بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

لمن هذه الأموال؟ 4,8 بليون دولار ودائع لبنانيّة… والحذر واجب

Print Friendly, PDF & Email

النهار | هالة حمصي

الوقائع: انه بوست أعلن بخط أحمر ان “ودائع اللبنانيين في البنوك السويسرية بلغت 4,8 بليون دولار. يحتل لبنان المركز 12 عالميا. أصغر دولة لديها أموال أكثر من ألمانيا. لمن هذه الأموال!!! ومن أين لهم هذا؟؟؟؟” وأبرز البوست في الوسط، في شكل صورة مربعة، لائحة باسماء عدد من الدول كتبت بالانكليزية، بينها لبنان- وقد احتل المرتبة 12- مع قيمة الودائع قبالة كل من هذه الدول.

البوست يحمل توقيع “#الاتحاد_اللبناني“. بحثا عنه، يتبيّن انه صفحة في “الفايسبوك” تهتم بالشؤون الحياتية للبنانيين، في وقت تثير تساؤلات عن تجاوزات وقضايا معيشية، وتنشر ايضا اعلانات وظائف للبنانيين. “هيدي الصفحة وطنية، ما بتمثل اي جهة سياسية. الوظائف يللي عم بتنزل هيي للكل، لابن الجنوب والبقاع وبيروت والشمال والمتن وكسروان وابن الجبل”، وفقا لما تقوله.

منذ تناقل بوست “#الودائع_اللبنانية” ابتداء من 25 تموز 2018 على “الفايسبوك”، تم التشارك فيه عشرات المرات. وحاز أيضا عشرات التعليقات و”اللايكات”، والكثير من الاهتمام. ورغم انه لا يزال موجودا في صفحات مستخدمين عديدين، غير ان “النهار” لاحظت ان صفحة “الاتحاد اللبناني”، مصدر البوست وناشرته وموقعته، حذفته من صفحتها بعد ايام على نشره.

أياً يكن، يبقى واجب التدقيق في المعلومات الواردة في البوست، وحقيقة مصدرها. قبل أن تحذفه صفحة “الاتحاد اللبناني”، كانت أرفقت البوست برابط يقود مباشرة إلى موقع على الانترنت يحمل عنوان “مشروع #سويسليكس“، ممهورا باسم “الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين” (The International Consortium of Investigative Journalists). ومن شأنه ايضا ان يدخل المستخدم الى صفحة يقدم فيها المشروع معلومات عن دول ورد اسمها ضمن مشروع “سويسليكس”.ما هي “سويسليكس”؟ انها فضيحة لاقت ضجة عالمية عام 2015، وتفضح وثائق “ممارسات التهرب الضريبي وتفاصيل آلية اعتمدها مصرف “إتش أس بي سي” في سويسرا لمساعدة عدد من عملائه على إخفاء أموال غير مصرح بها. الوثائق سرقها مهندس المعلوماتية الذي كان يعمل في الفرع السويسري للمصرف البريطاني هرفيه فالشياني، عام 2007 وسلمها إلى السلطات الفرنسية. وعلى مدى سنوات عدة، بقيت تلك المعلومات حكرا على القضاء وعلى بعض المصالح الضريبية.

وتضم الوثائق أسماء مشاهير وتجار سلاح وسياسيين… ولا يعني ذلك بالضرورة تورط جميع الأسماء في أعمال منافية للقانون، خصوصا أن بعضهم أكد تسوية أوضاعه القانونية.

وفقا لهذه الوثائق، فإن فرع “إتش أس بي سي” في سويسرا ساعد زبائن في أكثر من 200 دولة  على “التهرب الضريبي في حسابات مصرفية تصل إلى 119 مليار دولار (104 مليار أورو). وحصلت صحيفة “لوموند” على المعطيات المصرفية لأكثر من 100 ألف من عملاء المصرف، ووضعت المعلومات في تصرف الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين في واشنطن، الذي تقاسمهم بدوره مع أكثر من 45 وسيلة إعلامية حول العالم (فرانس 24، أ ف ب- 10 شباط 2015).

التدقيق: بإجراء مقارنة، يظهر بوضوح أنّ صفحة “الاتحاد اللبناني” اقتطعت من صفحة مشروع “سويسليكس” المذكورة آنفا صورة جزئية للائحة الدول، وبينها اسم لبنان في المرتبة 12، وضمنتها البوست الذي نشرته، ثم حذفته.

مزيد من المقارنة: الرقم المذكور في البوست، 4,8 بليون دولار، والذي يبيّن حجم “ودائع اللبنانيين في البنوك السويسرية”، هو نفسه المذكور في اللائحة الاصلية للمشروع، الى جانب المرتبة ايضا التي يحتلها لبنان. 12. اذًا، المعلومات الاساسية في البوست صحيحة، وكانت امينة لمصدرها.

