Professor Jassem AJAKA
Physicist | Economist

الإعدام ليس حلًا

أعدموهم فهم برصاصة واحدة أنهوا حياة خيرة من شبابنا. أقتولهم بلا رحمة فهم لم يرحموا. أعيدوا العمل بقانون الإعدام ليتربى الزعران… أعدموا وكفروا عن تقاعسكم بأداء واجباتكم الدولواتيّة، نحن لم نتعب ونشقَ في تربية أولادنا ليقتلوا بدم بارد. كلام الأمّ وأب المغدور بقدر ما هو نابع من حرقة قلب ولوعة على فراق ولدهم بقدر ما بات كلام يتردد عند كل جريمة قتل وقد كثرت هذه الجرائم في الآونة الأخيرة. المطالبة بإنزال عقوبة الإعدام بحق القتلة يقابله كلام بالعدول عن هذا المطلب: لا تقتلوهم بسرعة بل اتركوهم لعذاب الضمير وراء قضبان الحديد منهمكين بالأعمال الشاقة ولا تطبقوا قانون حمورابي فنحن في دولة مدنيّة تصون الإنسان وكرامته وتعترف بالمواثيق والمعاهدات الدوليّة.  عبر التاريخ شكل الإعدام مدار أخذ ورد بين مؤيد له ومعارض كما اختلفت سبل تنفيذه. وقد أخذت معالجة عقوبة الإعدام طابعًا دوليًا من خلال المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وأهمها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10/12/1948 الذي أكد أنّ لكل “فرد الحق في الحياة والحرية والأمان، ولا يجوز إخضاعه للتعذيب أو العقوبات القاسية أو اللاانسانية أو الحاطّة بالكرامة..”. كما يؤكد العهد الدولي الخاص للحقوق المدنية والسياسية (1966) الحقوق الأساسية للإنسان، ويكرّس حقه في الحياة، كذلك نص الميثاق العربي الجديد لحقوق الانسان الصادر في أيار 2004 عن قمة جامعة الدول العربية 16 في تونس، الحق في الحياة كحق ملازم لكل شخص. منذ أن صدر قانون الإعدام عام 1948 نفّذ في لبنان ما يقارب الخمسين حكماً كان آخرها في 17 كانون الثاني 2004 على عهد رئيس الجمهوريّة السابق إميل لحود في حين لا يزال أكثر من 100 حكم إعدام بانتظار التطبيق في قضايا مختلفة كالإرهاب والقتل المتعمّد وجرائم الشرف وغيرها… وقد شهدت القوانين التي تنص على الإعدام في لبنان تعديلات عدة فألغي مثلاً بالقانون الرقم 338/2001 القانون رقم 302/1994 الذي أنزل عقوبة الإعدام في القتل المتعمّد والدافع السياسي وبمن يقتل إنسانًا قصدًا ومنع منح فاعل الجريمة الأسباب المخففة، وأعيد العمل بالمادتين 547 و548 عقوبات وهما تعاقبان على القتل القصدي بالأشغال الشاقة المؤقتة أو المؤبدة، وليس بالإعدام. لكن قانون العقوبات ينص في العديد من مواده على عقوبة الإعدام نذكر منها المادة 37 والمادة 43 و المادة 163 والمادة 198 والمادة 549…  وثمة مواد وقوانين أخرى حول عقوبة الإعدام، مثل القانون المتعلق بالأعمال الإرهابية وإثارة الحرب الاهلية أو الاقتتال الطائفي والحض على التقتيل والنهب والتخريب والعصابة المسلحة، وكذلك قانون العقوبات العسكري وخصوصًا في الجرائم المخلّة بالشرف والواجب وفي الخيانة والمؤامرة العسكرية والتجسس وغيرها… قانون العقوبات واضح لجهة إنزال عقوبة الإعدام كل تبعاً لفعلته على الرغم أن مقدمة الدستور اللبناني نصت في الفقرة (ب) على التزام لبنان بمواثيق جامعة الدول العربيّة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والفقرة (ج) نصت أنّ “لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية، تقوم على احترام الحريات العامة”.  
وقد قدّم إلى المجلس النيابي مشاريع قوانين لإلغاء قانون الإعدام لكنّها مازالت قابعة في أدراج المجلس بانتظار طرحها على اللجان النيابيّة.
 رفض إعدام شخص لا يقتصر على المعاهدات الدوليّة والمواثيق بل الرفض مستند الى مبادئ وتعاليم دينيّة تصون حياة الإنسان وكرامته. 
لا تقتل 
فالمسيحيّة وانطلاقاً من وصية “لا تقتل” مهما كانت بشاعة وفظاعة الجريمة المرتكبة ترفض العنف الذي يمارس ضد الإنسان لأنّ اهتمامها ينصب في الدفاع عن الحياة والدفاع عن الإنسان وعن كرامته.

