Professor Jassem AJAKA
Physicist | Economist

حجم النفط أحد أسباب تأخير الملف

أربعة أعوام مرّت على التقرير الشهير لمنظمة الـ USGS الأميركية حول الثروة النفطية والغازية في الحوض الشرقي للبحر المتوسط. أربعة أعوام وكلّ ما توصلنا إليه هو إقرار قانون النفط في البحر وتعيين هيئة إدارة قطاع النفط. هذا الواقع الأليم هو نتيجة المنهجيّة الخاطئة التي إعتمدتها الحكومة السابقة في ملف النفط. فالبعض أراد الذهاب بعيداً في الملف بسرعة أثارت شكوك البعض الآخر فاستحال المضي قدماً فيه. لكن، خلف هذا السبب هناك عوامل أعمق وعلى رأسها حجم الثروة النفطية والغازية اللبنانية.

حجم الثروة النفطية والغازية…

يحتوي لبنان على ثروة نفطية وغازية هائلة تتراوح قيمتها ما بين 370 و1700 مليار دولار. وفي التفاصيل أنّ المسح السيسمي الذي قامت به منظمة الـ USGS للحوض الشرقي للبحر المتوسط والذي شمل مساحة 83,000 كم2 مقابل السواحل اللبنانية، الإسرائيلية والقبرصية، أظهر أنّ هذه البقعة تحتوي على معدل وسطي يبلغ 1,689 مليون برميل من النفط، و122,378 مليار قدم مكعب من الغاز، و3,075 ملايين برميل من الغاز السائل.

وعندما نتحدث عن معدل وسطي نقصد به الكمية الأكثر إحتمالاً. بمعنى أخر، بما أنّ النفط لا يُمكن رصده مباشرة بل عبر مكوّناته من الهيدروكاربون، وبما أنّ هذه المكوّنات تحتاج إلى ضغط وحرارة معينة لتصبح نفطاً، فإنّ تقدير الكمية يتمّ عبر إعطائها إحتمالاً.

وبالفعل هذا ما فعلته منظمة الـ USGS التي أعطت الكميات التي تتناسب مع الإحتمالات الثلاثة 5%، 50% و95% (P[Q>Qo]). (الجدول المرفق). وكما نلاحظ من الجدول، فإنّ الثروة الأساسية هي ثروة غازية والتي على رغم حجمها الهائل لا تتخطى 2% من الإحتياط العالمي من الغاز الطبيعي.

وبتطبيقٍ عمليّ على الثروة النفطية اللبنانية التي إفترضناها ثلث الثروة الموجودة، ومع سيناريوهات تفاؤلية وتشاؤمية على أسعار النفط والغاز والغاز السائل (Stochastic Processes)، توصلنا إلى أنّ مردود الثروة النفطية اللبنانية بعد إحتساب الكلفة وحصة الشركات، تتراوح بين 370 مليار دولار أميركي (مع إحتمال 95%) و1700 مليار دولار أميركي (مع إحتمال 5%).

وللتوضيح، فإنّ إختيار ثلث الثروة للبنان يأتي من منطلق أنّ المناطق المُكتشف فيها النفط هي عبارة عن طبقات جيولوجية تمتد على الحوض الشرقي بالكامل ولا شيء ينمع إنتشارها في الحوض إلّا المكامن والتي بحسب شركة PCG هي لصالح لبنان.

نظرة إستراتيجية للثروة النفطية اللبنانية…

للنفط بعد إستراتيجي مُذهل جعل من البلدان التي تملكه دولاً غنية ولها مكانتها على الساحة السياسية العالمية. وكل الحروب المعاصرة سببها الأساسي السيطرة على موارد الطاقة. ليس هذا فقط، بل إنّ النفط (وهنا نقصد النفط والغاز) أصبح يُستعمل كسلاح في المواجهات بين الدول على سبيل المثال روسيا التي تستعمل بشكل واضح هذا السلاح ضدّ أوكرانيا. كذلك العرب في أوائل سبعينات القرن الماضي، وفنيزويلا وغيرها.

كما أنّ الولايات المتحدة الأميركية فرضت أسلوباً جديداً في إستخدام النفط في مواجهاتها مع الدول التي تمتلك الطاقة النفطية كإيران والعراق (على أيام الرئيس صدام حسين)، والتي تنصّ على فرض عقوبات تمنع تصدير نفط هذه الدول.

