بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

مشروع موازنة العام 2019 تحت امتحان الشعبوية… العجز سيتخطّى مشروع الحكومة

الديار | بروفسور جاسم عجاقة

تستأنف لجنة المال والموازنة دراسة مشروع موازنة العام 2019 بعد أسبوع ناشط سجّل 8 جلسات مع إلغاء جلسة البارحة. وتقوم اللجنة بـ «تشريح» الموازنة بندًا بندًا ممارسة بذلك حقها الدستوري. وهذا الحق كان ليكون في مكانه لو لم تكن الحكومة التي وضعت مشروع الموازنة صورة عن المجلس النيابي.

الأصوات التي تعلو من قبل بعض النواب وحتى الكتل النيابية والتي تُنادي بإلغاء مواد من مشروع الموازنة وتعديل بعضها، يُمكن وضعها في خانة «الشعبوية» بحكم أن المسّ بهذه المواد (بغضّ النظر عما إذا كانت مُحقّة أو لا) يعني ضرب مشروع الموازنة الذي قدّمته الحكومة والذي استطاع خفض العجز إلى 7.59%.

عمل اللجنة رديف لعمل وزارة المال

قولنا هذا نابع من أن المنهجية المُتبعة لدراسة مشروع الموازنة هي منهجية لها بعدان: الأول شعبوي والثاني حسابي. وكل تعديل (أو إلغاء) لمادة يتمّ القيام به، تقابله عملية حسابية فقط من دون إعادة تقييم للتداعيات الاقتصادية ككل من خلال نموذج اقتصادي (Macroeconometric model) .

الموازنة هي ترجمة للسياسة الاقتصادية للحكومة اللبنانية والتي يوافق عليها أو يرفضها المجلس النيابي. فهل يحقّ للجنة المال والموازنة الدخول في البنود بندًا بندًا كما تقوم به الأن؟ قانونيًا ودستوريًا هذا الأمر مُجاز، لكن بحسب النظرية الاقتصادية لا يحق للجنة المال والموازنة ولا حتى المجلس النيابي كسر الرؤية الاقتصادية والرؤية المالية للحكومة وتقسيمها إلى أجزاء. فإما تكون هناك موافقة على السياسة الاقتصادية والإجتماعية أو لا.

ما تقوم به لجنة المال والموازنة هو عمل مواز لما تقوم به وزارة المال (من ناحية مشروع الموازنة). وبالتالي لماذا القيام بهذا العمل مرّتين؟ هل تتحمّل اللجنة المسؤولية القانونية إذا ما تمّ تسجيل عجز في نهاية العام؟ هل تأخذ لجنة المال والموازنة بعين الاعتبار الانتظام المالي للدوّلة اللبنانية بأبعاده الثلاثة : عجز الموازنة، الدين العام، والميزان الأوّلي؟

ما يُمكن إستنتاجه من عمل اللجّنة أن التوجّه هو نحو إلغاء البنود التي تؤدّي إلى ردّات فعل اجتماعية مما سيزيد عجز الموازنة وتعويض هذا الأخير من خلال الاستدانة من مصرف لبنان بفوائد منخفضة.

وهنا يجب معرفة أن الأبعاد الثلاثة للانتظام المالي للدوّلة أي عجز الموازنة، الدين العام، والميزان الأوّلي هي أبعاد مترابطة فيما بينها. وبالتالي وفي ظلّ غياب إجراءات تشمل الأبعاد الثلاثة بالتوازي، كل خفض في العجزّ سيُترّجم برفع الدين العام وضرب الميزان الأوّلي. الجدير ذكره أن مشروع موازنة العام 2019 خفّض الإنفاق العام بـ 640 مليون دولار أميركي من 17.72 مليار دولار أميركي في العام 2018 إلى 17.08 مليار دولار أميركي في مشروع موازنة العام 2019. لذا نرى أن الخفض في العجز والبالغ 2.24 مليار دولار أميركي آت من رفع الإيرادات بالدرجة الأولى (1.6 مليار دولار أميركي) والباقي من خفض الإنفاق (640 مليون دولار أميركي).