ولتوضيح موقف الكنيسة توجهنا بالسؤال إلى المرسل اللبناني والمتخصص في اللآهوت الخلقي وأخلاقيات علم الحياة الأب جورج الترس، لفت إلى أنّ البابا فرنسيس قد دعا بالتزامن مع المؤتمر الدولي ضد الإعدام لإلغاء هذه العقوبة. فالبابا يعتبر أنّ وصية لا تقتل تنطبق على المذنب والبريء على حد سواء. وإذا كان تبرير إنزال عقوبة الإعدام هو للقضاء على الجريمة، فهذا المنطق غير صحيح نظراً لوجود وسائل عدة للحد من الجرائم المرتكبة في المجتمع بحيث لا يحرم القاتل من حياته ومن إحتمال إعادة ترميم ذاته في سبيل إنخراطه مجدداً في الحياة المجتمعيّة السليمة.

وأضاف الأب الترس: “نعم هناك معارضة شديدة لعقوبة الإعدام لأنّها وبالدرجة الأولى جريمة ولا يحق لأحد الحكم بالإعدام لتبرير نشر السلام والعدل. ولفت نظر القراء إلى أنّ ما بحثت عنه الدول الغربيّة وما أسمته بالإعدام بطريقة إنسانيّة غير مقبول لعدم وجود وسيلة لقتل إنسان إنسانيّاً”. 

وللتأكيد على هذه الفكرة قال: “لا يجب التذرّع بأسباب وطرق وأساليب “إنسانيّة” لا وجود لها فقط لقتل شخص آخر”.  

وشدد على أنّه “يوم يحكم على القاتل بعقوبة الإعدام لا يحرم فقط من حياته إنّما أيضاً من الأمل الذي قد يبحث عنه كل سجين”. فعلى الصعيد الإيماني، الإنسان هو على صورة الله ومثاله ويتمتع بكرامة جوهريّة لا يحق لأي كان أن يسلبها ولأي سبب كان، كما أنّ الكنيسة تتمسك بفكرة التوبة، توبة مرتكب الجريمة حتى اللحظة الأخيرة من حياته.

إعدام شخص لإرتكابه فعلاً جرميّاً هو جريمة والإسلام كما المسيحيّة يدعو إلى العفو والمسامحة وعدم المبادلة بالمثل على قاعدة العين بالعين والسن بالسن.
العين بالعين والسن بالسن ولكن الشيخ حسين فضل الله أشار إلى أنّ مفهوم العين بالعين والسن بالسن هو بالأساس مبدأ توراتي أي أنّه ليس مرتبطاً بالإسلام فقط بل كان موجوداً عبر التاريخ، وتبنى الدين الإسلامي مفهوم “العين بالعين والسن بالسن وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ” لكنّه دعا وبآيات عدة في القرآن إلى التسامح والعفو. 

واستكمل قائلاً: “مما لا شك فيه أنّ الحياة الواقعية تستلزم وجود قصاص لضبط سير الأمور والسيطرة على العنف في المجتمع وردع المخلّين بالقانون إنّما ليس إلزاميّاً أن يطبق القصاص تبعاً لمبدأ العين بالعين والسن بالسن.

وأعلن سماحة الشيخ أنّ الإسلام لا يرفضون تفعيل قانون الإعدام على اعتبار أنّ الفقه الإسلاميّ يجيز الإعدام على قاعدة الحدود تدرأ بالشبوهات في حالات ثلاث حصرًا هي: النفس بالنفس، الردة بعد إيمان، وزنى المتزوّج. 