والسؤال المطروح هو عن تأثير الثروة النفطية التي يمتلكها لبنان في واقعه الجيوسياسي على الخارطة العالمية. وهنا يظهر الإستنتاج أنّ الإنقسام السياسي اللبناني يجعل من لبنان دولة لا موقع واضحاً لها إلّا في عدائها لإسرائيل. والتاريخ يُخبرنا أنّ لبنان وبسبب خيارات أبنائه، تخلت عنه الدول الكبرى في غالبيتها وحتى الدول العربية الشقيقة في أوقات كان في أشد الحاجة لها.

من هذا المنطلق، يحق لنا الإستنتاج أنّ لبنان سيلتزم سياسةً قريبة من سياسة الدول التي سيصدّر لها غازه وبالتحديد دول أوروبا الغربية. ويُشجع على هذا استنتاج محاولة تقرّب معظم القيادات اللبنانية من دول أوروبا الغربية ونيل رضى الولايات المتحدة الأميركية التي لا تُعول كثيراً على نفط وغاز لبنان لأسباب أصبحت معروفة (الغاز الصخري الأميركي…).

تحدّيات كثيرة قبل إستخراج النفط والغاز…

إنّ النقطة الأساسية التي يجب بدء العمل عليها هي إيجاد السوق وطريقة تصدير الغاز بالتحديد. هذه المشكلة يجب العمل عليها سياسياً وديبلوماسياً وإقتصادياً لأنّ الإتكال على الشركات النفطية لإيجاد سوق سيصطدم بصعوبات سياسية في حال لم تقم الحكومة بهذا الإجراء إبتداءً من الآن.

فالمشكلة الأساسية التي ستظهر إلى العلن مع إستخراج كميات الغاز الأولى من المنطقة الإقتصادية الخالصة، تتمثل بطريقة تصديرها إلى السوق (على الأرجح الأوروبي). فالمشروع قيد الدرس حالياً بين قبرص، إسرائيل، إيطاليا واليونان، والذي ينص على إنشاء أنابيب غاز في البحر، هو مشروع لا يشترك فيه لبنان بسبب العداء مع إسرائيل.

وإذا كنا مع العداء لإسرائيل إلّا أننا ضدّ عدم الإشتراك في هذا المشروع الذي وعلى رغم غياب أيّ حلحلة للأزمة السورية وأيّ حل للأزمة الفلسطينية يسمح للأنابيب بالمرور عبر البر السوري – التركي إلى أوروبا، سيبقى المشروع الأكثر جدية.

وعدم إشتراك لبنان في هذا المشروع سيرفع من كلفة أسعار الغاز اللبناني مقابل منافسيه الغاز القبرصي والإسرائيلي، ما يعني أنّ شراء أوروبا للغاز اللبناني سيكون بمثابة مساعدةٍ أوروبية لإستمرار الدولة اللبنانية، وسيصبح لبنان مُقيداً بخياراته السياسية والإقتصادية.

لا يُمكن الإستمرار على هذه المنهجية…

إنّ تحليل تعاطي السلطات اللبنانية مع ملف النفط يدلّ على قلة الخبرة في موضوع بهذه الدرجة من الحيوية في الإقتصاد اللبناني وتطور المجتمع. طاقات كثيرة تذهب سدىً في حل النزاعات الداخلية والتي ترهن لبنان وقراره الحر بدول إقليمية ودولية. هذه المنهجية لا تسمح بإدارة بلد، لا بل على العكس إنها تهدمه.

المطلوب حسّ من المسؤولية تجاه هذا الموضوع للنهوض بلبنان وتطوير مجتمعه وإقتصاده عبر:

– التسريع في الإجراءات القانونية لتلزيم إستخراج الغاز؛

– تعديل قانون النفط ليشمل اليابسة؛

– حلّ أزمة الحدود سياسياً مع سوريا وإسرائيل؛

– إيجاد سوق للغاز والنفط اللبناني؛

– الإشتراك في مشروع أنبوب الغاز إلى أوروبا؛

– خلق صندوق سيادي تُوزَع مداخيله منذ الأن؛

– إجراء الإصلاحات اللازمة وخصوصاً اللّامركزية الإدارية.

لقد إستطاعت إسرائيل إستخراج الغاز في فترة خمس سنوات منذ إكتشاف الغاز في البحر مقابل شواطئها. فمتى سيتمّ في لبنان إستخراج الغاز اللبناني الذي أكتُشف في الـ 2010؟

رابط الجمهورية

Print Friendly, PDF & Email

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More