بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

آفاق جديدة للقطاع المصرفي اللبناني

القطاع المصرفي اللبناني هو قطاع متين أثبت قدرته على تلقي الصدمات الأمنية، السياسية، المالية والإقتصادية. هذا القطاعيستمّر في تلقي الودائع مُبتاً بذلك أنه في إنعزال مطلق عما يجري في لبنان. هذاالأمر وضع المصارف في مأزق دفع فوائد لهذه الودائع، لكن الاتفاق النووي الإخير يفتح آفاقاً جديدة قد تجعل منه لؤلؤة الشرق.

  

ليس من شك أن القطاع المصرفي اللبناني هو قطاع حيوي وأساسيعلى صعيدين: المالية العامة والناتج المحلي الإجمالي الناتج عن هذا القطاع. ويقوم هذا القطاع بتمويل عجز الدولة كما والإستهلاك المحلي الذي أخذ دور المحرك للإقتصاد في المرحلة الأخيرة. وقد دفعت الإدارة الحكيمة التي يقوم بها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة لهذاالقطاع إلى حمايته من الأزمات التي تعصف بالمنطقة كما والأزمة المالية العالمية التي ضربت النظام المصرفي العالمي. هذا الأمر زاد من الثقة في القطاع المصرفي اللبناني بنسبة كبيرة إلى درجة أن الودائع هي في إزدياد مُستمّر إن من المُقيمين أو غير المُقيمين.

 

هذا الإزدياد في حجم الودائع أدّى إلى زيادة الضغظ علىالمصارف من ناحية أنه يتوجب عليها دفع فوائد على 148 مليار دولار في الوقت الذيتُقرض فيه 89 مليار دولار أميركي (51.42 مليار دولار أميركي للقطاع الخاص و38.17للقطاع العام). لكن هناك ثلاثة مشاكل في هذه القروض: الأولى تأتي من منطلق أن معظمالقروض للقطاع الخاص هي قروض إستهلاكية إذا أن حصة القروض للإستثمار لا تتجاوز 2مليار دولار أميركي في أحسن حالاتها (منذ العام 2004). وكما نعلم أن الاقتصاد مبنيعلى عامودين أساسيين الإستثمار والإستهلاك، لذا فإن معظم الأموال الإستهلاكية تذهبإلى تمويل الإستيراد وهذا ما يُفسّر العجز التجاري الهائل (17 مليار دولار أميركيفي العام 2014 و5.8 في الأشهر الأربعة الأولى من العام 2015). المُشكلة الثانية في القروض للقطاع العام (42.6% من مجمل القروض) والتي تذهب مباشرة لتمويل عجز الدولة ودينها العام وهذا يعني حرمان الاقتصاد من هذه الأموال التي كانت لتستخدمها الدولةفي إستثمارات عامة تُحرّك فيها الماكينة الإنتاجية. المُشكلة الثالثة التي تواجهالمصارف التجارية تأتي من منطلق كيفية دفع الفائدة على ما يُقارب الـ 60 ملياردولار أميركي من الودائع. وهذه الفوائد لا مجال لدفعها إلا من الفوائد على سنداتالخزينة والفوائد للقطاع الخاص التي لا تكفي بحدّ ذاتها لتغطية الفوائد على 60 مليار دولار أميركي وتؤمن أرباح للمصارف. لذا عمدت جمعية المصارف في شباط الماضيإلى رفع الفوائد على التسليفات بالليرة اللبنانية 4 نقاط أساسية وعلى الدولارالأميركي نقطتين أساسيتين ما يعني أن الأرباح التي تُعلنها المصارف اللبنانيةأصبحت مُبررة بحساب بسيط.

