بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

مُعالجة الموازنة من وجهة نظر ماليّة لن تكفي والمطلوب مُعالجة إقتصاديّة إصلاحيّة

لا خوف على الماليّة العامّة هذا العام والليرة مُستقرّة... وستبقى مُستقرّة

الديار | بروفسور جاسم عجاقة

وكان نُقل عن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون خلال جلسة مجلس الوزراء الخميس الماضي قوله انه يجب المباشرة في دراسة مشروع الموازنة كما وتحديد مصادر الخزينة أكانت من خلال الضرائب والرسوم الموجودة أو من خلال موارد أخرى مع الأخذ بعين الاعتبار أن كل موازنة تتضمّن جدولا بالواردات والنفقات، وبالتالي يجب تحديد المعادلة في هذا التوازن. وطلب رئيس الجمهورية في الاجتماع رفع الجداول الخاصة للواردات في المشروع مع التفاصيل لإجراء مقاربة دقيقة للموازنة وضرورة مضاعفة الجهد لانجازها وهذا ما يُشير إلى أن مجلس الوزراء مُتجّه إلى تكثيف جلساته ابتداءً من الثلاثاء القادم.

من جهته أعرب رئيس مجلس النواب نبيه برّي عن ارتياحه لوصول مشروع الموازنة إلى مجلس الوزراء وأمل في أن يتم دراسته في أسرع وقت لرفعه إلى مجلس النواب الذي يحتاج إلى شهر أقلّه لدراسته وإقراره. في هذا الوقت، يأتي طرح مشروع قانون الإنتخابات النيابية من قبل كتلة التمية والتحرير على طاولة النقاش السياسي ليطرح الكثير من الأسئلة عن توقيت وأهداف هذا الطرح خصوصًا في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ لبنان الذي يعيش على وتيرة التصاريح في ما يخص موازنة العام 2019.

والبارحة أوعز رئيس الحكومة سعد الحريري إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء بتوزيع مشروع الموزانة المعدل ليتم درسه ومناقشته يوم الثلاثاء. إلا أن المُلفت أن رئاسة الحكومة تلتزم الصمت حيال الموازنة باستثناء النفي عمّا تمّ تسريبه في الإعلام عن «ورقة» حضّرها الرئيس الحريري وفريقه تحوي طرحا بإجراءات لخفض عجز الموازنة وهو ما نفاه الرئيس الحريري.

التصاريح الصادرة عن بعض الوزراء تؤكّد على ضرورة التوافق بين المكونات السياسية حتى لا يتحمّل فريق واحد ردّة فعل الشارع على الإجراءات التقشّفية، وبالتالي قطع الطريق على أي محاولة للمزيادات الشعبوية.

أمّا المصارف من جهتها، فقد أعلنت أنها تترقب بحذر ما ستتضمّنه الموازنة لكي تأخذ قرارها في ما يخص المساهمة في عملية الاكتتاب بسندات خزينة جديدة. وهذا ما يُمكن فهمه من كلام حاكم مصرف لبنان خلال اجتماعه بجميعة المصارف حيث قال ان الاكتتاب في سندات خزينة هو إجراء طوعي.

تصريح الهيئات الاقتصادية هو الأقوى على صعيد الموازنة إذ انها صرّحت عقب اجتماع لها الأربعاء الماضي أن خفض عجز الموازنة يرتكز بشكل أساسي على خفض هيكلي لنفقات الحكومة. وقالت انها لا تؤيّد الضرائب لأن في ذلك رسالة سلبية للأسواق وضرب للنمو الإقتصادي والأسر والمؤسسات وهذه رسالة واضحة إلى الحكومة لخفض أجور القطاع العام وخصوصًا سلسلة الرتب والرواتب التي كانت مصادر الهيئات الاقتصادية قد صرّحت سابقًا أن المطلوب هو إعادة نظر جذرية فيها.

من جهته أعلن الاتحاد العمالي العام في بيان رفضه المطلق لأي مساس برواتب وحقوق كافة موظفي الدولة والمؤسسات العامة والمصالح المستقلة وأن الأنظار يجب أن تتجه نحو المصارف والشركات الكبرى لا الى ذوي الدخل المحدود.

في ظل كل هذه التناقضات في المواقف، من المتوقّع أن تكون الأيام والأسابيع القادمة ساخنة على الصعيد الاجتماعي ولكن أيضًا بين القوى السياسية التي تحاكي الموضوع بحذر شديد تخوّفا من ردّة فعل شارعها.

