بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

نتائج التصنيف إنذار للحكومة والخروج من الأزمة متوافر في ورقة بعبدا المالية والاقتصادية

الأسواق استوعبت التقييم الجديد لوكالات التصنيف الائتماني... السندات بخير والليرة مُستقرّة

الديار | بروفسور جاسم عجاقة

مع صدور تقارير وكالات التصنيف الائتماني ستاندارد آند بورز وفيتش، تتجه الأنظار نحو الحكومة اللبنانية لمعرفة الخطوات التي ستتخذها لمواجهة هذا التصنيف. الأمر السلبي في هذه التقارير أن فيتش خفّضت تصنيف لبنان من «B-» إلى «CCC+»، أمّا الأمر الإيجابي فهو أن ستاندارد آند بورز حافظت على تصنيف لبنان الائتماني عند «B-». هذا الأمر يعني أنه يتوجّب على الحكومة العمل على إجراء إصلاحات هيكلية خلال الأشهر الستّة القادمة تاريخ صدور التقارير الجديدة لتصنيف لبنان الائتماني لتعاود فيتش النظر في تقييمها ورفع تصنيف لبنان مما يُخفّض تلقائيا خدمة الدين العام.

الاختلاف بنتائج التصنيف بين الوكالتين يأتي من منطلق أن مقاربة الوضع المالي ـ الإقتصادي ـ السياسي اختلفت بين الوكالتين. ففي حين رأت ستاندارد آند بورز النقاط الإيجابية المُحقّقة في الفترة الماضية من مصالحة بين الأفرقاء السياسيين وعودة الحكومة إلى الاجتماع بالإضافة إلى إقرار موازنة 2019 وإقرار ورقة بعبدا المالية ـ الإقتصادية التي تُعتبر إصلاحية، نظرت فيتش إلى الشق السلبي من الأوضاع وخصوصا احتمال عودة الخلافات السياسية وغياب خطّة على الأمد القصير للسيطرة على خدمة الدين العام.

بالطبع يتوجّب على الحكومة اللبنانية قراءة التقريرين بعمق وخصوصا تقرير وكالة فيتش التي خفّضت تصنيف لبنان وتحليل العوامل التي دفعتها إلى التخفيض للعمل على تصحيحها. فقد علّلت الوكالة هذا التخفيض بالضغط المتزايد على نظام تمويل الحكومة اللبنانية، والمخاطر المتزايدة على قدرة الحكومة على السيطرة على خدمة الدين العام. وورد في التقرير أن هناك ضغطاً متزايداً على ودائع القطاع المصرفي وعلى احتياط مصرف لبنان نتيجة اعتماد كبير من قبل الحكومة اللبنانية على التموّل من مصرف لبنان إن على صعيد إنفاقها الداخلي أو على صعيد دفع مستحقات سندات اليوروبوندز.

ويُضيف التقرير أن لبنان يحتاج إلى كمّ هائل من رؤوس الأموال الداخلة لتمويل العجز التوأم (أي عجز الموازنة وعجز الحساب الجاري) المُقدّر بـ 24% من الناتج المحلّي الإجمالي للعام 2019، أي ما يوازي الـ 13 مليار دولار أميركي! ويُضيف أنه على الرغم من الإجراءات الضريبية المُتّخذة حديثا، إلا أن الحكومة تفتقر إلى خطّة ذات مصداقية على الأمد المتوسط للسيطرة على الدين العام نسبة إلى الناتج المحلّي الإجمالي. أي بمعنى أخر، الحكومة اللبنانية التي من المفروض أن تتموّل من الضرائب، تعتمد على مصرف لبنان لتمويل عجزها التوأم وقدرة مصرف لبنان وفعّالية إجراءاته لجذب رؤوس الأموال تتقلّص مع الوقت نظرا إلى عدم ثقة المستثمرين بالوضع القائم في لبنان مع خلافات سياسية تؤدّي إلى تعطيل الحكومة وغياب الإصلاحات الاقتصادية وتفشّي الفساد. هذا الأخير كان له التثقيل الأعلى في تصنيف فيتش!!