صحيح ان البوست يصيب القول بأنّ لبنان هو “الاصغر” مساحة بين بقية الدول المذكورة في اللائحة (مساحة باهاماس 13,878 كلم2)، وودائعه “أكبر من ودائع المانيا (4,4 بليون دولار)”، وفقا لما تبيّنه صفحة المشروع، غير ان ما لا يذكره، نقلا عنها، هو ان “معظم بيانات العملاء والحسابات (الواردة في اللائحة) هي من 1988-2007. والمبالغ من 2006-2007”. هذه الملاحظة يذكرها فريق المشروع أسفل الصفحة. وهي على قدر من الاهمية، لانها تضع القضية في اطار زمني محدد، غفله البوست اللبناني.ماذا يعني ذلك؟ والى ماذا يرمز الرقم 4,8 بليون دولار المقابل لاسم لبنان، كما ورد في اللائحة المنشورة على موقع المشروع؟

يشرح الخبير الاقتصادي والاستراتيجي البروفسور جاسم عجاقة لـ”النهار” ان “هذا الرقم يعكس صورة محددة، في زمن محدد، في تاريخ محدد، لحسابات عدد من اللبنانيين، عينة فقط من الزبائن لدى مصرف “إتش أس بي سي” في سويسرا. وبالتالي يعكس قيمة حسابات هؤلاء الاشخاص، ولكن ليس بالضرورة جميعهم”. نقطة اخرى يلفت اليها هي ان “هذا الرقم ليس بالضرورة هو نفسه اليوم. ربما زاد، وربما تراجع”، مع الاخذ في الاعتبار ان احدث هذه البيانات والحسابات المالية ترجع الى 11 عاما على الاقل.

البروفسور جاسم عجاقة

ويتدارك: “ما يمكن قوله بخصوص هذا الرقم هو اننا نعيش حاليا في ظل نظام مصرفي قائم على السرية المصرفية، اكان في لبنان، ام في سويسرا. في لبنان، لدينا سرية مصرفية في مراحلها المتقدمة. وبالتالي من الصعب كشف الرقم الحقيقي للمال الذي يملكه اي شخص، علما ان عددا معينا من اللبنانيين فقط، وليس جميعهم، يملكون هذه الثروات التي بيّنتها وثائق “سويسليكس”. وقد اشارت “سويسليكس” الى هذا الامر”.

ويتابع: “هذا الرقم يعكس ايضا صورة لبنان على صعيد التفاوت الهائل في توزيع الثروات، بحيث ان 3% من اللبنانيين فقط يملكون نصف ثورة لبنان تقريبا. وبالتالي، فان هذا الرقم الذي تكشفه “سويليكس” يخص افرادا محددين، وليس كل اللبنانيين”.

ويتوقف عند الوضع القانوني لهذا الرقم الذي تورده وثائق “سويليكس”، فيشرح ان “لا شيء في القانون اللبناني يمنع اي لبناني من ان يمتلك حسابا في سويسرا. وبمجرد ان يقرّ لبنان قانونا واضحا حول التصريح الضريبي للأملاك في الخارج، ساعتئذ قد تصبح هذه الاموال في خانة التهرب الضريبي. وبالتالي يحق للدولة اللبنانية ان تلاحق هذه الحسابات، وان تعرف من هم اصحابها ليدفعوا ضرائب. لكن حتى اليوم، لا وضوح كاملا في النص القانوني اللبناني في هذا الشأن، بعكس ما نراه في النصوص القانونية الاميركية او في بلدان غربية اخرى”.

وينبه الى ان “الرقم الذي تورده وثائق سويسليكس يبقى غير دقيق، اي انه من الممكن ان يكون بالمليارات، ولكن ليس بالضرورة 4,8 بليون، وفقا لما تورده الوثائق. هذا الرقم “لقطة” او صورة في تاريخ محدد. من 9 تشرين الثاني 2006 الى 31 آذار 2007، على سبيل المثال، مرّ 100 مليون أورو في حسابات مالية في مصرف “إتش أس بي سي”- فرع جنيف بسويسرا، بما يعني ان رقم 4,8 بليون قد يكون تضاعف أو قلّ. ولا احد يمكن ان يعرف، بسبب السرية المصرفية. كذلك، الحساب المصرفي لرجال الاعمال خصوصا ديناميكي، ويتغير مع الوقت”.

هذا الامر يستوجب، في رأيه، ان “نكون حذرين في التعامل مع الارقام المتداولة في هذا الشأن”. ويطالب الدولة بان “يكون هناك وضوح في القوانين المتعلقة بالتهرب الضريبي”.

النتيجة: بوست صفحة “الاتحاد اللبناني” استند الى رقم اوردته وثائق “سويسليكس”. غير ان هذا الرقم يبقى غير دقيق، ولا يعكس سوى صورة جزئية تتعلق بفترة زمنية معينة، وبعدد معين من اللبنانيين، بما يستدعي “الحذر في التعامل مع ارقام مماثلة”.

Print Friendly, PDF & Email
مصدر النهار

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More