Professor Jassem AJAKA
Physicist | Economist

عجاقة: السياسة النقدية لحاكم مصرف لبنان صمام أمان للبلد

أشاد الخبير الاقتصادي والاستراتيجي البروفسور جاسم عجاقة بإنجازات حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وحكمته التي نأت بلبنان عن تداعيات أحداث سياسية وأمنية جمّة كادت تُحكم قبضتها بالاقتصاد الوطني. ولفت في حديث لـ «الشرق»، إلى إيجابيات الهندسة المالية التي قام بها سلامة، وقال: الهندسة المالية التي أنجزها بين شهريّ أيار وآب 2016 كان لها سبعة أهداف تحقّقت كلّها من دون استثناء. وتذهب جميعها في دعم الثبات النقدي وتدعيم القطاع المصرفي، والتي تأتي كضرورة في ظل غياب إجراءات حكومية لخفض العجز في الموازنة وإصلاح هيكلية الإقتصاد اللبناني من ناحية خفض العجز في الميزان التجاري الذي يُعتبر مع العجز في الموازنة السبب الرئيسي لتآكل المالية العامّة. والأهداف السبعة هي:
(1) تدعيم احتياط مصرف لبنان من العملات الأجنبية وقد نجح المصرف في هذه المهمّة حيث ارتفع حجم احتياط المصرف المركزي إلى ما يزيد عن 41 مليار دولار أميركي.
(2) تدعيم رأس مال المصارف التجارية وحمايتها من الصدمات المالية .
(3) رفع السيولة بالعملة المحلّية وذلك بهدف تلبية الطلب الداخلي للقطاعين العام والخاص وهذا ما يدعم القروض للقطاع الخاص.
(4) تحصين هيكلية الدين العام اللبناني عبر خفض كلفة الاقتراض وقد نتج عن الهندسة وفر بقيمة 450 مليون دولار أميركي.
(5) تحسين ميزان المدفوعات عبر تحويله من عجز بقيمة 3.35 مليارات دولار أميركي في العام 2015 إلى فائض بقيمة 1.24 مليار دولار في نهاية العام 2016 .
(6) الحفاظ على مستوى مقبول من التضخّم (أقل من 4%) وهذا أمر أساسي لتحفيز النمو الإقتصادي؛
(7) دعم التصنيف الائتماني من خلال تحسين ميزان المدفوعات الذي تستخدمه وكالات التصنيف بشكل أساسي لخفض أو رفع التصنيف الإئتماني للدول.
أما عن إيجابيات تثبيت سعر صرف الليرة، فلفت عجاقة إلى أن «النظرية الاقتصادية تنصّ على أن هناك ثلاث فوائد لتثبيت سعر صرف العملة:
– الفائدة الأولى تكمن في استحالة التنبؤ بالتغيرات التي قد تطاول العملة الوطنية في حال كان هناك سعر صرف حرّ، وهذا قد ينتج عنه ضرر كبير على ثروات الأفراد والشركات وبالتالي يضرب الاقتصاد كما حصل في بلدان عدة مثل روسيا ونيجيريا. كما أن ثبات العملة يسمح بثبات في التبادل التجاري العالمي وهذا الأمر كان من الدوافع الاساسية لمعاهدة Bretton Woods.
– الفائدة الثانية تأتي من ربط العملة الوطنية بعملة أجنبية تتمتّع بتضخم مُنخفض ما يعني أن هناك لجم للتضخمّ المحلي وبالتالي هناك محافظة على النمو الاقتصادي الذي يُعتبر التضخم عدوه اللدود (إذا ما تخطّى نسبة مُرتفعة).
– الفائدة الثالثة تكمن في أن الدول التي تتمتّع بتضخم هائل (حالة لبنان في ثمانينات القرن الماضي) وعدم ثبات في الأسعار، لها مصلحة في تثبيت سعر صرف عملتها نظرًا إلى أن كلفة تثبيت العملة على الاقتصاد تبقى أقلّ من كلفة سعر صرف حرّ خصوصًا في ظل عدم ثبات سياسي وأمني».