البنود المُدرجة في مشروع موازنة العام 2019 هي بنود لها أبعاد قانونية ومالية وإدارية، وهناك بعض البنود التي لها بعد اقتصادي مثل رسم الـ 2% على الاستيراد، وتحفيز العمالة اللبنانية.

الإنتقادات التي توُجّه للحكومة حول فرسان الموازنة أي البنود التي لا علاقة لها بالموازنة هي انتقادات مُحقّة. لكن أليس الأجدى سؤال الحكومة عن سياستها الاقتصادية في الموازنة؟ وما هي خطّتها للجم الدين العام؟

عرّفت المادّة الثالثة من قانون المحاسبة العمومية الموازنة على أنها صكّ تشريعي تُقدّر فيه نفقات الدوّلة ووارداتها عن سنة مُقبلة مع إجازة الجباية والإنفاق. لذا لا شيء يمنع من فصل فرسان الموازنة عن قانون الموازنة وإقرارها بقوانين خاصة ولجنة المال والموازنة هي الأكثر أهلية للقيام بذلك.

في الواقع إن أخذ شهر لإقرار مشروع الموازنة في لجنة المال والموازنة (على الرغم من الأحقيّة الدستورية) يُكبّد الاقتصاد والمالية العامّة خسائر جمّة:

أولا ـ اقتصاديا، الاستثمارات شبه معدومة والكل بانتظار صعود الدخان الأبيض من المجلس النيابي لمعرفة مصير أموال مؤتمر سيدر. هذا الواقع مع السياسة التي بدأت المصارف باعتمادها والتي تنصّ على رفع المديونية (أي خفض القروض للقطاع الخاص) سيؤدّي إلى نتائج اقتصادية كارثية ستُترّجم بنمو صفر أو حتى انكماش في الاقتصاد. أليس الأجدى الاسراع في إقرار الموازنة والبدء بالاستفادة من أموال سيدر لننعمّ بنهوض اقتصادي كما استطعنا التنعمّ بالاستقرار الأمني والثبات السياسي منذ وصول فخامة الرئيس ميشال عون إلى سدّة الرئاسة؟

ثانيا ـ إن التأخير في إقرار الموازنة يزيد من تشكيك وكالات التصنيف الائتماني باحترام لبنان للعجز المتوقّع في مشروع موازنة العام 2019. وتوقّعت هذه الوكالات عجزا بين 9% (فيتش) و10% (ستاندرد أند بورز) مبررة ذلك بالتأخير في إقرار الموازنة. وهذا الأمر ينعكس سلبا على سندات الخزينة بالدولار الأميركي أو اليوروبوندز من خلال انخفاض سعر هذه السندات وارتفاع كلفة التأمين عليها كما تُظهره بيانات وكالة بلومبرغ عن سندات الخزينة.

السيناريو الكارثي الذي يُمكن أن يحصل في نهاية العام هو أن يكون العجز المُحقّق على الأرض أكثر من 9% مما يعني أن العام 2020 سيكون كارثياً اجتماعيا بسبب السياسات التقشفية التي سيتمّ اتباعها، ماليا بسبب تراكم الدين العام، ونقديا بسبب تحميل مصرف لبنان قسماً من عجز الموازنة. وبالتالي سيكون الوضع الاقتصادي والاجتماعي والمالي صعباً وليس من السهل الخروج منه.

التخلّي عن سيدر

كنا قدّ ذكرنا في مقالتنا في جريدة «الديار» بتاريخ 1 حزيران 2019، أن مصادر وزارية أشارت إلى أن هناك توجّهاً إلى التخلّي عن مؤتمر سيدر بسبب صعوبة الالتزام بشروطه، وأن الحكومة ستعمد إلى استبدال تمويل مؤتمر سيدر بتمويل من البنك الدولي.

هذا الأمر بدأت ملامحه بالظهور مع تجديد البنك الدولي تعهده بتمويل لعدد من القطاعات في لبنان. وإذا كانت التصريحات تقول إن هذا التعهّد هو ضمن تعهدات مؤتمر سيدر، إلا أن بعض الأوساط تؤكّد على استعداد البنك الدولي للتمويل من خارج مؤتمر سيدر. ويشمل هذا التمويل الكهرباء بالدرجة الأولى إضافة إلى قطاع الصحّة والتربية وبعض البنى التحتية.