يواجه مشروع الموازنة عدد من المعوقات تتمثّل في عدّة نقاط على رأسها:

أولاً : دور المصارف في عملية الإنقاذ، فهناك طروحات بأن تعمد المصارف إلى الاكتتاب بسندات خزينة جديدة بفائدة مُنخفضة وهنا تبرز مُشكلة التزام المصارف بهذا الأمر واستحالة إلزامها قانونيًا نظرًا إلى طبيعة الاقتصاد الحر للاقتصاد اللبناني. كما وأن هناك انقسامًا على اقتراح إعفاء المصارف من الضريبة على الفوائد على الحسابات المصرفية (أي رفعها من 7% إلى 10%)؛

ثانياً : الانقسام حول الإجراءات المُقترحة لخفض رواتب العسكريين والمُتعاقدين منهم وخصوصًا التدبير رقم 3 كما والمنح. ويدور النقاش حاليا حول خفض هذه المُستحقات من دون المساس بمعنويات الجيش؛

ثالثا : خفض التقديمات والتعويضات للقطاع العام بنسبة 15% مع الخلاف على عتبة الإقتطاع (1,5، 2 أو 3 مليون ليرة لبنانية)، هذا الأمر يُشكّل مع رواتب العسكريين النقاط الأكثر حساسية للطبقة السياسية نظرًا إلى التداعيات التي قد تنتج من دعسة ناقصة في هذا الإطار؛

رابعًا : فرض ضريبة إضافية على سعر صفيحة البنزين اذ تتراوح الطروحات بين 3000 و5000 ل.ل على كل صفيحة. هذا الإجراء غير الشعبي يُشكّل نقطة خلاف بين الأطراف نظرًا إلى أن التداعيات على الأسعار ستكون فورية ومع ارتفاع أسعار النفط عالميًا، سيكون الشارع مسرحًا لتحركات شعبية؛

خامسًا : الضريبة على القيمة المضافة وجدوى رفعها إلى 15% نظرًا إلى أن تجربة موازانات العام 2017 و2018 لم تعط النتائج المرجوة بسبب ارتفاع التهرّب الضريبي ناهيك بالتدعيات على النمو الاقتصادي وعلى القدرة الشرائية للمواطن؛

سادسًا : اقتراح وزير المال علي حسن خليل بخفض رواتب النواب والوزراء ذلك أن هناك انقسامًا حادًا بين القوى السياسية على هذه النقطة بحكم أن بعض النواب والوزراء يعتاشون حصريًا من أجورهم من الدوّلة.

في جميع الأحوال، هذه المعوقات تُظهر أن الاقتراحات التي تقدّم بها الوزير على حسن خليل والتي تؤمّن (على الورق) 1,5 مليار دولار أميركي، والاقتراحات التي تمّ نسبها إلى رئيس الحكومة سعد الحريري لا تكفي لخفض العجز إلى المُستوى المطلوب وبالتالي هناك مساهمة إلزامية من قبل المواطنين.

المُشكلة الفعلية التي تواجهها الحكومة في الموازنة هي بمقاربتها المالية البحتة لهذه الموازنة مع تفادي مُكافحة الفساد، وهذه المقاربة ستُضّعف النتائج المرجوة من الموازنة. فمُشكلة الأملاك البحرية والنهرية لم يتمّ طرحها وهي التي تُعتبر مصدراً مُهمّاً للخزينة العامة في حال تمّت تسوية هذه المخالفات مع توقّعات بالوصول إلى حدود المليار دولار أميركي سنويًا (5 مليون مترّ مربّع مع مُعدّل أجر سنوي بقيمة 200 دولار أميركي). أيضًا لم يتمّ التداول في إعادة فرض رسوم جمركية على البضائع المُستوردة والتي لها مثيل في لبنان وهنا يؤدي الفساد دورًا كبيرًا لأن التُجّار المُستفيدين من عملية الاستيراد أعدادهم ضئيلة. و يتراوح المبلغ المُتوقّع من عملية إعادة فرض رسوم جمركية (خصوصًا من أوروبا والدول العربية) بين 500 مليون و1 مليار دولار أميركي.

أيضًا لم يتمّ التحدّث عن معالجة فعلية للتهريب الجمّركي إن في المرافئ (بيروت وطرابلس) أو على الحدود البرية. كما أن الـ «Misinvoicing» (التسعير الخاطئ) للبضائع المُستوّردة والذي يُقدّر بأرقام خيالية له تداعيات كارثية على مدّخول الدوّلة اللبنانية، فبحسب الحسابات التي قمّنا بها تبلغ قيمة التدفقات المالية غير المشروعة بين العامين 2004 و2012 ما يقارب الـ 20 مليار دولار أميركي (خسارة على الخزينة العامّة وعلى الاقتصاد اللبناني). الجدير ذكره أن التدفقات المالية غير المشروعة التي تشمل تسعيراً خاطئاً للسلع المُستوّردة، تحرّكات نقدية كبيرة مشبوهة، وتهريب بضائع من دون دفع الرسوم الجمركية أو بضائع ممنوع التجارة بها، لا تظّهر في الحسابات الوطنية ولا في ميزان المدّفوعات. ومُعالجة مُشكلة التدفقات غير المشروعة لا تتمّ إلا من خلال رفع السريّة المصرفية اقلّه لمصلحة السلطات الرقابية مثل هيئة مكافحة الفساد المنصوص عليها في شروط مؤتمر سيدر.

