في موازنة 2019، والتي ستستكمل بإصلاحات جديدة في موازنة 2020 وصولاً الى تحقيق خفض للعجز الذي يبقى هدفا اساسيا للحكومة اللبنانية والمؤسسات الدولية.

تقرير ملحق لستاندرد اند بورز خرج أمس مركّزاً على الاحتياطات الاجنبية لمصرف لبنان وقدرته على الاستمرار في تأمين الحاجات التمويلية للدولة، بعدما توقعت الوكالة في تقريرها الشهر الفائت إستمرار قدرة المصرف المركزي على الدفاع عن الليرة من خلال احتياطه، والتشديد على أهمية الاسراع في تنفيذ الإصلاحات بوتيرة سريعة. وفي تقريرها الذي صدر أمس، اعتبرت ستاندرد اند بورز ان الاحتياطات الأجنبية لدى مصرف لبنان يمكنها تغطية حاجات البلاد من الاقتراض مدى 12 شهرا، لكنها ترى وجود مخاطر بسبب تسارع وتيرة السحوبات من الاحتياطات لتغطية العجوزات والحاجات التمويلية للدولة، وقد قدرت انخفاض احتياطات مصرف لبنان القابلة للاستخدام إلى 19.2 مليار دولار بحلول نهاية 2019 من 25.5 مليار دولار في نهاية 2018.

إرتفاع الإحتياطات

تقرير الوكالة أتي بعد أيام من إعلان حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ان احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إرتفعت بما قيمته 1.4 مليار دولار خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر آب نتيجة تدفق ودائع مباشرة الى مصرف لبنان، من القطاع الخاص غير المقيم وليس من دول او جهات دولية، معطية دعماً إضافياً للنظام المالي في مواجهة الأزمات العميقة التي يواجهها. وقد رفعت هذه الزيادات الاحتياطات الأجنبية لدى مصرف لبنان إلى نحو 38.66 مليار دولار مقارنة مع 36.3 مليارا في حزيران 2019، ولا تشمل هذه الارقام احتياطات المصرف المركزي من الذهب والتي تقدر بنحو 14 مليار دولار، ما يرفع الاحتياطات الاجمالية الى ما يقارب 52.66 مليار دولار، بما يعكس ثقة المودعين ويعزز الثقة بالليرة ويساهم في خفض العجز في ميزان المدفوعات.

من 43 مليارا الى 38.7 مليارا

تراجعت الاحتياطات بالعملات الاجنبية لدى مصرف لبنان مقارنة مع المستويات التي تحققت منتصف 2018 عند 43 مليار دولار تقريبا، مع استمرار نزف عجز ميزان المدفوعات وتأمين الدولارات المطلوبة لتمويل الواردات وتدخل مصرف لبنان لتغطية استحقاقات سندات الاوروبوندز وكان آخرها في نيسان 2019، بقيمة 500 مليون دولار وبقيمة 650 مليون دولار تقريبا في أيار الفائت، اضافة الى تحمّل “المركزي” تغطية كلفة خدمة الدين العام.

بالعودة الى تقرير ستاندرد اند بورز الجديد، فهو مبني على تقويم قامت به المؤسسة للتغيرات المتوقعة بالنسبة الى احتياطات مصرف لبنان وقدراته التمويلية مع اعتماد معايير حسابية تختلف عن الوكالات الاخرى وحتى عما يعتمده مصرف لبنان. أما على صعيد المضمون، فالاهم هو التأكيد على ملاءة لبنان، أي على قدرتها التمويلية حتى العام 2022، ما يجب الأخذ به بإيجابية رغم ان الوكالة لم تأخذ في الاعتبار عودة ارتفاع الاحتياطات في نهاية شهر آب. من هنا تبقى أرقام هذه التقارير ضمن نطاق التحاليل التي يمكن البناء عليها لكنها لا تجزم أي واقع مستقبلي يمكن لبنان مواجهته.

فروق بين أرقام “المركزي” وأرقام الوكالة؟!

