بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

هذا ما سيحصلّ إقتصاديًا إذا لم تتشكّل الحكومة

الديار | بروفسور جاسم عجاقة

سيناريو الإستمرار في حكومة تصريف أعمال هو سيناريو مطروح خصوصًا مع كل التعقيدات التي تواجه رئيس الجمهورية ميشال عون في خيار التكليف الخاضع لمعضلة التأليف. أربعة عشر يومًا مضت على إستقالة رئيس الحكومة سعد الحريري وحتى الساعة لم تنطلق الإستشارات المُلزمة. وإذا كان تأجيل الإستشارات ليس بسابقة، إلا أن هذا التأخير يُبرز إلى العلن الصعوبات التي يواجهها رئيس الجمّهورية في تقريب وجهات النظر بين الأفرقاء خصوصًا أنه لا يُريد تكرار تجربة حكومة الحريري الثالثة والتي أخذ تأليفها تسعة أشهر!

التعقيدات التي يواجهها رئيس الجمّهورية ليست كسابقاتها، فقواعد اللعبة تغيّرت مع الإحتجاجات الشعبية والتي أصبح لها كلمتها في تركيبة الحكومة خصوصًا إذا ما إحتوت التركيبة الجديدة على أسماء لا يُريدها الشارع أو يعتبرها إستفزازية.

على كل الأحوال المؤشرات تُظهر أن الصعوبات تمّنع حتى الساعة تشكيل حكومة بالسرعة التي يتطلبّها مستوى التحديات التي يواجهها لبنان. فالشق الإقتصادي بدأ بالبروز إلى العلن مع تراجع النشاط الإقتصادي بشكلٍ ملحوظ يُنذر بأزمة إجتماعية – مالية حذّرت منها بعثة البنك الدولي التي زارت رئيس الجمهورية الأسبوع الماضي. فقد نبّه الوفد إلى أن نسبة الفقر في لبنان قدّ ترتفع إلى 50% إذا لم يتمّ تشكيل حكومة في أسرع وقت لتدارك تداعيات الأزمة!

هذه الأزمة تتمثّل بفقدان دولار الإستيراد من الأسواق مما أدّى إلى لجوء المستوّردين إلى سوق الصيارفة لشراء الدولارات وبالتالي إرتفعت أسعار السلع والبضائع بالليرة اللبنانية. هذا الواقع يُظهر إلى العلنّ عيوب النموذج الإقتصادي اللبناني الحالي الذي يعتمد على الإستيراد لتلبية طلب السوق الداخلي، وبالتالي أصبحت مداخيل الإقتصاد بالدولار الأميركي لا تكفي لتغطية كلفة الإستيراد. هذا الأمر فرض على مصرف لبنان تمويل هذا الإستيراد الذي أخذ أبعادًا كبيرة منذ الأزمة السورية حيث زاد حجم السوق بشكل كبير، زادت معه الكمّيات المُستهلكة.

عمليًا هذا النموذج يضع في خطر الثبات النقدي الذي يُعتبر أساس الأمن الإجتماعي خصوصًا مع تفاقم الأزمة السياسية والإحتجاجات الشعبية التي عصفت وما زالت تعصف بلبنان منذ 17 تشرين الأول 2019 وحتى الساعة.

حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وخلال مؤتمره الصحافي البارحة، قالها بوضوح: إلتزام مصرف لبنان بتأمين دولار الإستيراد، يطال المواد الأساسية (المحروقات، القمح والأدوية). أما في ما يخص إستيراد البضائع الأخرى فإنها من مسؤولية المستوردين تأمين الدولارات لها.

عمليًا على الأرض، الإستمرار في الإستيراد المفرط سيرفع من الأسعار في الأسواق إلى درجة ستنخفض معها القدرة الشرائية للمواطن. وإذا إستمرّ الفراغ الحكومي، من المتوقّع أن ترتفع الأسعار بنسب توازي 25% خصوصًا على المواد الغذائية المستوّردة وهذا الأمر سيطال بالدرجة الأولى الطبقة الفقيرة. إلا أن الأمر الذي قدّ يُخفف من وطأة التداعيات على هذه الطبقة أن قسمًا لا يُستهان به من هذه المواد مُصنّع أو مُنتج في لبنان وهذا يفرض على وزارة الإقتصاد والتجارة زيادة الرقابة على أسعار المنتوجات اللبنانية التي من المفروض أن لا ترتفع في أسوء الأحوال بنسب تفوق الـ 5%.

