بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

الداعشية الاقتصادية والشرق الأوسط الجديد

تكفي المقارنة بين الموارد التي تملكها الدولة اللبنانية وتلك التي تملكها الدولة الاسلامية لمعرفة أن وراء هذا تنظيم دول تُزودها المال والسلاح. وإذا كان عمر “داعش” محدودا في الوقت نظراً الى الخطاب الاخير للرئيس الأميركي باراك أوباما، إلا أن هذه الموارد ستتحول إلى شكل أخر من الأنظمة لن نتأخر في معرفة معالمه مع بدء تقهقر داعش (المُفترض) تحت تأثير الضربات الأميركية المنتظرة.

 

 

وفي هذا السياق، قدّرت صحيفة “لوموند” الفرنسية الموارد المالية لداعش بما بين 1.5 و2.3 ملياري دولار سنوياً مقارنة بموزانة “حزب الله” السنوية التي تراوح بحسب الصحيفة ما بين 200 و500 مليون دولار، إلا أن هذه الأرقام لا تشمل الثروة النفطية التي وضعت داعش يدها عليها في العراق وسوريا ولا السلاح الذي تتلقاه من الدول المُجاورة.
وبحسب صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية، تنقسم موارد داعش إلى أقسام عدة أهمها:
– التبرعات والهبات التي يقوم بها بعض المناصرين الأغنياء من الكويت وقطر والسعودية والتي تتمثل بتحويلات مالية إلى أشخاص “وكلاء” وتمرّ عبر المصارف الأميركية نظراً لأنها تحاويل بالدولار الأميركي بشكل أساسي.
– المساعدات المالية المقدمة من بعض الحكومات الإقليمية التي تُرسل على شكل هبات إلى بعض المنظمات الخيرية وأسلحة تمر عبر الحدود مباشرة إلى عناصر المنظمة.
– الأموال التي تضع تنظيم الدولة الاسلامية يدها عليها بعد سيطرتها على مركز أو موقع جديد كالـ 425 مليون دولار التي وضعت داعش يدها عليها في البنك المركزي العراقي في الموصل.
– الأموال الناتجة من بيع النفط من الأبار التي سيطرت عليها داعش في العراق وسوريا.( وعددها 11 بئرا نفطية)
ويُقدر بعض الخبراء العسكريين الموارد المالية التي تحتاجها منظمة مؤلفة من عشرات الاف المسلحين للإستمرار ، بمئات الملايين من الدولارات سنوياً، وهذا يعني أن داعش تملك الأموال الكافية لدفع رواتب وأجور مقاتليها لسنين عديدة. وبإعتبار أن داعش مؤلفة من 30 ألف مُقاتل بحسب الإستخبارات الأميركية فهذا يعني أن التنظيم يسمح لنفسه بدفع راتب شهري يُوازي 5000 دولار اميركي لكل مقاتل في صفوفه.( ولكن على أرض الواقع هذا التنظيم يدفع حوالى 400 دولار للمقاتل السوري و حتى 700 دولار للمقتل المهاجر اي غير السوري.)

“حزب الله” لا يُملك الموارد المالية الكافية…
بحسب الأرقام المتوافرة فإن عديد تنظيم الدولية الاسلامية “داعش” يُوازي عديد “حزب الله”، والإثنان يملكان الأسلحة المُتطورة والتي تراوح بين الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة وصولاً إلى الصواريخ المُتوسطة المدى وصواريخ الإعتراض وحتى الطائرات. إلا أن “داعش” تملك موارد مالية أكبر بكثير من موارد الحزب. وفي إفتراضية مواجهة مباشرة ومنفردة بين الحزب وداعش، فإن تنظيم الدولة له أفضلية مالية تسمح له بإستقطاب المقاتلين أكثر بكثير مما للحزب من قدرة.
وقد يكون إستباق هذه المواجهة والخوف من نتائجها هو ما دفع بحزب الله إلى الذهاب إلى سوريا في وقت لم تكن داعش فعالة على الأرض كما هي اليوم، وهذا ما ترجمه سماحة السيد حسن نصرالله في خطابه الشهير الذي أعلن فيه إنخراط عناصر حزب الله في سوريا وقوله أن هدف هذه العمليات هي حماية ظهر المقاومة.
سيناريو تقهقر داعش والشرق الأوسط الجديد…
بُعيد خطاب الرئيس الأميركي عشية ذكرى هجوم الحادي عشر من أيلول والذي أعلن فيه الرئيس الأميركي عن وضع مخطط لضرب داعش من الجو، يحق للقارىء التساؤل عن مستقبل المنطقة في حال تمت هزيمة تنظيم داعش؟
من المعروف أن الحدود تُرسم بالحروب ولا يذكر التاريخ أن هناك حدود تم رسمها بدون مواجهات عسكرية، ومجيء داعش ساعد بشكل كبير في فرضية إعادة ترسيم الحدود في المنطقة العربية. وإذا كانت الأمور واضحة في ما يخص العراق وسوريا، إلا أن هناك علامات إستفهام تدور حول ثلاثة بلدان هي: الأردن، المملكة العربية السعودية وتركيا. ففي الأردن حيث الأخوان المسلمون يتمتعون بنفوذ كبير على الأرض، يبقى الخوف الغربي من إنشاء دولة إسلامية يحكمها الأخوان. لكن السؤال هو عن مدى قبول الولايات المُتحدة بدولة إخوانية في جوار إسرائيل. أما في السعودية، فالمعروف أن الحوادث التي حصلت في الماضي القريب (اي في العام 2013 والتي تم حلّها بدفع 26 ألف دولار أميركي لكل مواطن سعودي) لا تُبشر بالخير. وفي الأخير لا يُمكن التغافي عن الأكراد الذين بدأوا التسلح لمواجهة داعش، ويبقى السؤال عن ماذا سيفعلون في حال تمت هزيمة داعش ؟ وهل حلمهم بدولة كردية سيتوقف هنا؟
وبغض النظر عن تطور الأحداث، فالموارد التي تصل لداعش اليوم ستتحول، في ظل سيناريو هزيمة التنظيم، إلى دولة سنّية ستُخلق جنباً إلى جنب مع الدولة الكردية والدولة الشيعية في العراق ومهمتها وقف النفوذ الإيراني في المنطقة الذي يُعتبر من بعض الخبراء العالميين السبب الرئيسي للتمدد الداعشي.

رابط النهار

 

Print Friendly, PDF & Email

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More