وتابع: رغم تسيّب الحالة المجتمعيّة وعدم وجود ضوابط وروادع قانونيّة تضبط حركة المجتمع ورغم المطالبة بتفعيل قانون الإعدام التي نؤيدها خصوصاً بعد ما شهده لبنان في الفترة الأخيرة من حالات القتل، فإنّ الإسلام وكل من يتبنى منطق الإسلام يشجع على العفو وعلى حل المشاكل الناجمة عن القتل بالدين أو تبعاً للأحكام المنصوص عنها قانوناً، شارحاً أنّ “الله سبحانه وتعالى وفي الآية 179 من سورة البقرة قال: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” ونفهم في تفسير فكرة “وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ…” أن لا يجوز سلب القاتل حياته لمجرد إقدامه على قتل نفس قصداً أو عن غير قصد بل يحكم على القاتل متى ثبت جرمه تبعاً لأحكام قانون العقوبات، ويقتص أهل المعتدى عليه من المعتدى بالقانون مع تشجيعهم على المسامحة والعفو”.

لا لبس في موقف المسيحيّة والإسلام الرافض إعدام شخص حتى وإن كان قاتلاً وبدم بارد. 

الإعدام يعدم الإقتصاد
التنديد بإعادة تفعيل قانون الإعدام لاقى معارضة حتى في الأوساط الإقتصاديّة وهذا الموضوع شرحه الخبير الإقتصادي والإستراتيجي البروفيسور جاسم عجاقة قائلاً: “نعم عجلة الإقتصاد اللبناني ستتأثر سلباً لأنّ عدداً من من المنظمات الدوليّة التي تغذي لبنان ماليّاً ستحجب أموالها يوم تخل الدولة اللبنانيّة بالمواثيقق الدوليّة وبشرعة حقوق الإنسان لأنّ هذه المنظمات الدوليّة تمّول تبعاً لشروط محددة من بينها عدم تنفيذ حكم الإعدام”.  

واستبعد عجاقة أن يحرم لبنان من تمويل البنك الدولي لكنّه أكّد أنّ عدداً من المشاريع والإستثمارات ستشهد تراجعاً، شارحاً أنّ صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يمثلان مصالح الدول التي تغذيهما وتمويل أي مشروع مشروط بجملة من الإجراءات والقيود والإعدام واحد من الشروط، بالتالي إن أعيد العمل بقانون الإعدام سيسحب التمويل فوراً. 

وعلى صعيد مماثل لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، سيُحرم لبنان من استثمارات الصناديق الجماعيّة المتوافرة في الأسواق الماليّة والخاضعة لكتاب قوانين يحدد أسس وطريقة عمل هذه الصناديق. 

واعتبر عجاقة  أنّ “إعادة العمل بقانون الإعدام خطأ فادح ليس فقط لأنّ الجريمة لا تبرر جريمة ثانيّة بل أيضاً لما له من انعكاسات سلبيّة على الإقتصاد اللبناني”. 
 وقبل الغوص في تحديد موقف المسيحيّة والإسلام من إعادة تفعيل قانون العقوبات وتردياته على الإقتصاد رأى كل من الأب الترس والشيخ فضل الله والبروفيسور عجاقة أن لا يكفي المطالبة بالإعدام لتطبيق قانون أو لإنصاف مجتمع أو إحلال العدالة فهناك جملة من الأسباب التي دفعت وساعدت في ارتكاب جريمة القتل، والتي لا يتحمل القاتل وحده مسؤوليّتها في ظل عدم تطبيق القانون كما يجب واستنسابية تطبيقه وغياب القدرة على ضبط السلاح المتفلّت في أيدي المواطنين.
المجرمون ليسوا حكراً على لبنان وإعادة تفعيل عقوبة الإعدام هو اعتراف بفشل سياسة الدولة الإجتماعيّة. المطلوب من الحكومة ليس قانون الإعدام إنّما ضبط السلاح وحامليه والتشدد في إعطاء التراخيص وسحب السلاح المتفلت من يد المواطنين والإنكباب على تحسين الوضع الإقتصادي والأوضاع الإجتماعيّة التي تشكل في كثير من الأحيان سبباً أساسيّاً للقتل.
 
 رابط يا حلوين    

Print Friendly, PDF & Email

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More