هنا يظهر إلى العلن عمق المُشكلة التي بدأت تفرضها ودائع بهذا الحجم. فدور القطاع المصرفي هو تمويل الاقتصاد بشقيه الإستثمار والإستهلاك والمعروف أن لبنان يُمّولإقتصاده عبر القطاع المصرفي (Banking Sector Dominated) على عكس الإقتصادات المُتطورة الحرّة التي تمُوّل إقتصاداتها منالأسواق المالية (Financial Market Dominated). هذا يعني أن كل زيادة في الدخل الفردي تدفع بإتجاه التمّويل من الأسواقالمالية. والعكس بالعكس. بمعنى أخر كلما زاد الدخل الفردي ، زاد طلب الأسر والشركات على الخدمات المُتطورة التي تؤمنها الأسواق كشركات التأمين وصناديق الإئتمانالتي تلعب دوراً مهماً في إقتصادات الدول الكبرى. وبحكم هيكلية الاقتصاد اللبنانيوالإطار الأمني والسياسي الذي يعيشه لبنان، نرى أن الاقتصاد لا يُموّل من الأسواقالمالية بل من القطاع المصرفي الذي وكما سبق الذكر يتشدّد في تمويل الإستثمارويُفرط في تويل الإستهلاك. كما أن حاجة هذا الاقتصاد إلى يدّ عاملة غير موجودة بحكم غياب الإستثمارات والفائض منالي العاملة الأجنبية. هذا الأمر الذي صاغه “كنت” (Kuntet al.2011) بطريقة واضحة، ينص على “أن إستمرارالنمو في إقتصاد معين، يجعل الإنتاج يتعلق بنسبة أقل بتقلبات القطاع المصرفيوبنسبة أكبر بالأسواق المالية”. ويبقى السؤال عن مدّى تأثير حجم القطاعالمصرفي اللبناني على النمو؟ على هذا الصعيد، يقول (Kharroubi& Cecchetti 2012) أن علاقة الإنتاج بحجم القطاع المصرفي هيعلاقة بشكل حرف U مقلوب أي أن حجم قطاع مصرف كبير أو صغير له تأثيرسلبي على نمو الإنتاج. ويُبرر الباحث هذا الأمر بأن تطور القطاع المصرفي يدفعالاقتصاد إلى النمو في بلد قطاعه المصرفي غير متطور ، لكن التأثير يُصبح سلباًعندما يتخطى حجم القطاع المصرفي حجماً معيناً(CriticalSize). وكما يتضح لنا من خلال دراسة الأرقام، نرىأن 100 مليار دولار أميركي هو الحجم الأمثل لنمو إقتصادي عالٍ، لكن الحجم الحاليللقطاع المصرفي أصبح يوازي الـ 180 مليار دولار ما يعني أن هناك فائض مالي بـ 80مليار دولار أميركي يجب على المصارف توظيفها في مكان مُعين.

أيضاً يجب ذكر الثمن الذي دفعته المصارف اللبنانية نتيجةالتعرض لدين الدولة اللبنانية. فقد قامت وكالات التصنيف الإئتماني العالمية بتخفيضالتصنيف الإئتماني للقطاع المصرفي اللبناني وهذا على الرغم من حجم الموجودات. هذاالأمر الذي من المفروض أن يزيد كلفة القروض على المصارف اللبنانية وبالتالي ربحها،لكن هذا الأمر لم يحصل وذلك بفضل حجم الموجودات اللبنانية التي أعفت المصارف منالإلتجاء إلى الأسواق المالية للإستيدان.

 الاتفاق النووي بادرة أمل…

عقب فترة النمو الكبير الذي حققه لبنان في الأعوام 2007إلى 2010، أخذت المصارف اللبنانية بالبحث عن فرص إستثمارية جديدة في سوريا. وقامت المصارف اللبنانية بإفتتاح فروع لها في هذا البلد آملة أن تجني الربح المناسبللمخاطر التي تتعرض لها بالإستثمار في إقتصاد شبه مُغلق. لكن الرياح تجري بما لاتشتهي السفن، فبداية الثورة السورية ضربت كل أمل بربح لهذه المصارف لا بل علىالعكس سجلت هذه المصارف خسائر دفعتها إلى الانسحاب من السوق السوري والذهاب إلىقبرص التي كانت تشع كواحة في صحراء الثورة العربية. وإذا بالأزمة اليونانية تهزالقطاع المصرفي القبرصي ومعه فروع المصارف اللبنانية. فما كان من هذه الأخيرة إلاالإنسحاب من قبرص والرجوع إلى لبنان.

اليوم ومع 180 مليار دولار أميركي من موجودات، تبحثالمصارف اللبنانية عن بصيص أمل لإستثمار أموالها الخاصة كما وتشغيل الودائع بهدفتعظيم (Maximization) أرباحها. هذا الأمر أصبح أكثر واقعية معالاتفاق النووي الإيراني والذي من المُحتمل أن يفتح أمام المصارف اللبنانية السوق الإيراني المؤلف من 80 مليون شخص.

يتمتع القطاع المصرفي اللبناني بميزات جعلت منه من أنجح الأنظمة المصرفية في منطقة الشرق الأوسط وهو الوحيد الذي لم يتأثر بالأزمة المالية العالمية نظراً إلى تشدد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في سياسته الإحتياطية التيتُعتبر العامل الوحيد الذي أعفى القطاع المصرفي اللبناني من آتون الأزمة العالميةالتي إستطاعت محو مئات المصارف من حول العالم.

