بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

مالية لبنان بخير وفاتورة الـ 650 مليون دولار أبرز دليل… ولكن !

موقع لبنان 24 | نوال الأشقر

بالتزامن مع إقرار الموازنة العامة الأكثر تقشّفًا في تاريخ لبنان كما وصّفها الرئيسسعد الحريري، كثُرت فيه التهويلات بشأن الوضعين النقدي والإقتصادي، وذهب البعض إلى حدّ التنبؤ بقرب انهيار الليرة وإفلاس لبنان وتشبيهه باليونان. في هذا التوقيت الدقيق قام لبنان بسداد ديون دولية بقيمة 650 مليون دولار، بعدما قدّم مصرف لبنان التمويل لوزارة المال.

الأمر البديهي الذي يمكن لأيّ شخص أن يفهمه من هذا الإجراء، وبمن فيهم من لا يفقهون شيئًا في عالم المال والإقتصاد، هو أنّ لبنان غيرُ مفلس، وإلّا لما تمكّن من تسديد المستحقّات المتوجبة عليه في موعدها المحدّد، ومن دون أيّ تأخير، بصرف النظر عن قيمة السندات.

في خبر إيفاء السندات الذي أعلنته وكالة “رويترز” قبل حوالي أسبوع ورد فيه “يعدّ سداد هذا المبلغ أمرًا مهمًا، في ضوء تنامي قلق السوق من أزمة تتعلق بالموازنة العامة، قد تعرقل تأمين تمويل جديد”، بحيث ربط الخبر بين سداد الدين والقلق الموجود من قدرة لبنان على تأمين الأموال، من هنا فإنّ سؤالنا عن أهمية تسديد الديون في هذا التوقيت هو سؤال مشروع.

وردًا عليه قال الخبير الإقتصادي البروفسور جاسم عجاقة في اتصال مع “لبنان 24″ إنّ هذا التسديد بمثابة إشارة إيجابية، يدحض أيّ مقولة عن أزمة مالية أو نقدية، ويثبت أنّ ما يشاع من مخاوف عن إفلاس أو إنهيار الليرة اللبنانية ليس في محلّه، بل على العكس من ذلك النقد مستقر، وما يُشاع هو من باب الإستغلال السياسي يُستخدم لتحقيق عدّة إهداف”.

في المقابل لفت عجاقة إلى أنّ لبنان لا يمكن أن يتخلّف عن سداد ديونه وإلّا نواجه الخراب. فالوكالات العالمية تنطلق من هذه الإستحقاقات المالية، لتعرف ما إذا كانت الدول تلتزم بإيفاء مستحقّاتها المالية في مواعيدها المحدّدة. “والفضل يعود إلى الإحتياط الذي يملكه مصرف لبنان. وبالمناسبة نسأل جهابذة السياسة النقدية الذين يتحدثون عن انهيار الليرة، لو لم يكن مصرف لبنان يملك الأموال اللازمة كيف كان له أن يقوم بتسديد ديون عن الدولة؟”.

هل تسديد ديون الدولة من مهام مصرف لبنان؟

يجيب عجاقة “مصرف لبنان لا علاقة له بالدين العام، وقانون النقد والتسليف فصل بشكل واضح بين أموال الدولة وأموال المصرف، فلا سلطة لا من قريب ولا من بعيد لوزير المال على أموال المصرف ولا لحاكم مصرف لبنان على خزينة الدولة. ووزارة المال هي الجهة المولجة بتسديد الدين كونها الجهة التي استدانت، ولكن مصرف لبنان قام بتسديد هذه السندات ودفع الفاتورة، وهي ليست المرة الأولى، بحيث سدّد منذ العام 2018  مستحقّات متوجّبة على الدولة اللبنانية، بلغت قيمتها 2,8 مليار دولار، وبالتالي  فإن المصرف المركزي يقوم بأكثر من مهامه ليساعد الدولة اللبنانية، وأثبت أنّه يملك رؤية للسياسة النقدية. كما أنّ تسديد المستحقّات ينتج عنه خفض للفوائد بطريقة أو بأخرى”.

هذه السندات، يضيف عجاقة، قد يسجلّها مصرف لبنان على أنّها دين، فلديه موازنته، ولكن الخطورة أنّ البلد في مرحلة دقيقة، والإشاعات وإن لم تكن صحيحة فهي تفعل فعلها السلبي في الشارع اللبناني. وأبرز دليل، بحسب عجاقة ، “ما حصل الأسبوع الماضي على أثر شيوع خبر عن أزمة بنزين، تبين أنّها مفتعلة وغير حقيقية، وكل يوم نستفيق على إشاعة جديدة منها إنهيار الليرة، الأمر الذي لن يحصل لأنّ احتياط المصرف المركزي من العملات الأجنبية هو الضمانة لنا كلبنانيين”.

إذن هي معادلة غريبة ولكنّها واقعية، طالما أنّ ديون الدولة بخير وتسدّد في مواعيدها، وطالما أنّنا لم نصل بعد إلى زمن الإنهيار، ولكنّ الخوف من أن تتواصل سياسة “تلبيس طرابيش”، واستسهال الموازنات ووزيادة المديونية وسداد الديون عبر أموال مصرف لبنان واللجوء إلى الحلول المؤقتة،  بمعزل عن الرؤى الإقتصادية والإصلاحات الحقيقية الكفيلة وحدها بمنع أيّ انهيار قريب أو بعيد المدى.

Print Friendly, PDF & Email
مصدر موقع لبنان 24

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More