ولكن ما هو سبب الفروق بين ارقام مصرف لبنان وأرقام ستاندرد اند بورز حول احتياطات مصرف لبنان؟ يرى الخبير الاقتصادي والاستراتيجي البروفسور جاسم عجاقة ان هذه الفروق تعود بالدرجة الأولى إلى الإختلاف في استخدام التعابير الإقتصادية. فمصرف لبنان يُعطي القيمة الحقيقية للإحتياط من العملات الأجنبية والتي بلغت حتى نهاية شهر أب 38.6 مليار دولار مع ارتفاع كبير في النصف الثاني منه بفضل الهندسات المالية التي يقوم بها المصرف المركزي، في حين أن ستاندرد اند بورز تستخدم تعبير “الإحتياطات القابلة للإستخدام” أي التي يُمكن مصرف لبنان إستخدامها من دون أن يكون لذلك تأثير على الثبات المالي والنقدي.

وما قالته ستاندرد اند بوزر في ما يخص أهمّية الإحتياطات في النظام التمويلي للدوّلة اللبنانية يحوي الكثير من الحقيقة. لكن توقّعها استمرار انخفاض الإحتياطات لم يتحقّق، وهذا ما أثبتته الإرتفاعات التي تحققت لهذه الإحتياطات في النصف الثاني من شهر آب بقيمة 1.4 مليار دولار من العملة الصعبة الآتية من خارج لبنان بفضل الهندسة المالية الأخيرة التي قام بها مصرف لبنان والتي سمحت بتحقيق أهداف عدّة منها:

– دعم وضع الليرة تجاه الدولار الأميركي، وهو أمر حيوي مع تعرّضها لوابل من الشائعات من أشخاص “مشبوهين”.

– تعزيز الثقة لدى المستثمرين الأجانب والدول المُقرضة في مؤتمر “سيدر” من خلال الثقة التي وضعها المودعون في المصارف التجارية.

– دعم مالية الدولة عبر زيادة الثقة بالنظام المالي المُعتمد في لبنان حيث تتوقع وكالات التصنيف الإئتماني تراجع الإحتياط، فإذا به يرتفع.

– إعطاء هامش تحرّك زمني للحكومة اللبنانية لإجراء الإصلاحات المالية والإقتصادية اللازمة.

من هنا يؤكد عجاقة مرة جديدة ان الليرة اللبنانية ليست في خطر، “لكن من الضروري السير فورا في التنفيذ الحرفي للإجراءات التي تمّ إدراجها ضمن موازنة 2019، اضافة الى ورقة بعبدا المالية الإقتصادية والتي تلعب دوّرًا إيجابيًا على صعيد خفض العجز في الموازنة وفي الميزان التجاري مما يزيد الأمل بمُستقبل واعد”.

إستحقاقات مقبلة

يواجه لبنان إستحقاقات مالية كبيرة قبل حلول نهاية العام الحالي وأيضا في النصف الاول من العام المقبل، ويأتي أول هذه الاستحقاقات في تشرين الثاني المقبل بقيمة 1.5 مليار دولار، ما يدفع وزارة المال الى إجراء طرح جديد للسندات لتأمين التمويل اللازم، فيما يُتوقع ان تشهد الايام القليلة المقبلة إجتماعات بين مصرف لبنان ووزارة المال للبحث في كيفية التعامل مع هذه الاستحقاقات. ولكن من المهم الاشارة الى ما قاله كبير الاقتصاديين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى معهد التمويل الدولي غاربيس إراديان الذي اعتبر ان تحركات المسؤولين اللبنانيين في الايام الماضية مهمة جدا لناحية الشعور بخطورة الاوضاع مع دفعهم الى اتخاذ إجراءات مهمة، مؤكدا إيمانه بأن لبنان لم يتخلف مرة عن سداد ديونه بدعم من احتياطاته الاجنبية المرتفعة وقوة قطاعه المصرفي، فيما البلاد لم تتخلف يوما عن تسديد اي من مستحقاتها بالعملات الاجنبية، وهذه إشارة مهمة الى الأسواق.

وعاودت سندات لبنان تسجّيل ارتفاع ملحوظ في الأسواق العالميّة في الساعات الماضية بعد ان هبطت إلى مستويات منخفضة جديدة قبل ايام، كما ارتفعت تكلفة التأمين على ديون لبنان جراء مخاطر التخلف عن السداد إلى مستوى قياسي نتيجة التوترات مع إسرائيل والتي تضاف إلى المخاوف المالية.

Print Friendly, PDF & Email
مصدر النهار

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More