Professor Jassem AJAKA
Physicist | Economist

لبنان على بعد سنوات ضوئية من السياسات التنموية والتحديث

لا يُخفى على أحد أن النظر للواقع الإقتصادي والإجتماعي، يؤكد أن هناك غياب كلّي للسياسات التنموية والتحديث​. وهذا الأمر يعود إلى فشل النظام السياسي ال​لبنان​ي في التعاطي مع القرارات الإقتصادية والإجتماعية بمعزلّ عن الإنقسامات السياسية، المذهبية، الطائفية والحزبية.
تُظهر المؤشرات الإقتصادية والإجتماعية أن هناك فشل ذريع للسلطة السياسية في وضع إستراتيجية تنمية في لبنان كانت ترجمته عجز تنموي. وبحسب النظرية الإقتصادية فإن التنمية والحداثة تعني بكل بساطة تملّك العلم والتكنولوجيا لإنشاء قاعدة صناعية مُتطوّرة تسمح للبنان بالحصول على إستقلاله الإقتصادي وتؤمّن فرص عمل للجميع مما يسمح للفرد بالحصول على حاجاته كما نصّ عليها هرم أبراهام ماسلو. وبالنظر إلى القطاع الصناعي اللبناني وإمتلاكه للتكنولوجيا، نرى أنه لبنان “مُتخلّف إقتصاديًا” (التخلّف الإقتصادي يعني عدم إستخدام الموارد المُتاحة لتعظيم النمو الإقتصادي)، كما أن أرقام ​البطالة​ هي أفضل مثال على عدم قدرة هذا الإقتصاد على إستيعاب اليد العاملة اللبنانية مما يعني أن اللبناني غير قادر على إكفاء حاجاته وبالتالي نرى أن ​الفقر​ ينهش في المجتمع اللبناني (ثلث المُجتمع اللبناني يعيش تحت عتبة الفقر). والمُشكلة أن التأخر في تحديث الماكينة الإقتصادية يؤخّر من عملية التنمية ويخلق فجوة بين المُجتمع اللبناني والمُجتماعات الأخرى يصعب محوها مع الوقت.

مؤشرات التخلّف الإقتصادي والإجتماعي
هناك العديد من المؤشرات التي تؤكّد على تخلّف لبنان إقتصاديًا وإجتماعيًا:

أولًا – هناك ركود في إنتاجية العامل ناتجة عن عاملين: ركود ​الأجور​ الحقيقية، وتآكل الماكينة الإقتصادية. فعلى الرغم من رفع الأجور في ​القطاع العام​، إلا أن معدّل القدرة الشرائية الحقيقية في القطاعين العام والخاص إنخفض مع إرتفاع الضرائب وزيادة الأسعار. كما أن ضعف الإستثمارات أدّى إلى تآكل في الماكينة الإقتصادية تظهر من عدّة مؤشرات إقتصادية على رأسها التصدير والإستيراد.
ثانيًا –تحليل الناتج المحلّي الإجمالي يدلّ على أنه مُركّز بشكل أساسي على ​قطاع الخدمات​ المعروف عنه أنه ذات قيمة مضافة مُتدنّية وعلى ​الصناعات التحويلية​. وهذا ما يجعل من لبنان غير جاذب للإستثمارات خصوصًا مع إرتفاع كلفة اليد العاملة وتردّي الظروف السياسية التي تُعتبر أساسية في تطوّر قطاع الخدمات.
ثالثًا – هناك ​هجرة​ أدمغة كبيرة مع عدم قدرة الإقتصاد اللبناني على إستيعاب المُتخرّجين. والأصعب يبقى أن ما يُقارب من 60% من ​المهاجرين​ لا يعودون إلى لبنان كدلالة على غياب أي نظرة إيجابية للسياسات التنموية المُستقبلية.
رابعًا – هناك تركيز في الإستثمارات التي تتمّ في لبنان على عدد محدود من القطاعات كالقطاع التجاري و​القطاع العقاري​ و​القطاع المصرفي​. وبالتالي لا يوجد أي إمكانية لتنويع الإقتصاد وإستيعاب اليد العاملة المُتخصّصة في مجالات مُتعدّدة لدرجة يتسأل البعض عن جدوى التخصّص في بعض المجالات إذ لم يكن بهدف الهجرة.
خامسًا – تُظهر أرقام وزارة المال أن الدولة اللبنانية لا تُنفق أموالًا على الأبحاث التي تُعتبر الأساس في معادلة التطور العصري. وغياب الإستثمارات أو أقلّه سياسية ضريبية تحفيزية للقطاع الخاص، تجعل الإبتكار والإختراعات غائبة مما يعني أن الإستقلالية الإقتصادية معدومة (قسم كبير مما يستهلكه اللبناني هو مستورد).
سادسًا – عجز هائل في ​الميزان التجاري​ يتمثّل بضعف الصادرات الصناعية وإفراط في إستيراد السلع التكنولوجية (عجز الميزان التجاري في لبنان يفوق الـ 14 مليار د.أ أي ما 26% من الناتج المحلّي الإجمالي!).
سابعًا – إرتفاع العجز الغذائي والذي هو نتاج غياب الإنماء المتوازن بين العاصمة والأطراف. وتُشير الإحصاءات إلى أن 25% من عائلات الأطراف تعيش مع دخل أقلّ من 325 د.أ شهريًا مُقابل 4% في العاصمة بيروت مما يعني أن هناك إهمال كبير للأطراف عجزت السلطة عن معالجته.
ثامنًا – لا يوجد أرقام رسمية تُحدّد مُستوى البطالة في لبنان، لكن التقديرات تقول أن نسبة البطالة تفوق الـ 35% كمعدّل عام مع مستويات تُقارب الـ 50% بين الشباب وأكثر من 70% بين الأمّيين بينهم.
تاسعًا – إنتشار واسع للفساد في الحياة الإقتصادية وفي هيكلية الدولة ينتقل ميكانيكيًا إلى بنية ​القطاع الخاص​. هذا ​الفساد​ الذي تُقدّر قيمته بخمسة مليارات دولار أميركي كخسائر مباشرة وخمسة مليارات دولار أميركي كغياب للفرص الإقتصادية، يُعتبر من الأسباب الأساسية لتفشّي التخلّف الإقتصادي والإجتماعي.
عاشرًا – التعلّق الكبير بالمعطيات الإقتصادية والسياسية العالمية كالتعلّق بأسعار ​النفط​ (يزيد العجز في لبنان مع إرتفاع أسعار النفط) كما وقيمة تحاويل المُغتربين اللبنانيين التي تتعلّق بالأوضاع الإقتصادية في بلاد الإغتراب (تُشكّل تحاويل المُغتربين اللبنانيين 15% من الناتج المحلّي الإجمالي)…
حادي عشر– التوزيع غير العادل للثروة الوطنية والذي يتمثّل بتمايز مُلفت بين الطبقة الغنية من جهة والطبقتين الوسطى والفقيرة من جهة أخرى. ويكفي معرفة أن 0.3% من سكان لبنان يمتلكون أكثر من 50% من ​ثروات​ لبنان للقول أن هناك غياب تام للعدالة الإجتماعية. هذه المؤشرات تؤكّد أن هناك غياب كلّي للسياسات التنموية وبالتالي هناك إلزامية لتغيير منهجية العمل التخطيطي للسلطة السياسية بشقيّها التنفيذي والتشريعي.
مقاربة جديدة
إن المُقاربة التقليدية التي تعتمد الناتج المحلّي الإجمالي للفرد كمقياس لمستوى التنمية في بلد مُعيّن لم تعد المعيار الأساسي. فمفهوم التنمية المُستدامة حلّ محل الناتج المحلّي الإجمالي للفرد ويأخذ بعين الإعتبار الوضع الإقتصادي، الوضع الإجتماعي والوضع البيئي. وجائت أهداف التنمية المُستدامة التي وضعتها ​الأمم​ المُتحدة والمعروفة بإسم “SDGs” لتُعطيمؤشرات جديدة لقياس التنمية والتحديث في بلد مُعين. ويبلغ عدد هذه المؤشرات 17 مؤشر موزعة على النحو التالي: الفقر، ​الجوع​، الصحّة، التعليم، المُساواة بين الجنسين، ​المياه​ النظيفة والصحيّة، ​الطاقة​ المُتجدّدة، فرص عمل، بنية تحتية، تقليل مستوى عدم المساواة، المدن والمُجتمعات المُستدامة، الإستخدام المسؤول للموارد، المناخ، المحيطات المُستدامة، الإستخدام المُستدام للأرض، السلام والعدالة، والشراكة من أجل التنمية المُستدامة.

بالطبع هذه المُقاربة تهدف إلى مُعالجة الوضع الإقتصادي والإجتماعي والبيئي للفرد بطريقة ترفع المستوى التنموي للعالم أجمع عبر إعتماده بشكل فردي من قبل الدوّل الموقّعة على الإتفاقية.

ويبقى السؤال الجوهري: أين لبنان من هذه المُقاربة؟ وهل سيبقى اللبناني رهينة طبقة سياسية في تصادم مُستمر يُعطل الحياة الإقتصادية ويزيد من تخلّف الشعب اللبناني إقتصاديًا وإجتماعيًا؟

رابط الإقتصاد

Print Friendly, PDF & Email

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More