بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

سياسة لبنان النقدية تُثير مطامع دول إقليمية

لا يُخفى على أحد أن السياسة النقدية التي يتبعها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة تُثير حشرية العديد من الخبراء المحليين والإقليميين وحتى الدوليين والتي كان حصيلتها توافد مُنتظم لرؤوس الأموال إلى القطاع المصرفي اللبناني. إلا أن اللافت للأمر هو قيام بعض الدول الإقليمية بحملات دعائية لتشويه صورة لبنان الإقتصادية والنقدية بهدف جذب رؤوس الأموال إليها.

لم يكن من الصعب على المُطلعين على الشؤون النقدية معرفة الخطوط العريضة للسياسة النقدية التي يتبعها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة والتي تتمثّل بطابعها الثباتي على صعيد سعر صرف العملة ولكن أيضًا على صعيد سعر الفائدة. والإطلاع أكثر على الإجراءات التي قام بها سلامة منذ إستلامه سدّة الحاكمية في مصرف لبنان تُشير إلى أنه إعتمد على ركيزتين أساسيتين:أولًا – تنظيم القطاع المصرفي وجعله من أهم المراكز المالية العالمية. هذا التنظيم شمل المُحافظة بالدرجة الأولى على أموال المُودعين من خلال فرضه الكثير من القيود على المصارف وطريقة تعاملها مع الودائع وذلك عبر مئات التعاميم التي حدّدت طرق التعاطي مع هذه الودائع والتي صانت المبدأ الأساسي في الإقتصادات الحرّة ألا وهو قدسية المُلكية.

أيضًا قام سلامة بفرض تنظيم إدراي وعملي على المصارف من خلال إلزامه هذه المصارف بهيكلية مُعينة (وحدة المخاطر، وحدة التدقيق، وحدة الإمتثال..) وفرض عليها إلتزام أفضل الإجراءات (Best Practices). وعلى الصعيد المالي دفع سلامة بإتجاه رفع رأس مال المصارف من خلال حفظ 25% من الأرباح في رأس المال كما وفرض عليها سيولة عالية وإدارة رشيدة للمخاطر ما جعل هذه المصارف تلتزم كل المعايير الدولية. هذا الإلتزام بالمعايير الدوّلية، أقرنه سلامة بإلزام المصارف اللبنانية الإلتزام بالقوانين الدولية (فتكا، غتكا، قانون العقوبات الأميركية…) ما جعل المصارف اللبنانية تُنافس أفضل المصارف العالمية من ناحية الأداء والإلتزام بالقوانين.

وكنتيجة لكل ما سبق، إستطاع سلامة الحصول على ثقة المُستثمرين والمودعين كما والمُجتمع الدوّلي وأصبحت هذه المصارف وجهة مُفضّلة لرؤوس الأموال كما تشهد على ذلك الزيادة المُنتظمة في حجم الودائع.

ثانيًا – إستخدم رياض سلامة الوسائل النقدية التقليدية للحفاظ على سعر صرف ثابت لليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي. وإلتجأ سلامة إلى وسائل مالية غير تقليدية على مثال السياسة الإحترازية والتي فرضت رفع السيولة في القطاع المصرفي ولكن أيضًا إحتياط مصرف لبنان من العملات الأجنبية التي كانت لا تتعدّى بضعة مئات الملايين من الدولارات عند إستلامه مهامه إلى أكثر من 45 مليار دولار أميركي حاليًا! هذه القدرة النقدية هي بالتحديد العنصر الأساسي الذي يُثبّت سعر صرف الليرة اللبنانية على الرغم من كل العواصف السياسية والأمنية التي مرّ بها لبنان.

وإستخدم رياض سلامة في بعض الأحيان هندسات مالية سمحت بمحو الأثار السلبية للأداء الإقتصادي، المالي والسياسي للدوّلة اللبنانية. هذه الهندسات التي هي بمثابة عملية جراحية تبقى محط تقدير من قبل أكبر المصارف الأميركية والمُنظمات الدولية على مثال صندوق النقد الدولي الذي أشاد برياض سلامة وبسياسته النقدية والإجراءات التي يقوم بها والتي سمحت بحسب صندوق النقد الدولي بالحفاظ على ثبات النظام المالي والنقدي للدوّلة اللبنانية.