هذه الميزات ستدفع بهذا القطاع إلى الدخول إلى السوق الإيراني وذلك للأسباب التالية:

أولاً: بهدف تنشيط السياحة في إيران، عمدت حكومة طهران إلى إلغاء تأشيرات الدخول لمواطني سبع دول هي تركيا، لبنان، أذربيجان، جورجيا، بوليفيا، مصر وسوريا. هذا الأمر سيدفع إلى زيادة عدد السواح اللبنانيين إلى إيران ما يعنيحاجتهم إلى خدمات مصرفية وهذا ما تستطيع المصارف اللبنانية فعله؛

ثانياً: يعاني القطاع المصرفي الإيراني من غياب الإستثمارات فيه كما وغياب التكنولوجيا في الخدمات التي يقدمها.ومثال على ذلك الخرق المتواصل للمصارف الإيرانية من قبل بعض الـ Hackers الذي نشروا على الإنترنات معلومات لألاف الزبائن الإيرانية. هذاالأمر يجعل من القطاع المصرفي اللبناني Rolls Royce نسبة إلى القطاع المصرفي الإيراني ما يعني أن خبرة ومهارة هذا القطاع مطلوبة في إيران؛

ثالثاً:إن وجود مصارف لبنانية في إيران سيدفعها إلى جذب الودائع الإيرانية التي بحاجة إلىإستثمارها في الأسواق المالية العالمية. هذا الأمر يُمكن إثباته بعدد الزبائنالإيرانيين الذي يتطلعون إلى الأسواق المالية العالمية والتي مُنعوا عنها بسبب العقوبات الاقتصادية على إيران. والمصارف اللبنانية تعرف جيداً أن عدد الزبائن الإيرانيين الذي حاولوا فتح حسابات بهدف الإستثمارات في الأسواق المالية يفوق عشرات الألاف دون جدوى؛

رابعاً:يحتاج الاقتصاد الإيراني إلى عشرات المليارات من الدولارات من الإستثمارات وذلك بشكل سريع. لذا ستعمد العديد من المصارف العالمية إلى محاولة الدخول إلى هذا السوقفي أسرع وقت خصوصاً بعد التصويت على الاتفاق من قبل الكونغرس الأميركي. والقطاعات التي تحتاج إلى إستثمارات عديدة وعلى رأسها القطاع الحراري في إيران. هذا الأمر يفرض على المصارف اللبنانية التكتل بهدف إحداث وزن في السوق الإيراني وبالتالي أنتصبح معادلة صعبة في السوق الإيراني؛

خامساً:بسبب التقارب الديني والعقائدي بين إيران وقسم من الشعب اللبناني، سيعمد الكثير من الشباب اللبناني إلى الإستثمار في إيران مع المحافظة على علاقة وطيدة ببلدهم الأملبنان. من هذا المنطلق، نرى أن وجود القطاع المصرفي اللبيناني في السوق الإيراني سيخدم على صعيد تأمين القروض لهذا اللبناني كما وتأمين الخدمات المصرفية التي سيتفيد منها القطاع المصرفي بحد ذاته؛

سادساً:إن وجود عقوبات على كثير من الدول في العالم كروسيا والتي تمنع القطاع المصرفي اللبناني من التعامل مع هذه الأسواق النامية وضيق آفق توظيف الأموال في لبنان (منوجهة نظر المصارف اللبنانية)، ستدفع بدون أدنى شك القطاع المصرفي اللبناني إلىالذهاب إلى إيران بهدف تأمين الخدمات والتطور.

إندور القطاع المصرفي اللبناني في تحديد مسار النمو الاقتصادي اللبناني أصبح أكيداً إن على صعيد الإستثمارات في لبنان والتي يرفض تمّويلها كما تُبرزه الأرقام، أو علىصعيد المُساهمة في الناتج المحلّي الإجمالي. ما يعني أن الإستراتيجية التوسعية للمصارف اللبنانية ستُحدّد تركيبة نمو الاقتصاد اللبناني في السنين القادمة.

لكنوبحسب تحليلنا، سيعمد حاكم مصرف لبنان من خلال دوره كمُنظم ومراقب لهذا القطاع، إلىتحديد مدى نسبة الإستثمار في السوق الإيراني. وكما هو معروف عنه سياسته الإحترازية، سيقوم حاكم مصرف لبنان بلجم نسبة إستثمارات المصارف اللبنانية فيالسوق الإيراني نظراً لتخوفه من إعادة تكرار التجربة السورية لهذا القطاع.

ويبقى القول أن الإمتثال اللبناني المُطلق للقوانين الدولية وعلى رأسها قوانين الولايات المُتحدة الأميركية سيلعب بدون أدّنى شك دوراّ أساسياً في تسريع أو تأخير عملية دخول المصارف اللبنانية إلى السوق الإيراني والتي بحسب رأينا آتية لا محالة وسيكونهذا القطاع من أول القطاعات اللبنانية التي تدخل إلى هذا السوق.

ممالا شك فيه أن الشلل الحكومي الحالي سيؤخر أي تعاون إقتصادي بين لبنان وإيران مندولة إلى دولة وهذا سيكون له تداعيات سلبية من ناحية مذهبة القطاع المصرفي لأن بعض الفئات ستعمد إلى الذهاب إلى إيران بشكل منفرد وهذا لن يؤدي إلى إستفادة كاملة منناحية أن حجم هذه المصارف سيكون صغيراً قارنة بحجم السق الإيراني وحاجاته.

 

 

 

ملحق جريدة البلد تاريخ آب 2015.

    

 

Print Friendly, PDF & Email

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More