مشاكل تعترض الحكومة

المعلومات المتوافرة تُشير إلى أن هناك صعوبات تعترض اجتماع الحكومة الثلاثاء وحتى في حال اجتمعت فإن هذه الصعوبات ستنعكس على إنتاجيتها. فالملفات الإقليمية (بالدرجة الأولى) والمحليّة (التجاذبات السياسية) تُلقي بثقلها على اجتماعات الحكومة حتى قبل انعقادها.

صراع الصلاحيات بين التيّارين الأزرق والبرتقالي لم يهدأ حتى ولو أن اللقاء الذي جمع فخامة رئيس الجمهورية ودولة رئيس الحكومة خفف من حدّتها. وصراع التعيينات بين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحرّ إلى المواجهة المفتوحة وقد تكون أولى جولاتها الأسبوع المقبل.

لكن الصراع التقليدي 8-14 أذار لا يقلّ أهمّية عن الصراعات الأخرى خصوصا بعد مواقف الرئيس الحريري في قمّة مكّة المكرّمة وامتعاض حزب الله من هذه المواقف مُذكّرا بمبدأ النأي بالنفس الذي أقرّته الحكومة في بيانها الوزاري. هذا الصراع التقليدي له جبهة أخرى هي ملف النازحين السوريين حيث ان المواجهة بين الحزب التقدمي الاشتراكي والتيار الوطني الحرّ ستكون حامية في مجلس الوزراء عند طرح هذا الموضوع.

ولا يُمكن بالطبع نسيان مشروع قانون الانتخابات النيابية الذي أطلقه رئيس مجلس النواب والذي يُعيد فتح باب المواجهة بين التيار الوطني الحرّ وحركة أمل.

أمّا على صعيد الملفات الإقليمية، فلا شكّ في أن التصعيد الأميركي ـ الإيراني الأخير سينعكس على جلسات مجلس الوزراء وسيُعقّد الأمور بين 8 و14 أذار مما قدّ يؤثّر في مسار الملفات الأخرى وخصوصا مشروع الموازنة، وبالتحديد قطع الحساب.

على كلٍ يُمكن القول إن كل هذه المؤشرات ستُقلّل من فعّالية العمل الحكومي المُنتظر خصوصًا على الصعيد الاقتصادي والمالي وما تنتظره الأسواق من خطّة اقتصادية والبدء بمشاريع مؤتمر سيدر.

ترسيم الحدود وملف النازحين

على صعيد الوساطة الأميركية لترسيم الحدود البرّية والبحرية بين لبنان وإسرائيل، زار المبعوث الأميركي ديفيد ساترفيلد بيروت حيث التقى عددا من المسؤولين اللبنانيين وعلى رأسهم الرئيس نبيه برّي. وبحسب المعلومات الصادرة عن الاجتماع، فإن الأجواء ليست إيجابية وهناك مراوحة في المواقف دفعت بالبعض إلى القول إن هناك تأجيلاً لهذه الوساطة إلى ما بعد الانتخابات الأميركية خصوصًا أن ساترفيلد سيُعيّن قريبا سفيرا للولايات المتحدة الأميركية في تركيا.

أما في ما يخص ملف النازحين فتنتظر بيروت زيارة وفد روسي لبحث موضع إعادة النازحين السوريين إلى سوريا ضمن إطار المبادرة الروسية. وتتردّد معلومات عن أن الوفد الروسي قد يطرح أيضا ملف ترسيم الحدود البرية والبحرية بين لبنان وسوريا خصوصا أن شركات روسيّة تعمل على التنقيب عن النفط في المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لسوريا على حدود لبنان البحرية. وهذا الملف سيكون على جدول أعمال مجلس الوزراء في أول جلسة له لإعطاء الضوء الأخضر.

Print Friendly, PDF & Email
مصدر الديار الجريدة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More