بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

هذا ما سيحصلّ إذا إستمرّت الأزمة؟

الديار | بروفسور جاسم عجاقة

تسعة أيّام مرّت على بدء الإنتفاضة الشعبية في لبنان ضدّ الفساد مع مطلب أساسي “رحيل الحكومة”. إحتجاجات اليومين الأخيرين شهدت أحداثًا أمنية تصادم فيها شارعين وكادت أن تخرج عن السيطرة لولا العناية الإلهية! على كلٍ الظاهر أن إستقالة الحكومة تواجه تحدّيات سياسية كبيرة وتعقديات تراوحت بين الضغوطات الداخلية من قبل حزب الله والتيار الوطني الحرّ الرافضة لهذه الإستقالة، ومن قبل المُتظاهرين الذي يرفضون حتى الساعة الخروج من الشارع قبل إستقالة الحكومة.

النشاط الإقتصادي يعيش على وتيرة التظاهرات والتصريحات السياسية التي لم تتوقّف منذ تسعة أيّام. وواكب هذا التراجع في النشاط الإقتصادي وقفًا شبه كامل للقطاع العام لكن من دون تداعيات على رواتب القطاع العام التي تمّ البدء بتحويلها إلى الحسابات المصرفية للموظّفين في القطاع العام منذ البارحة.

الخسائر الإقتصادية والمالية المُسجّلة حتى الساعة كبيرة، وقدّ ساهم إقفال المصارف التي تُعتبر الشريان الحيوي للنشاط الإقتصادي بخسائر إضافية على الإقتصاد والمالية العامّة. فهذه الأخيرة لم تتلقّ مُستحقاتها منذ أسبوع تقريبًا! الخسائر على الخزينة تبلغ 14.5% من النشاط الإقتصادي وبالتالي مع أكثر من مليار دولار خسائر على الإقتصاد، هناك 145 مليون دولار أميركي خسائر على الخزينة!

بالطبع إستمرار الوضع على ما هو عليه سيزيد من الخسائر حيث أن إستمرار الأحداث 15 يومًا (من دون يومي عطلة الأسبوع) سيؤدّي إلى خسائر خيالية بقيمة 3.4 مليار دولار أميركي منها 450 مليون دولار أميركي خسائر على الخزينة العامّة.

لكن هذه الخسائر هي خسائر مباشرة فقط، فهناك خسائر غير مباشرة تتمثّل بالديون التي يتوجّب دفعها خلال الشهر القادم وبالتالي قلّة الأموال سيفرض على الخزينة الإستدانة (أغلب الظن من القطاع المصرفي) لتغطية النقص الناتج عن مداخيل الخزينة. وبإعتقادنا فإن 15 عشر يومًا من الإضراب سيؤدّي إلى تكبيد الخزينة خسائر إضافية (لاحقة) بقيمة 238 مليون دولار أميركي.

أيضًا من بين الخسائر غير المباشرة (أو المؤجّلة مع الوقت) خسائر ناتجة عن تخفيض التصنيف الإئتماني والذي أصبح شبه أكيد! فقد قامت وكالة التصنيف الإئتماني ستآندارد آند بورز بوضع لبنان تحت المراقبة أي بما معناه يُمكن أن يصدر إعادة تقييم تصنيف للبنان في أي وقت، في حين أن المهّلة الأساسية التي أعُطيت للحكومة أصلًا هي ستة أشهر!! بالطبع قد يتمّ تفسير هذا الأمر سياسيًا من ناحية الضغط على إستقالة الحكومة وإعادة تشكيل حكومة تكنوقراط، إلا أننا نستبعد هذا الأمر. فالتقارير الدوّلية التي صدرت عن بعض المؤسسات المالية شكّكت في إستدامة هذه خطّة الإصلاحات المُقترحة خصوصًا لناحية تخفيض العجز في الموازنة. فالخفض في عجز موازنة 2020 آت بالدرجة الأولى من إجراءين مصرفيين: فرض ضريبة على القطاع المصرفي، ودعم مصرف لبنان لخزينة الدوّلة بهدف خفض خدمة الدين العام 50%! وهذين الإجراءين هما على سنة واحدة فقط، مما يعني أنه وبغياب مداخيل أكيدة ومُستدامة (مثل فرض الضرائب أو محاربة الفساد) أو خفض الإنفاق (كهرباء لبنان…)، لن يكون هناك إستدامة لعجز مُنخفض.

