بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

مكاتب الصيرفة تُخالف القانون ووزارة الإقتصاد مدعوة إلى قمعّ المخالفات عملًا بالمرسوم 73/83

المصارف اللبنانية تحترم الهامش الرسمي لمصرف لبنان وإضراب أصحاب المحطات مرفوض | خلفيات سياسية ومطامع مالية وراء "أزّمة الدولار" المفتعلة وآن الآوان لحصرية التعامل بالليرة

الديار | بروفسور جاسم عجاقة

لا أزمة دولار في السوق اللبناني، وكل قول عكس ذلك يعني جهل تركيبة السوق. نعم هناك مكاتب صيرفة ومكاتب تحويل أمّوال تُصرّف الدولار على 1560 ليرة لبنانية. وهذا مُخالف للقانون وخصوصًا المرسوم الإشتراعي رقم 73 تاريخ 9/9/1983 والذي ينصّ في مادته 27 على أن كل من يرفع سعر بيع السلع والمواد والحاصلات المنتجة محليًا او المستوردة دون مبرر مشروع يُعاقب بدفع غرامة بنسبة 200 مرّة الحدّ الأدنى والحدّ الأقصى بموجب القانون رقم 72/91 وبالسجن من خمسة أيام إلى شهر.

أيضًا نصّت المادة 16 من المرسوم نفس على “يرتكب جرم المضاربة غير المشروعة، كل من سبب أو حاول ان يسبب إرتفاعًا او هبوطًا مصطنعًا في أسعار المواد والسلع والحاصلات او غيرها، أو في المستندات أو الأسهم العامة أو الخاصة بإتيانه بنفسه او بالواسطة إذاعة أخبار كاذبة أو غير صحيحة بين الجمهور، وعرض بضاعة في السوق لتشويش الأسعار او إغراء البائعين بأرباح تزيد على الارباح القانونية او القيام بأية وسيلة او طريقة أخرى غير مشروعة للغاية ذاتها”. ويعاقب بـ 200 مرّة الحدّ الأدنى والحدّ الأقصى بموجب القانون رقم 72/91 وبالسجن من خمسة أيام إلى شهر كل من يُخالف هذه المادة. وتزاد بنسبة عشر مرات الحدود الدنيا والقصوى للغرامات بموجب القانون رقم 490 ت 15/2/96 وبالسجن من عشرة أيام الى ثلاثة أشهر او بإحدى هاتين العقوبتين، وعند التكرار تضاعف العقوبة.

إن مكاتب الصيرفة ومكاتب تحويل الأموال تُخالف المرسوم الإشتراعي 73/83 عبر بيعها الدولار الأميركي بأسعار غير مبرّرة كما وبثّ إشاعات كاذبة في الأسواق والقول أن لا دولارات في السوق. وبالتالي، فإن وزارة الإقتصاد والتجارة مدّعوة إلى تحمّل مسؤوليتها التي فرضها عليها المرسوم الإشتراعي 73/83 وملاحقة المخالفين وسوقهم أمام القضاء.

∎ حجم تداول مكاتب الصيرفة ومكاتب التحويل ضئيل ∎

على صعيد سوق القطع، يبقى الحجم الأكبر من التحاويل بين الليرة اللبنانية والدولار الأميركي (أو أي عمّلة أخرى) محصور بين المصارف التجارية (أكثر من 90%) حيث تُثبت البيانات التاريخية أن تداول الدولار مقابل الليرة اللبنانية يبقى داخل الهامش الرسمي الذي يفرضه مصرف لبنان على المصارف التجارية. والمُلاحظ من هذه البيانات أنه بعد تشكيل الحكومة إنخفض مُعدّل سعر صرف الليرة مقابل الدولار ليصل إلى السعر الوسطي الرسمي أي 1507.5 ليرة لبنانية لكل دولار أميركي. إلا أن التخبّط السياسي الذي واكب مناقشة مشروع موازنة العام 2019 وأحداث قبرشمون رفع هذا المعدّل الوسطس إلى 1513 لكنه بقي داخل الهامش الرسمي المُحدّد من قبل مصرف لبنان.