وعن  إنجازات الحاكم سلامة حتى في أحلك الظروف التي مرّ بها لبنان، قال: مما لا شك فيه أن الإنجاز الأول والأهم لحاكم مصرف لبنان خلال عقدين من وجوده على رأس مصرف لبنان هي الثبات النقدي أقصد ثبات العملة وثبات أسعار الفائدة. فعلى الرغم من الزلازل السياسية الأمنية التي عصفت بلبنان إبتداءً من العدوان الإسرائيلي في العام 1996، إلى الشغور الرئاسي الأخير مرورًا باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وعدوان تموز، وأحداث 7 أيار، والأزمة السورية وما نتج عنها من نزوح سوري ضغط بشكل كبير على الاقتصاد وعلى الليرة اللبنانية، وسياسة الإنفاق المُفرط التي اتبعتها الحكومات المُتعاقبة خلال هذه الفترة، استطاع سلامة الحفاظ على ثبات الليرة وعلى ثبات الفوائد. وتمكّن من تحقيق هذا الأمر من خلال تكوينه احتياطاً من العملات الأجنبية يوازي الناتج المحلّي الإجمالي ومن خلال الهندسات المالية التي قام بها. وهذا ما دفع الولايات المتحدة الأميركية إلى تصنيف سلامة بين أفضل عشرة حكام مصرف مركزي في العالم.
وأضاف: – الإنجاز الثاني الأساسي أنه شكّل دعماً أساسياً للدولة اللبنانية التي تُعاني من عجز مُزمن منذ خروج لبنان من الحرب الأهلية. وبفضل إدارته للقطاع المصرفي الذي يحكمه بيدٍ من حديد، استطاع إعفاء الدولة اللبنانية من اللجوء إلى الأسواق المالية العالمية التي كانت لتُعامل لبنان كما عاملت الأرجنتين واليونان وقبرص وغيرها.
– الإنجاز الثالث المُهم هو حفاظه على القطاع المصرفي الذي تخطّى كل الاستحقاقات الدولية وعلى رأسها محاربة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب والتهرّب الضريبي. كما أعفاه من الأزمة المالية العالمية التي عصفت بمصارف العالم وقضت على أكبرها (مثل ليمان براذرز، وفريدي وغيرها…) كل هذا بفضل سياسته الاحتياطية التي منعت المصارف من التعامل مع الأدوات المالية الُمشتقة على أصول سامّة.
– الإنجاز الرابع يتمثّل في دعمه للقطاع العقاري الذي وبفضل الرزم التحفيزية استطاع المُحافظة عليه على الرغم من التنبؤات العديدة بانهيار هذا القطاع. كذلك دعم العديد من القطاعات الواعدة مثل الصناعة الرقمية وسهّل مشاكل القطاع السياحي من خلال طلبه من المصارف إعادة هيكلة الديون المُتعثّرة لهذا القطاع.
ولفت إلى أن «إنجازات سلامة كثيرة، لكن كما سبق الذكر، أهمها يبقى الحفاظ على قيمة الليرة اللبنانية».
ورداً على سؤال عن مدى الحاجة الى حكمة سلامة لجبه تداعيات العقوبات الاميركية، قال عجاقة: لا يُخفى على أحد أن رياض سلامة استطاع أن يتخطّى العقوبات الأميركية على حزب الله في العام 2016 من خلال حنكته، حيث وجد ثغرات قانونية في قانون العقوبات الصادر في كانون الأول 2015، استطاع من خلالها الحفاظ على السلم الأهلي. وقام بتطبيق ليّن (Soft) لهذه العقوبات وخفف من حماس بعض المصارف التي اندفعت الى تطبيق العقوبات بشكل قاسٍ.
وتابع: اليوم أظهرت الزيارات التي قام بها العديد من المسؤولين السياسيين إلى واشنطن، استحالة تغيير محتوى القانون الذي سيصدر عن الإدارة الأميركية. وبالتالي هذه العقوبات على الرغم من أن هدفها «حزب الله»، إلا أنه كما قال الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله أن الحزب لا يستخدم القطاع المصرفي، وبالتالي سيكون لهذه العقوبات تداعيات على اقتصاد لبنان وعلى النظام المصرفي. من هنا حاجة لبنان إلى حنكة رياض سلامة وحكمته للتخفيف من قساوة القانون الذي سيصدر عن الكونغرس الأميركي. ونُعوّل كثيرًا على الزيارة التي سيقوم بها سلامة إلى واشنطن في الشهر المقبل خصوصًا أنه يتمتّع بثقة الأميركيين وثقة الطبقة السياسية اللبنانية وحتى بثقة «حزب الله» من خلال آلية تطبيقه للعقوبات الأميركية في العام 2016.
رابط الشرق

Print Friendly, PDF & Email

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More