أيضًا لم يتمّ الحديث عن محاربة التخمين العقاري ولا عن المُستحقات للدوّلة من ضرائب ورسوم وفواتير لدى المواطنين والمُقدّرة بأكثر من 4 مليار دولار أميركي والتي لم يتمّ دفعها. أيضًا لم يتمّ الحديث عن المُناقصات العمومية التي تشوبها العديد من الشبهات، مع العلم أن تحسين وزيادة الشفافية في المناقصات العمومية هي مطلب من مطالب مؤتمر سيدر.

مقاربة الحكومة للموازنة هي مقاربة مالية بحتة إذ انها لم تُدخل إليها إصلاحات إلا من باب زيادة الإيرادات وخفض الإنفاق (وهذا يُسمّى إصلاحاً في اللغة المالية) في حين أن المطلوب هو مقاربة اقتصادية إصلاحية. بمعنى آخر هناك مُشكلة في الـ «Business Model» (أو نموذج العمل) المُتبع في المالية العامّة، وبالتالي يتمّ جلب الإيرادات بشكل خاطئ وصرف المال في المكان غير المُناسب. على هذا الصعيد يجب أن تكون للحكومة الجرأة لمعالجة النقاط الآنفة الذكر أعلاه والتوجّه إلى دعم الاستثمارات، ذلك ان مداخيل الخزينة الحقيقية من خلال الضرائب على النشاط الاقتصادي هي المصدر الصحيح لمداخيل الخزينة ومحاربة الفساد حيث الإنفاق الخاطئ بدل البحث عن أموال المصارف ومُستحقات الموظّفين لتمويل الخزينة. ما سبق لا يدّخل في خانة اتهام الحكومة، إنما هو دعوة لها للقيام بخطوات جريئة على صعيد محاربة الفساد ودعم القطاعات الإنتاجية تحت طائلة ثورة شعبية لأن إقرار موازنة شبيهة بموازنة 2018 سيعطي النتائج نفسها.

استحقاقات الدوّلة اللبنانية من اليوروبوند لهذا العام هي 4,76 مليار دولار أميركي منها: 1.07 مليار د.أ. في أيار، 90 مليون د.أ. في حزيران، 90 مليون د.أ. في تشرين الأول، 2,07 مليار د.أ في تشرين الثاني، و20 مليون د.أ كانون الأول (انظر إلى الرسم البياني).

تمويل هذه الاستحقاقات مؤمّن، وبالتالي لا مخاوف على الإطلاق لهذا العام نظرًا إلى التزام مصرف لبنان تجاه الدوّلة اللبنانية والذي عبّر عنه حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في أكثر من مرّة. وحتّى في العام 2020، لا يُوجد مخاوف فعلية نظرًا إلى أن المُستحقات المالية من اليوروبوند تبلغ 1,96 مليار د.أ. (مع فرضية أن لا ديون إضافية).

الليرة من جهتها مُحصّنة باحتياط من العملات الأجنبية والذهب، ولكن أيضًا بإجراءات نقدية مثل سعر الفائدة وإجراءات إحترازية مثل منع المضاربة التي يُعاقب عليها المُخالفون من قبل مصرف لبنان. على هذا الصعيد، ما يلجأ إليه بعض محال الصيرفة من أسعار للدولار مقابل الليرة اللبنانية خارج الهامش الرسمي هو مخُالف للقانون ويعاقب عليه مصرف لبنان من خلال سحب الرخصة.

إلا أن المخاوف هي في عجز الموازنة الذي يجب لجمه لأن حجمه وصل إلى مستويات يتحوّل معها هذا العجز إلى دين عام بحكم عدم قدرة النمو الاقتصادي على امتصاص هذا العجز. وبالتالي هناك إلزامية لاجراءات تقشفية ولكن في الوقت نفسه إجراءات لتحفيز النمو الاقتصادي لأن في تكبير حجم الاقتصاد زيادة تلقائية لمداخيل الدوّلة. من هنا نرى أن إدخال أموال سيدر إلى الماكينة الاقتصادية له مفعول إيجابي، من هنا التوّتر لدى الطبقة السياسية لإنجاز الموازنة في أسرع وقت.

Print Friendly, PDF & Email
مصدر الديار الجريدة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More