ما يقوم به بعض مكاتب الصيرفة ومكاتب تحويل الأموال هو الإستفادة من الشائعات التي يبثها البعض وتُشارك فيها هذه المكاتب لتحقيق مكاسب غير شرعية. فمثلًا، إذا كان باع مكتب صيرفة مليون دولار أميركي مع فارق 30 ليرة عن سعر السوق، فإنه يُحقّق 30 مليون ليرة لبنانية في يوم واحد!!! وهذا الأمر غير مقبول حتى ولو كنّا في إقتصاد حرّ.

من جهة أخرى يرتكب مكاتب الصيرفة ومكاتب تحويل الأموال مخالفة لنص المادتين 319 و320 من قانون العقوبات التي تُجرّم كل من يشهّر بالعملة الوطنية عبر بث إشاعات كاذبة. وهذا ما تقوم به هذه المكاتب!

تنص المادة 319 من قانون العقوبات والمُعدّلة بالقانون 239/93 على “من أذاع بإحدى الوسائل المذكورة في الفقرتين الثانية والثالثة من المادة الـ 209 وقائع مُلفقة أو مزاعم كاذبة لإحداث التدني في أوراق النقد الوطنية او لزعزعة الثقة في متانة نقد الدولة وسنداتها وجميع الأسناد ذات العلاقة بالثقة المالية العامة يُعاقب بالحبس من ستة اشهر الى ثلاث سنوات وبالغرامة من خمسماية ألف ليرة الى مليوني ليرة، ويمكن فضلًا عن ذلك أن يقضى بنشر الحكم”.

كما تنص المادّة 320 من قانون العقوبات على “يستحق العقوبات نفسها كل شخص تذرع بالوسائل عينها لحض الجمهور: إما على سحب الأموال المودعة في المصارف والصناديق العامة، أو على بيع سندات الدولة وغيرها من السندات العامة أو على الامساك عن شرائها”.
من هذا المُنطلق ندعو الحكومة إلى ملاحقة مكاتب الصيرفة ومكاتب تحويل الأموال المخالفة عملًا بهاتين المادتين.

∎ خلفيات سياسية ∎

من الواضح أن هناك خلفيات سياسية وراء هذا الكمّ الهائل من الإشاعات التي تطال وضع المالية العامّة ووضع الليرة اللبنانية. وكل ما يُقال عن الليرة هو إنهيار سعر صرف الليرة هو غير صحيح لأن لا أسس علمية وراء هذه الأقاويل ولو أن هذا الأمر صحيح لكانت الليرة إنهارت منذ زمن بعيد.

هناك عدّة إستهدافات سياسية تقف خلف هذه الإشاعات منها ما يهدف إلى بث الذعر بعدما إستطاع الرئيس ميشال عون فرض الإستقرار الأمني ويتطلّع إلى فرض الإستقرار الإقتصادي والمالي، ومنها ما يستهدف شخص حاكم مصرف لبنان نظرًا لموقعه ومستقبله السياسي. ومنها ما هو إقليمي عبر ضرب الكيان اللبناني من خلال النقطة الأكثر حساسية فيه – أي الليرة اللبنانية.

لا قدّرة لأي مضارب مهما كان حجمه المالي أن يكسر الليرة اللبنانية. وحده الشعب اللبناني قادر على هذا الأمر من خلال تحويل كل ما يمّلك من أموال بالليرة اللبنانية إلى الدولار الأميركي. ونحن نعلم أن الدولارات التي يمتلكها مصرف لبنان تُغطّي 80% من حجم الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية. فهل هذا ما يُريده اللبناني؟ هل يُريد إنهيار عملته عبر الإنجرار وراء إشاعات كاذبة ومُضلّلة؟

بالطبع ما نقوله لا يعني أننا لسنا في قلب عاصفة مالية سببها حاجة الدوّلة إلى العملة الصعبة لدفع مستحقاتها بالدولار الأميركي. إلا أن الإنجرار وراء الشائعات سيدفع باللبناني إلى القضاء على عملته. وهذا الأمر ليس بخاصة لبنانية، فلو أراد كل الأميركيين تحويل دولاراتهم إلى أي عملة أخرى لإنهارت الولايات المُتحدة الأميركية.