هذا الخفض بتنصنيف لبنان سيزيد من خدّمة الدين العام في العام 2020 بنسبة 3% أي ما يوازي 180 مليون دولار أميركي مما يعني أن إجمالي الخسائر ستصلّ إلى مستويات ستؤثّر حكمًا على الثبات المالي وستزيد حكمًا من إحتمال إعادة هيكلة الديون السيادية. الجدير ذكره أن لبنان مرّ بثلاث أزمات سياسية هذا العام (أزمة تشكيل الحكومة التي إمتدّدت حتى كانون الثاني 2019، حادثة قبرشمون، والإحتجاجات الشعبية) وهو ما يزيدّ من إحتمال السيناريو التشاؤمي!

على الصعيد المصرفي، يتخوّف البعض من هجّمة سحب أموال من المصارف عند فتح أبوابها بعد أن تمّ إقفالها منذ بدء الأزمة، وبالتالي يطرحون إحتمالية فرض قيود على حركة تنقّل رؤوس الأموال. هذا الأمر مُحقّ على الصعيد النظري، إلا أنه عمليًا لا يُمكن للمصارف أن تفتح أبوابها بأي شكل من الأشكال قبل إنتهاء الأزمة الحالية! هذه الإستحالة آتية من مبدأ أنه في ظل غياب ثبات أمّني لا يُمكن التعويل على سلوك المودعين الذي قد يوصل البلد إلى كارثة إذا ما قرّر كل اللبنانيين سحب أموّالهم. لذا ننصح السلطات السياسية التعجيل في معالجة الأزمة السياسية، والسلطات النقدية عدم فتح المصارف قبل إنتهاء هذه الأزمة تحت طائلة إرتكاب خطأ فادح بتداعيات كارثية.

بإعتقادنا، حرّية تنقّل رؤوس الأموال لن تتأثّر في الوقت الراهن على الرغمّ من الظروف الصعبة التي يمرّ بها لبنان. كذلك الحال بالنسّبة إلى الليرة اللبنانية التي سيبقى سعر صرفها في سوق الصرف الرسمي (بين المصارف) ضمن الهامش الرسمي المُحدّد من قبل مصرف لبنان. أمّا في ما يخص سوق الصيّرفة، فإن الأسعار قد ترتفع إلى مستويات عالية، إلا أن صغر حجم هذا السوق، يدّفعنا إلى القول أنه لن يكون له أي تأثير على سعر الصرف الرسمي. على هذا الصعيد، يتوجّب التذكير أن سوق الصيرفة يعني إمتلاك كاش من العملة الأجنبية من قبل مُستخدميه. وبما أن مصرف لبنان سهّل أمرّ دفع المُستحقات بالدولار الأميركي بالليرة اللبنانية من أصحاب الدخّل بالليرة اللبنانية، وبما أن إمتلاك الكاش من العمّلة الأجنبة يؤثّر سلبًا على الكتلة النقدية بالدولار الأميركي وبالتالي على إحتياطات مصرف لبنان، لذا يتوجّب على التجّار اللبنانيين وعلى المواطنين إجراء عملياتهم كلّها عبر القطاع المصرفي (أي ما يُسمّى بالشمول المالي).

المعروف في النظرية الإقتصادية أن عنصر الثقة في الإقتصاد هو الأساس الذي يؤمّن إستدامة النمو. هذه الثقة مكوّنة من ستّة عوامل هي: الثبات السياسي، الثبات الأمني، تداول السلطات، إستقلالية القضاء، قوانين عصرية (منها الموازنة وخطّة إقتصادية) ومُحاربة الفساد! وبالتالي فإن غياب الثبات السياسي نتيجة الإحتجاجات الحالية، وإحتمال الفلتان الأمّني سيزيد من نسبة المخاطر الإقتصادية والمالية وحتى النقدّية.

Print Friendly, PDF & Email

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More