إلا أن الضرر الأكبر سيكون على الوظائف حيث ستعمد بعض الشركات وحفاظًا على ربحيتها أو تفاديًا للخسائر، إلى صرف موظفين وعمّال وهو ما يؤدّي إلى ضرب القدرة الشرائية لهؤلاء. ولا يُساعد الوضع في الأساس (أي قبل الأزمة) في الأمر، فالبطالة كانت تفوق الـ 35% مع نسبة فقر 31.52% وهي نسب عالية لها تداعيات إجتماعية تُفسّر إلى حدٍ كبير المشاركة الكبيرة للّبنانين في الإحتجاجات الشعبية ضدّ الفساد المُستشري في مفاصل الدوّلة والذي يمنع الإنماء والعدالة الإجتماعية.

إذا إستمرار الفراغ الحكومي سيؤدّي حكمًا إلى تداعيات إجتماعية (فقر، بطالة، إرتفاع الجريمة) ولكن أيضًا إقتصادية (إقفال بعض الشركات، إنخفاض الإستهلاك، إنكماش إقتصادي…)، مالية (إرتفاع العجز) نظرًا إلى 15% من مداخيل النشاط الإقتصادي يذهب ضرائب للدوّلة، وربما أمّنية! ولكن الأصعب يبقى على صعيد الضغط الذي تُشكّله المالية العامة على القطاع المصرفي وعلى مصرف لبنان مع حاجاتها المتزايدة (خفض تصنيف لبنان الإئتماني مثلًا) إلى الأموال وهو ما يُلزم مصرف لبنان دعم الدوّلة اللبنانية وبالتالي تعريض الثبات النقدّي للخطر. هذا الأخير قدّ يُشكّل شرارة ستُشّعل الشارع بطريقة غير مسبوقة مما يعني ضرورة الإسراع في تشكيل الحكومة.

وعلى الرغم من تأكيد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في مؤتمره الصحفي، إمتلاك الوسائل لتأمين الثبات المالي والنقدي في لبنان، إلا أن هذا الأمر لا يعني أن القوى السياسية تملك ترف الوقت!! بإعتقادنا ملاءة المصرف المركزي أعفت لبنان من مشاكل كثيرة ولكن لا يُمكن الإستمرار بهذا الوضع إلى ما لا نهاية! وهذا ما حذّر منه وفد البنك الدوّلي الذي زار رئيس الجمهورية الأسبوع الماضي.

في ظل هذا الإطار هناك ثلاثة إجراءات يتوجّب على المعنيين القيام بها في حال إستمر الفراغ الحكومي:

أولًا – من جهة المصارف: يتوجّب على المصارف تلبية طلبات المودعين في ما يخص إنفاقهم اليومي خصوصًا بالليرة اللبنانية وقبول قسوطات القروض وفواتير الهاتف بالليرة اللبنانية. أيضًا يتوجّب عليها تطبيق تعميم مصرف لبنان في ما يخص المواد الأساسية (محروقات، قمح وأدوية).

ثانيًا – من جهة حكومة تصريف الأعمال: يتوجّب على الحكومة وقف كل إنفاق بالدولار الأميركي خصوصًا الإستيراد للإستشارات والسفر وخفض ساعات الكهرباء وكل ما له علاقة بدولار الإستيراد.

ثالثًا – من جهة التجّار: يتوجّل وقف الإستيراد غير المُجدي مهما كان نوّعه خصوصًا الكماليات نظرًا إلى أنها تستهلك دولارات من دون جدّوى في ظلّ هذه الظروف. كما يتوجّب عليهم أيضًا عدمّ تخزين الدولارات في خزاناتهم بشكلٍ غير مبرّر.

رابعًا – من جهة المواطنين: يتوجّب على المواطنين التوقّف عن وضع الدولارات في المنازل نظرًا إلى الخطر الأمني ولكن أيضًا نظرًا إلى صعوبة تبرير مصدر هذه الأموال أمام هيئة التحقيق الخاصة بعد إنتهاء الأزمة. ويبقى الأهمّ أن زيادة الطلب على الدولار الأميركي يُفاقمّ من الأزمة، فمثلاً إذا ما كان الطلب هو 500 دولار أميركي للعائلة الواحدة فهذا يعني أن هناك 625 مليون دولار أميركي ستخرجّ من المصارف ومن الدوّرة الإقتصادية لترقد في المنازل! الجدير ذكره أن حجم الأموال الراقدة في المنازل قدّرها مصرف لبنان بثلاثة مليارات دولار أميركي!

خامسًا – من جهة وزارة الإقتصاد والتجارة: على وزارة الإقتصاد التشدّد في الرقابة على أسعار السلع والبضائع المنتجة محليًا لما لهذا الأمر من ضرورة إجتماعية حفاظًا على الطبقة الفقيرة.

وإذا كنّا نأمّل أن نتنهي هذه الأزمة في أسرع وقت، نرى أن لا خروج من هذا النفق إلا بتشكيل حكومة بأسرع وقت وإقرار قانون إستقلالية القضاء تلبية لمطالب اللبنانيين الذي يجوبون الشوارع منذ 17 تشرين الأول.

Print Friendly, PDF & Email

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More