بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

مشروع الموازنة مالي بإمتياز والإصلاحات خجولة

عجز الموازنة في مشروع 2019 لن يكون أقلّ من عجز الـ 2018

الديار | بروفسور جاسم عجاقة

وكان وزير الدفاع الياس بو صعب رفض طرح الوزير علي حسن خليل من دون تسميته في ما يخصّ التدبير رقم 3، ونقل عن لسان رئيس الجمّهورية أنه لن يكون هناك مساس بمعنويات الجيش. من جهته صرّح الوزير علي حسن خليل أن الكلام عن استهداف للجيش لا أساس له من الصحة وأي قارئ للموازنة يرى أنّها زادت في بعض التقديمات والتخفيض الذي حصل هو جزء من التخفيض العام في الدولة مثل المحروقات وغيرها.

حكوميًا، بحثت الحكومة في أول جلسة لها البارحة بعد الأعياد ملف الموازنة وتمّ الاتفاق على تكثيف الإجتماعات هذا الأسبوع بجلسات يومية حتى نهار السبت على أن تبدأ هذه الجلسات اليوم في السراي الحكومي. وصرّح وزير المال عقب هذه الجلسة «أننا انتقلنا من النقاش العام اليوم إلى النقاش التفصيلي الذي تم الاتفاق على أن يبدأ غداً في اجتماع يُعقد في السراي وتتوالى الاجتماعات من الاربعاء حتّى السبت أو الأحد لإنجاز الموازنة سريعاً». وأضاف «نسعى لتخفيض نسبة العجز بالنسبة إلى الناتج المحلي وهذا ما اتفقنا عليه وتحت سقف هذا الموضوع كلّ نقاش مسموح، وأن الكثير مما تناولته وسائل الإعلام لم يكن مبنياً على حقيقة ما ورد في الموازنة».

مشروع الموازنة المطروح في الإعلام (136 صفحة) هو مُلخّص عن مشروع الموازنة الحقيقي (أكثر من 1100 صفحة) والذي من الظاهر أن أحدًا لا يمتلكه إلا العدد القليل. بالطبع لا نعرف الأسباب مع العلم أن إحدى مُتطلّبات مؤتمر سيدر فيما يخصّ الحوكمة المالية هو وضع آلية شفّافة وفعّالة للموازنات العامّة.

في المضمون أتى مشروع الموازنة العامّة ليُظهر ضعف الإصلاحات الخجولة ولكن في الوقت نفسه «المُهمّة» لأنها تُشكّل بداية للبدء بإصلاحات جدّية. فمُعظم الإصلاحات التي طُرحّت حدّت من إستفادة العاملين في الدوّلة بما فيهم الوزراء والنواب والمُتعاقدين كما وإلغاء العديد من الإعفاءات الجمركية وغيرها من النقاط.

الإصلاحات الأساسية الغائبة عن مشروع الموازنة تتمثّل بعدد من الإجراءات التي كان من الواجب ضمّها إلى الموازنة وعلى رأسها:

أولاً- إعادة فرض رسوم جمّركية على البضائع المُستوردة من الخارج والتي لها مثيل في لبنان. هذا الإجراء له فوائد إقتصادية ومالية من ناحية أنه يُشكّل إصلاحاَ إقتصادياً بإمتياز يسمح بمعالجة عجز الميزان التجاري. فحجم الإستيراد الخارجي فاق العشرين مليار دولار أميركي العام الماضي مقارنة ببضعة مليارات من التصدير. هذا الأمر يُشكّل ضررًا كبيرًا على تصنيف لبنان الإئتماني وعلى الليرة اللبنانية وبالتالي يأتي فرض الرسوم ليُغيّر في هذا الواقع من خلال حماية البضائع اللبنانية، والدفع بإتجاه تعزيز الشركات اللبنانية وإستثماراتها كما وتعّزيز فرص العمل ويُقلّل من خروج العملات الصعبة من لبنان. أيضًا يؤمّن هذا الإجراء مدخولا للدوّلة اللبنانية يتراوح بين 100 و300 مليون دولار أميركي شهريًا بحسب نسبة الرسوم التي قد تُفرض.