وإذا ما أردنا معرفة كيفية مواجهة هذا التصنيف، يكفي النظر إلى ورقة بعبدا المالية ـ الاقتصادية التي تحوي على النقاط التالية (الترتيب بحسب التداعيات المالية على خزينة الدولة):

ـ إستكمال خطوات الاصلاح القضائي وتعزيز عمل التفتيش المركزي وأجهزة الرقابة، التشدد في ضبط الهدر والفساد، الإسراع في انجاز المعاملات.

ـ الالتزام بتطبيق دقيق لموازنة 2019 والإجراءات المُقرّرة فيها وتوصيات لجنة المال والموازنة.

ـ إقرار موازنة العام 2020 في مواعيدها الدستورية.

ـ الالتزام بالتطبيق الكامل لخطة الكهرباء بمراحلها المختلفة.

ـ وضع خطة تفصيلية للمباشرة بإطلاق المشاريع الاستثمارية المقررة في مجلس النواب والبالغة 3.3 مليار دولار، بعد اقرار قانون تأمين الاستملاكات لها، اضافة الى مشاريع سيدر.

ـ تفعيل عمل اللجان الوزارية، بخاصة في ما يتعلق بإنجاز اعادة هيكلة الدولة والتوصيف الوظيفي.

ـ إعادة النظر بالمؤسسات غير المجدية والغاؤها وفقاً لما تقرر في القوانين السابقة

ـ وإقرار جملة القوانين الاصلاحية لا سيما منها المناقصات العامة، التهرب الضريبي، الجمارك، الاجراءات الضريبية، والتنسيق مع لجنة تحديث القوانين في المجلس النيابي.

ومقارنة هذه النقاط بنقاط الضعف، تؤدّي إلى الاستنتاج أن هذه الورقة تٌشكل ردا مناسبا على كل العوامل السلبية التي دفعت بفيتش إلى تخفيض تصنيف لبنان الائتماني. لذا نستنتج أن على الحكومة اللبنانية تطبيق مُقررات ورقة بعبدا المالية ـ الاقتصادية لأن في ذلك حلاً لتحدّيات كثيرة وعلى رأسها استعادة ثقة المجتمع الدولي بالحوكمة المالية للدولة اللبنانية، وتطبيق إصلاحات هيكلية في المالية العامّة والقطاع العام والاقتصاد.

ولعل من النقاط الأساسية التي يتوجّب التركيز عليها هي مكافحة الفساد الذي يقضي على ثقة المُستثمرين كما والشروع في وضع خطّة اقتصادية لتكبير حجم الاقتصاد ومواكبة عصر النفط كما وإعادة إعمار سوريا.

على صعيد سندات الخزينة المُقوّمة بالدولار الأميركي (سندات اليوروبوندز)، استوعبت الأسواق تراجع التصنيف من قبل فيتش على الرغم من بعض التراجع الذي قد تُظهره عند افتتاح الأسواق اليوم. وهذا ما أكدّه غولدمان ساكس في تقريره أن أسعار سندات الخزينة المقوّمة بالدولار الأميركي تُتداول على أسعار أقلّ من سعرها الحقيقي.

أمّا على صعيد الليرة اللبنانية وعلى الرغم من بعض التداولات التي تمّت في أسواق هامشية على أسعار خارج الأسعار الرسمية، إلا أن القسم الأكبر من التداول والذي يتمّ بين المصارف بقي ضمن الهامش الذي حدّده مصرف لبنان مما يعني أن الثقة بالليرة اللبنانية ما زالت مُستمرّة.

عمليا، يبقى القول إن الفوائد المُرتفعة في الأسواق والتي تُقلّل من القروض الاستثمارية، يُقابلها رزم تحفيزية بفوائد مُنخفضة من قبل مصرف لبنان للقطاعات الصناعية، الزراعية، التربوية، البيئية… وغيرها.

إذا ومما تقدّم نرى أن الكرة هي في ملعب الحكومة وكل ما عليه الحفاظ على الهدوء السياسي السائد حاليا وتطبيق مُقرّرات ورقة بعبدا المالية ـ الاقتصادية.

Print Friendly, PDF & Email
مصدر الديار الجريدة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More