إستطاع سلامة من خلال هذا العمل من الحصول على ثقة المُجتمع الدوّلي به نظرًا إلى مصداقيته في العمل التنظيمي والرقابي للقطاع المصرفي وحتى على الصعيد الإحترازي حيث كان له الفضل الأول والأخير في منع المصارف من الإستثمار في المشتقات السامة التي أطاحت بأكبر المصارف العالمية في العام 2008. هذه الثقة تُسهّل على المصارف اللبنانية ولكن أيضًا على الدوّلة اللبنانية الإستحصال على تمويل خارجي نظرًا إلى أن النظام المصرفي «مُطابق لكل المواصفات الدولية» ونظرًا إلى معرفة المُجتمع الدولي بدور سلامة في ثبات النظام المصرفي ومتناته كما وقدرته على إستيعاب الصدمات الناتجة عن الأداء الإقتصادي، المالي والسياسي للدوّلة اللبنانية.

اللافت في الأمر أنه وعلى الرغم من كل الزلازل التي مرّ بها لبنان على الصعيد الأمني والسياسي من عناقيد الغضب في العام 1996 إلى إستقالة الرئيس سعد الحريري في تشرين الماضي مرورًا بإغتيال الرئيس رفيق الحريري في العام 2004، عدوان تموز في العام 2006، أحداث 7 أيار، الفراغ الرئاسي، الأزمة السورية وموجة التفجيرات في العام 2013، والفراغ الرئاسي من جديد بين العامين 2014 و2016… حافظت الليرة اللبنانية على سعر صرف ثابت مقابل الدولار الأميركي ليخلق بذلك معادلة فصل السياسة والأمن عن النقد!

أيضًا وعلى الرغم من كل هذه الأحداث، إستمرّ تدفق الودائع ورؤوس الأموال إلى القطاع المصرفي وإزداد معها إحتياط مصرف لبنان من العملات الأجنبية. وهذا الأمر يُثير غيرة وحسد العديد من الدول الإقليمية التي تمرّ عملاتها بمراحل صعبة دفعها الأمر إلى شنّ حملات على الوضع الإقتصادي والنظام المصرفي اللبناني وحتى على حاكم مصرف لبنان.

وأخر هذه الحملات ما قامت به إحدى شاشات التلفزة في إحدى الدول العربية عبر بثّها برنامجا تلفزيونيا يتناول فيه المُذيع الوضع الإقتصادي والمالي في لبنان. هذا الفيديو الذي يحوي الكثير من المُغالطات، يهدف قبل كل شيء إلى تشويه صورة لبنان أمام العالم لحاجة ما في نفس يعقوب.

أرقام غير واقعية يطرحها هذا المُذيع في برنامجه حيث أعلن أن الدين العام في لبنان هو 100 مليار دولار – أي ما يوازي دين أندونيسيا كما أن خدمة الدين العام هي 70% من الموازنة والبطالة مرتفعة جدًا. وأضاف أن حديث حاكم مصرف لبنان عن أن الليرة اللبنانية هي بخير وأن الإقتصاد ينمو هو كلام غير صحيح. وتوقّع هذا المُذيع أن يلجأ لبنان إلى الإستدانة لتفادي الإفلاس المُحتم.

لا نعلم من أي آتى هذا المُذيع (أو ربما وجب تسميته الخبير الإقتصادي!!) بهذه الأرقام وهو الذي يتحدّث كأنه يملك الحقيقة المُطلقة وأن لديه مركزا إحصائيا يعرف كل ما يجري في لبنان من شاردة وواردة.

لهذا العبقري نقول أن أسلوبك رخيص ويهدف إلى تضليل الرأي العام اللبناني، الإقليمي والدولي لضرب القطاع المصرفي اللبناني ودفع المودعين إلى إيداع أموالهم في بلدك الذي يُعاني من نقص الدولارات في إحتياطه من العملات الأجنبية.

إن لبنان هو من أهم المراكز المالية في العالم وسيبقى كذلك بفضل السياسة النقدية التي يتبعها حاكم مصرف لبنان. ولن تستطيع حملاتكم المُعيبة ولا الأبواق المأجورة داخليًا أو خارجيًا من النيل من القطاع المصرفي اللبناني. فعلًا لم نر مثل هذا الإنحدار في التعاطي بين الدوّل ولو كان الأمر بيدنا لطردنا سفير هذه الدولة لما من خساسة في التهجّم على لبنان وعلى قطاعه المالي.

رابط الشرق

Print Friendly, PDF & Email

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More