ثانيًا – لم يلحظ مشروع الموازنة أي ذكر للأملاك البحرية والنهرية وسكك الحديد مع العلم أن هذه النقطة هي نقطة أساسية في موضوع مداخيل الدوّلة اللبنانية. فوجود خمسة مليون متر مربّع من الأملاك البحرية بمدخول لا يزيد عن الـ 150 مليار ليرة (بحسب تصريح وزير المال)، يفرض معالجة هذا الملف الذي يُمثّل رمزًا من رموز السيادة المالية للدوّلة اللبنانية حيث يتمّ العبث بهذا الكمّ الهائل من الأمتار من دون مداخيل تُذكر لخزينة الدوّلة.

ثالثًا – على صعيد التهرّب الضريبي، لحظ مشروع الموازنة تقديم تحفيزات من خلال خفض الغرامات على كل من يُصرّح خلال ثلاثة أشهر من إقرار القانون وهذه الخطوة هي خطوة جيدة إتبعتها العديد من الدوّل المُتطوّرة لإعادة إدخال المكلّفين إلى حضن الدوّلة وتوسيع قاعدتهم. إلا أن ما ينقصها هو الشقّ الإصلاحي من خلال أخذ إجراءات صارمة مثل رفع السرية المصرفية لصالح هيئة مُختصّة في وزارة المال تكون مهمّتها ملاحقة التهرّب الضريبي في عقر داره وهو المسؤول عن خسائر على الخزينة بقيمة 7.2% من الناتج المحلّي الإجمالي.

رابعًا – على الرغم من إلغاء الإعفاءات الجمركية على العديد من المعفيين وهو أمر جيد بالمطلق لأنه يتناغم أكثر والمساواة أمام القانون، إلا أنه لم يتمّ إيلاء الشق الجمّركي القدر الكافي من الإصلاحات الهيكلية وخصوصًا من خلال تعديل الهيكلية أو ذكر خطّط بهدف ملاحقة التهريب الجمركي على المرفأ، المطار، والحدود البريّة. وهذا الشق له رمزية لدى المواطن اللبناني الذي كان ليرى فيه خطّوة جبّارة من قبل الحكومة على هذا الصعيد، ولكانت الإجراءات التقشّفية على الأجور في القطاع العام مرّت من دون هذا الوابل من الإحتجاجات والإضرابات.

خامسًا – لم يذكر مشروع الموازنة تكليف أو خلقّ أي هيئة لإجراء مسح للقطاع العام بكلّ موارده البشرية والمادّية. وهذا الأمر كان ليكون إجراء إصلاحياً بإمتياز وكانت لتّرحّب به الدول المناحة في مؤتمر سيدر وكان ليُعطي السلطة السياسة المُتمثّلة بالحكومة القدّرة على مُعالجة مُشكلة الأجور في القطاع العام كما ومُشكلة الأصول المادّية وعلى رأسها المباني المُستأجرة وغيرها من الأمور التي تُعتبر إصلاحية بإمتياز ولها تداعيات توفيرية.

سادسًا – لم يلحظ مشروع الموازنة أي خطّة لإدارة الدين العام على السنوات الخمسة أو العشرة القادمة مع العلم أن خدّمة الدين العام أصبحت تُشكّل عبئًا جدّيًا على الخزينة العامّة. هذه الخطّة قوامها إستبدال السندات على الامد القصير بسندات على الامد البعيد مع تقليل الفوائد من خلال إستخدام أدوات معيّنة (مثل الـ«Zero-Coupon») وذلك بهدف إنتظار المداخيل المُرتقبة من قبل من مشاريع سيدر وإستثمارات القطاع الخاص.

هذه الملاحظات لا تهدّف إلى التصويب على مشروع الموازنة الذي نراه بعين إيجابية بل مُحاولة من قبلنا لدفع الحكومة إلى إدخال هذه الإصلاحات على هذا المشروع مما يزيد من مصداقيتها تجاه الرأي العام وخصوصًا الدوّل المناحة ويُعزّز من دقّة تقديرات الواردات والإنفاق في الموازنة.

وبالحديث عن دقّة تقديرات الواردات والإنفاق في الموازنة، قدّرت الحكومة السابقة موازنة العام 2018 بـ 17,7 مليار دولار أميركي (إيرادات = إنفاق) وتوقّعت عجزًا بقيمة 4,8 مليار دولار أميركي. هذا الأخير آت من التخمينات على قدّرة التحصيل للإيرادات في العام السابق (أي 2017) ومدى تخطّي الإنفاق المنصوص عليه في الموازنة والذي من المفروض أن يكون سقف لإنفاق الدوّلة. إلا أن ما تمّ تحقيقه على الأرض هو عجز بقيمة 6,37 مليار دولار أميركي وهذا يطّرح السؤال عن مدّى العجز الذي سيتحقّق في العام 2019 وإذا ما كانت تجربة العام 2018 ستتكرّر في موازنة العام 2019؟

أرقام الإنفاق (وبالتالي الإيرادات) المنصوص عليها في مشروع موازنة العام 2019 خاضعة لشرط أساسي مطلوب في مؤتمر سيدر وهو خفض العجز في الموازنة (أي إيرادات – إنفاق) إلى أقلّ من 9% من الناتج المحلّي الإجمالي. هذا الأمر يعني أن العجز المتوقّع في موازنة العام 2019 يجب أن يكون أقلّ من خمس مليارات دولار أميركي.

