بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

تداعيات اقتصادية ومالية محدودة للعقوبات الأميركية على حزب الله – عجاقة: لوجود إسميّ نصر الله وقاسم على اللائحة وقع معنوي على الأسواق المالية

أصدرت وزارة الخزانة الأميركية لائحة عقوبات جديدة طاولت الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله والشيخ نعيم قاسم ومجموعة من القياديين في الحزب، إضافة إلى عدد من المؤسسات. ليست المرّة الأولى التي تفرض فيها الولايات المُتحدة الأميركية عقوبات على حزب الله، ففي العام 2016 أصدرت وزارة الخزانة الأميركية لائحة عقوبات ضمّت إسماء مئة شخص ومؤسسة قالت الإدارة الأميركية أن لهم تعامل مع حزب الله.

لكن لهذه العقوبات تداعيات اقتصادية ومالية على لبنان تتفاوت نسبتها وفق معدّل التشدّد في آلية التطبيق، علماً أن العقوبات الأميركية على حزب الله تستهدف بالدرجة الأولى الجمهورية الإسلامية في إيران. وكل الخطوات التي تتخذها الإدارة الأميركية من عقوبات على حزب الله تصبّ في خانة التضييق على إيران التي تتهمها الولايات المتحدة الأميركية بالتدخل في الشؤون العربية عبر حلفائها في المنطقة أي حزب الله والحوثيين وحركة حماس.

الخبير الاقتصادي والمالي البروفسور جاسم عجاقة شرح لـ»الشرق» أن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة نجح في تطبيق العقوبات الأميركية على الأشخاص والمؤسسات التي طاولتها العقوبات من دون المسّ بالسلم الأهلي من خلال آلية التطبيق التي عمّمها على المصارف والتي لجمت اندفاع بعض المصارف في تطبيق هذه العقوبات».

أضاف: فالحزب بحسب تصريحات السيد حسن نصر الله، لا يمتلك حسابات مصرفية عائدة إلى أفراد في الحزب ولا يستخدم القطاع المصرفي في عملياته المالية. وهذا الأمر قدّ يكون سهّل عملية التطبيق وجعل تداعياتها المالية والاقتصادية محدودة. وبالتالي من المفترض ألا يكون لتطبيق العقوبات تداعيات اقتصادية أو مالية، إلا أن رمزية وجود إسميّ السيد حسن نصر الله والشيخ نعيم قاسم على هذه اللائحة لها وقع معنوي على الأسواق المالية.

وأشار إلى أن «خيارات رياض سلامة محدودة لكن ليست معدومة، في ما يخص تطبيق العقوبات، فإمّا لا يُطبّق العقوبات وهذا الأمر سيتسبّب بمشكلات كارثية على لبنان اقتصاديًا وماليًا ونقديًا، أو أن يُطبّق هذه العقوبات وبالتالي على الحاكم سلامة استخدام حنكته وخبرته المصرفية وعلاقته الدوّلية لتطبيق مرن لهذه العقوبات». وتابع: في العام 2016، كانت الحكومة اللبنانية تتخبّط في مشاكل آتية من الشغور الرئاسي في الدرجة الأولى. لذلك عند صدور لائحة العقوبات بادر حاكم مصرف لبنان إلى أن يأخذ على عاتقه مسؤولية تطبيق العقوبات حفاظاً على الكيان اللبناني ولكن في الوقت نفسه المحافظة على التوازنات الداخلية. ولم تستطع الحكومة آنذاك طرح هذا الموضوع على طاولة مجلس الوزراء خوفاً من انفجار الحكومة في وقت كان المنصب الأول في الدولة شاغرًا.

الموضوع على كفّة التأليف
ورداً على سؤال عن أن الحكومة تدخل في 21 الجاري في مرحلة تصريف الأعمال، وبالتالي لن تتمكّن من معالجة هذا الموضوع إلا إذا طُرح من خارج جدول الأعمال يوم الإثنين «إنه أمر مُستبعد» يقول عجاقة، «نظرًا إلى حساسية الموضوع والثقل السياسي لـ»حزب الله» في الحياة السياسية اللبنانية».

ومع المشكلات التي ستواجه رئيس الحكومة المُكلّف علماً أن الأخير سيكون الرئيس سعد الحريري، أوضح أنه «لن تكون الحكومة موجودة لاتخاذ قرار سياسي واضح بتطبيق العقوبات. لذلك سيواجه الحاكم سلامة الأمر منفرداً مع فارق أساسي وهو وجود رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الداعم لحاكم مصرف لبنان. هذا الدعم سيُشكّل غطاء سياسيًا أساسيًا لسلامة في مهمته الحساسة، أي تطبيق العقوبات».

