بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

أكثر من 86 % من المياه في لبنان غير صالح للاستهلاك

النهار

مما لا شك فيه أن لبنان الغني بمتساقطاته المائيّة مُقبل على مشكلة ليست بصغيرة نتيحة تراجع كمية المياه الصالحة للاستهلاك وللشرب، وفي ظل غياب شبه تام للدولة عن حل أزمة تلوّث مصادر المياه الجوفية والينابيع وغياب شبكات الصرف الصحّي التي تطاول معظم المناطق الجبلية التي تضم معظم مصدر الينابيع.

موّل الاتحاد الأوروبي في مطلع التسعينات مشروعاً لتقويم حالة المياه الجوفية التي تُستخدم للشرب في لبنان. والمفاجأة حينها كانت بالنتائج التي أظهرت أن 90% من مياه لبنان ملوّثة بأنواع مختلفة من الجراثيم وبنسب مختلفة. وفي العام 2002، أطلقت لجنة الاشغال العامة والنقل والطاقة والمياه النيابية تقريراً مفصلاً عن التوجهات العامة لرسم سياسة مائية في لبنان.

وبحسب التقرير تمّ إقرار عدد من المبادئ والتي لم تُحترم حتى اليوم ولم تتطبق بعد نحو 14 عاماً على إصدار التقرير، وعلى رأسها: اقرار سياسة مائية شاملة، تطبيق مبادئ الادارة المتكاملة للموارد المائية، تلبية حاجات المجتمع الأساسية من مياه الشرب السليمة، حماية مياه الشرب من التلوّث، حماية المياه الجوفية، اعتماد سياسة استثمارية مالية لقطاع المياه، وترشيد استخدام المياه لاغراض الريّ.

وخلال الأعوام القليلة الماضية، أجرى فريق بحثي من الجامعة الأميركية في بيروت دراسة معمّقة وميدانية استمرت لمدة سنتين شملت مناطق عدة. وركزت هذه الدراسة على مياه الشفة، ومياه الأنهر الملوثة، ومياه الصرف الصحي المستخدمة في ريّ المزروعات.

وفي هذا السياق، يكشف رئيس قسم الاقتصاد في الجامعة الأميركية للعلوم والتكنولوجيا بسام همدر أن نسبة كامل شبكة المياه في بيروت وضواحيها في معظم المناطق اللبنانية مهترئة وتآكلت من الصدأ، مما أدى الى اختلاط مياه الصرف الصحي بمياه الشفة. ووفق همدر، تصل تكلفة الحصول على شبكة مياه تراعي الشروط في بيروت وضواحيها الى 150 مليون دولار، أما تكلفة تأسيس شبكات مياه جديدة في كل مناطق لبنان فقد تصل الى 300 مليون دولار بحده الأدنى. من هنا يشدّد همدر على اهمية القروض التي قدمها البنك الدولي في هذا المجال، وتصل قيمتها الى ما يقارب 430 مليون دولار.

وفي هذا السياق، يشير همدر الى دراسة قام بها أخيراً كشفت ان أكثر من 85% المياه التي تصل الى المنازل والمدارس والجامعات والمؤسسات وغيرها غير صالحة للشرب ولا للاستهلاك نتيجة النسب العالية من الصوديوم والكبريت وكل أنواع الجراثيم.

ويقول: “من تداعيات تلوّث المياه على الصحة ظهور أمراض عديدة منها حمى التيفوئيد والنزلات المعويّة، أمراض الإسهال، القيء والإسهال، الجرب، الملاريا، التهابات الكبد والكلى والجهاز العصبي المركزي، مرض الكوليرا، وأمراض شلل الأطفال، الجفاف وخصوصاً عند الأطفال. هذا الواقع يهدّد بشكل كبير الأمن الصحي لكل المواطنين من دون استثناء. فالتكاليف المباشرة لهذه الكارثة على صحة الانسان تصل الى ما يقارب 1,5 مليار دولار سنوياً على شكل فاتورة صحية، أما التكلفة الصحية غير المباشرة فتصل الى مليار دولار إضافية. وأكدت دراسات عدة أن 60% من الامراض المعوية ناتجة من تلوّث المياه خصوصاً”.

وبحسب الخبير الاقتصادي والاستراتيجي البروفسور جاسم عجاقة “يبقى الصرف الصحي أول مصدر لتلوّث مياه الشرب وتحديداً مع غياب شبكة صرف صحّي في العديد من المناطق ولا سيما في المناطق التي تكون فيها مصادر الينابيع. وهذا الأمر تدركه الحكومات المُتتالية منذ العام 1992”. وكان لبنان شهد أزمة نفايات طاحنة استمرت لأشهر وقابلة للتجدد في أي وقت، نتج منها تراكم النفايات في الطرق وفي مكبّات عشوائية.

وعلى رغم تأكد وزارتي الصحة والبيئة بأن لا تأثير لهذه النفايات على مياه الشرب بحكم أن النفايات هي على علو أدنى من ارتفاع الينابيع، يرفض عجاقة هذه النظرية ويقول: “لم نر أي خريطة من وزارة البيئة تُظهر مكان وجود المكبّات العشوائية مقارنة بخريطة من وزارة الطاقة والمياه وتالياً لا يُمكن الجزم أن لا تأثير للنفايات على المياه الجوفية”. يعتبر تنفيذ كل بنود استراتيجية قطاع المياه، والمخطط التوجيهي العام، ودراسات الجدوى الاقتصادية والأثر البيئي من الأولويات، وهي تشكل أساس أي تخطيط في حقل المياه، وتشدّد في إحدى نقاطها على ضرورة إعادة التحريج لما لذلك من أهمية في الدورة المائية والميزان المائي، ووجوب استعمال التقنيات العلمية الحديثة لمتابعة تطور الميزان المائي مع الوقت، والحدّ من التلوث والمحافظة على نوعية المياه ووضع مخطط إنماء عام ومتوازن لكل المناطق اللبنانية.

 

Print Friendly, PDF & Email
مصدر النهار

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More