إلا أن إستخدام نسب التحصيل في الإيرادات والتخطّي الحاصل في الإنفاق في العام 2018 وتطبيقيهما على مشروع موازنة العام 2019 يعني بكل بساطة أن العجز في موازنة العام 2019 سيكون بحدود الـ 6.5 مليار دولار أميركي أي تخطّي لسقف العجز المطلوب (5 مليار دولار أميركي)!

من هذا المُنطلق، نرى أن هناك ضرورة للأخذ بعين الإعتبار الإصلاحات المنصوص عليها أعلاه بهدف تدعيم المداخيل والحدّ من الإنفاق من دون المساس بحقوق الموظّفين أو فرض ضرائب على الشعب. الجدير ذكره أنه من كل الإجراءات المطروحة في مشروع الموازنة يبقى رفع الضرائب على فوائد الحسابات المصرفية (من 7 إلى 10%) هو الإجراء الأكثر أهمّية إذ سيدرّ على الخزينة ما يوازي 800 مليون دولار أميركي إضافية.

وبالحديث عن الفوائد، نرى أن الخلافات السياسية وتصاريح المسؤولين على وسائل الإعلام تزيد من كلفة خدمة الدين العام كما تُظهره البيانات التاريخية لسندات الخزينة بالدولار الأميركي (اليورو بوند).

فقبل البدء بالحملات الانتخابية للانتخابات النيابية كان معدّل الفوائد على سندات اليورو بوند في الأسواق العالمية يبلغ 7% على سندات الـ 5 سنوات، و8% على سندات الـ 20 سنة. إلا أنه ومع إحتدام الخطاب الإنتخابي إرتفعت هذه الفوائد لتبلغ الـ 8,7% في يوم الإنتخاب وتصلّ إلى الـ 13% على سندات الخمس سنوات قبل تشكيل الحكومة في كانون الثاني 2019!

وعادت الفائدة إلى الإنخفاض بعد تشكيل الحكومة إلى 9,5% لتعاود الإرتفاع مُجدّدًا مع بدء الحديث عن خطّة الكهرباء وتنخفض مع إقرارها. واليوم ومع بدء الحديث عن الموازنة، نرى أن الفائدة عاودت الإرتفاع وستكون قيمتها في الأسواق رهينة الخطاب الشعبوي الذي قد يصدر خلال مناقشة الموازنة في شهر أيار.

يبقى القول إن الحديث عن أي إنهيار في مالية الدوّلة أو الليرة اللبنانية هو حديث خارج إطار الواقع بحكم أن المُعطيات تُشير إلى تأمين تمويل الدوّلة لهذا العام من دون المساس بإحتياط مصرف لبنان من العملات الأجنبية. إلا أنه يتوجّب التنبيه إلى التداعيات السلبية للإشاعات التي تطال المالية العامّة والليرة اللبنانية خصوصًا أنها تُثير الخوف في نفوس أصحاب رؤوس الأموال وتدّفعهم إلى تحويل هذه الأموال إلى الخارج. لذا نرى أن هناك ضرورة قصوى لتطبيق أحكام المادتين 319 و320 من قانون العقوبات والتي تنص على تجّريم كل من يُطلق إشاعات على النقد الوطني، سندات الخزينة والأوراق المالية التي تُصدرها الدولة اللبنانية.

إن التسريع في إقرار مشروع الموازنة هو أمر أكثر من ضروري، إلا أن الأهمّ يبقى وضع بنود إصلاحية فيه تضّمن دقّة الأرقام المُتوقّعة فيه حتى لا نسقط في تجربة العام 2018 التي أقرّت فيها الموازنة في وقت قياسي ولكن للأسف أدّت إلى فقدان السيطرة على عجز الموازنة.

Print Friendly, PDF & Email
مصدر الديار الجريدة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More