وفي المقلب الآخر أوضح عجاقة في معرض تأكيده أن العقوبات تستهدف إيران، أنه «عندما وقّعت الولايات المتحدة الأميركية الإتفاق على البرنامج النووي الإيراني، رُفعت كل العقوبات الدولية عن إيران أقلّه قانونيًا. وبالتالي لم تعد تمتلك الولايات المتحدّة أي حجّة قانونية للجم نفوذ إيران في المنطقة العربية. لذلك لجأت أميركا إلى فرض عقوبات على حلفاء إيران (رجال أعمال وأشخاص مصنّفين قريبين من حزب الله).

ولم يغفل عجاقة الإشارة إلى أن «التجارب الإيرانية على الصواريخ البالستية، فتحت الباب أمام إدارة ترامب لإعادة فرض عقوبات على إيران. إلا أن مدى هذه العقوبات كان محدودًا بحكم القانون الأميركي، لذلك جاء الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني ليُعيد إلى واشنطن الحجّة القانونية التي تلزمها فرض عقوبات على إيران وتحقيق هدفها بلجم نفوذ إيران في المنطقة. ومَن أهم من حزب الله الحليف الأول لإيران لاستهدافه بعقوبات مع البُعد الإستراتيجي الذي يمتلكه والذي باعتراف أخصامه له امتدادات وقوّة تأثير في العديد من الدول العربية. من هنا يأتي إدراج إسم الأمين العام ونائبه على لائحة العقوبات كرسالة سياسية قوية لإيران.

الاستخدام السياسي للعقوبات
وأوضح عجاقة أن «خصوم حزب الله في السياسة في لبنان سيستخدمون هذا الحدث كإحدى أدوات الصراع السياسي وهذا الأمر مشروع في السياسة. إلا أن ما يتوجّب الانتباه إليه، هو أن التمادي في استخدام هذا الحدث يمكن أن يؤدي إلى توترات داخلية قد لا تكون عواقبها محدودة وستؤثرّ بشكل مباشر على الاقتصاد اللبناني والمالية العامة وبالتالي على الدين العام عبر شلّ الحياة السياسية اللبنانية ومعها القرارات الاقتصادية. من هذا المنطلق، هناك حاجة مُلحّة للفرقاء السياسيين إلى التعقل في استخدام هذا الحدث في صراعهم السياسي الداخلي.

تعقيدات التطبيق
في هذا السياق، اعتبر أن التعقيدات التي ستطاول تطبيق العقوبات هي تعقيدات تقنية في الدرجة الأولى، والتداعيات الفعلية لها أوجه عدة وهي:

– أولاً: هذه اللائحة تتضمّن أسماء رمزيّة لها وقع نفسي في الأسواق، وإحتمال إدراج أسماء أخرى في المستقبل لها أوزان إقتصادية (رجال أعمال، شركات…) قد يؤدّي إلى تداعيات حقيقية على الأرض.

– ثانيًا: مع إصدار لائحة العقوبات ومع الحملة التي تقودها الولايات المتحدّة الأميركية على حزب الله، ستكون كل التعاملات الدولية (والتي تمرّ عبر المصارف) موضع تدقيق من قبل الإدارة الأميركية بحكم أن التعامل يتم بالدولار الأميركي. وهذا الأمر قد يؤدّي إلى تأخير كبير في العمليات التجارية.

– ثالثًاً: مع إنضمام دول الخليج إلى الولايات المتحدة في تطبيق العقوبات، قد تتأثر أوضاع بعض اللبنانيين العاملين في الخليج والذين تُصنّفهم دول الخليج بـ «مناصرين لحزب الله» من خلال التضييق على أعمالهم أو على تحاويلهم المالية إلى لبنان.

– رابعًا: مع مؤتمر «سيدر» وإلتزام الدول المشاركة في هذا المؤتمر تطبيق العقوبات، ستكون مشاريعه  تحت المجهر العالمي والأميركي خصوصًا بهدف منع إستفادة أشخاص أو شركات مُصنّفين «مناصرين لحزب الله» من هذه المشاريع. وهذا الأمر قد يكون عامل تأخير في تطبيقها.

من هنا ختم عجاقة: إن التقييم الدقيق لتداعيات العقوبات وسيناريوهات إدراج أسماء إضافية على هذه اللائحة، ستكون موضع عمل مصرف لبنان لمعرفة الآلية الأنسب لتطبيق هذه العقوبات مع أقلّ ضرر ممكن على الإقتصاد والقطاع المصرفي اللبناني على السواء.

رابط الشرق

Print Friendly, PDF & Email

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More