∎ المصارف، الدولار والتجّار ∎

لا يُمكن للمصارف اللبنانية منع الدولارات عن أي تاجريحتاج دولارات لإستيراد بضائع من الخارج وعكس ذلك يُعتبر مخالفة لقدسية الملكية الخاصة. إلا أنه في الوقت نفسه لا نعلم ما هو تبرير أن يطلب تاجر مبلغ 100 ألف دولار نقدًا من المصرف! ما هي الأسباب ولماذا يريدها نقدًا. هل هي للتخزين في خزنته الخاصة؟

على هذا الصعيد، نقدّر أن هناك ما يُقارب الـ 2.5 مليار دولار أميركي من الدولارات تمّ سحبها من المصارف وتخزيتها في المنازل من قبل المواطنين والتجّار! وإذا كنّا نتفهّم مخاوف المواطنين من الأجواء السلبية التي تبثّها السلطة السياسية نتيجة الخلافات ونتيجة تقاعصها عن القيام بإصلاحات مالية وإقتصادية ومحاربة للفساد، إلا أننا لا نتفهّم هذا التخزين للدولارات في الخزانات الخاصة لأن المصارف اللبنانية لها القدّرة على تلبية كل طلبات الموديعين نظرًا إلى الملاءة العالية التي تتمتّع بها ونظرًا إلى التعاميم التي يفرضها رياض سلامة على هذا المصارف من ناحية سلامة وآمان الودائع.

∎ إضراب مرفوض ∎

من جهة أخرى، أعلنت نقابتا أصحاب المحطات والصهاريج وتجمع شركات توزيع المحروقات عن إضراب عام نهار 29 الجاري والتوقّف عن العمل في حال عدم السعي الجدي لمعالجة أزمة البيع بالليرة والدفع بالدولار الأميركي في مهلة أقصاها أسبوع. هذا الإضراب غير مقبول ومرفوض نظرًا للضرر الذي يُشكّله على المواطنين وعلى التجّار ونضعه في خانة الإبتزاز.

لا أزمة محروقات لأن محروقاتنا مدفوعة بشكلٍ طبيعي ولا يوجد أي اشكاليّة في هذا الخصوص، والصرخة التي يرفعها أصحاب المحطات والصهاريج وشركات توزيع المحروقات هي صرخة مُحقّة. إلا أن حلّها لا يكون بالإضراب بل بقيام السلطات اللبنانية بواجبها ومعاقبة المخالفين من التجّار الذي يقومون بإبتزاز أصحاب المحطات والصهاريج وشركات توزيع المحروقات الذي يُعتبرون وسيط بين المواطنين والشركات المُستوردة للمحروقات.

∎ حصرية إستخدام الليرة اللبنانية ∎

من كل ما تقدّم، نرى أن الآوان آن لقانون يُعطية حصرية لليرة اللبنانية في التعاملات التجارية الداخلية رأفة بالمواطن والتاجر والإقتصاد اللبناني في آن واحد. ونعتقد أن من يُعارض مثل هذا القانون هو شخص مُستفيد من الفوضى التي تعمّ جراء عدم تطبيق القوانين. ونرى أن من يُحقّق أرباحًا نتيجة عملية القطع هو مخالف للقانون لأن تجارة العملة تتمّ في الأسواق المالية وليس في الماكينة الإقتصادية.

يبقى القول أن عدم تطبيق القوانين كل القوانين بدون إستثناء وبحذافيرها، لن يكون هناك مؤسسات قوية وسيبقى المواطن رهينة الشائعات والمخاوف من المُستقبل. لا تبنى الأوطان بهذه الطريقة!

Print Friendly, PDF & Email
مصدر الجريدة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More