بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

مئات الاجتماعات والنتيجة واحدة: الوضع الاقتصادي إلى الوراء

الفساد محمي.. وخريف هذا العام محفوف بالمخاطر الاجتماعية

الديار | بروفسور جاسم عجاقة

لم يشهد تاريخ لبنان هذا الكمّ الهائل من الإجتماعات على مستوى أصحاب القرار كما هو الحال منذ بداية هذا العام. موضوع مُعظم هذه الإجتماعات كان وما يزال معالجة الوضع المالي والإقتصادي والبيئي، والنتيجة إلى الوراء درّ!

بين النفايات على الطرقات إلى أزمة السيولة في السوق مرورا بتراجع النشاط الإقتصادي، تراجع القدرة الشرائية للمواطن، زيادة البطالة، زيادة الهجرة، ارتفاع الفوائد، تراجع الاستثمارات… لا ينفك السياسيون في لبنان يُطلقون الوعود عن مُستقبل أفضل للبنان عبر إصلاحات ومشاريع استثمارية ومحاربة الفساد و… ولكن وبعد أشهر وأشهر من بدء إطلاق هذه الوعود، لا يزال الاقتصاد في لبنان يتراجع ومعه المالية العامّة والمواطن يدفع ثمن هذا التراجع!

لماذا لا تتحرّك الأمور نحو الأفضل؟ لماذا لا يلاحظ المواطن تحسنًا في حياته اليومية؟ ما هي العقبات التي تواجه القرارات التي أخذتها السلطة السياسية في كل الاجتماعات؟ هل الأمور محصورة بقضية الوقت لتنفيذ هذه الوعود وإذا كان الأمر كذلك، كم من الوقت يحتاج المواطن ليشعر بتحسّن في أوضاعه؟

كلّ هذه الأسئلة يطرحها المواطن اللبناني كلّ يوم وهو الذي يُصارع العالم كل يوم للبحث عن لقمة عيشه. المواطنين يُعانون كل يوم نتيجة الوضع الاقتصادي والأزمة التي تعصف بلبنان، والأصعب أنه أصبح مُلزَما أن يفهم ماذا يعني تصنيف ائتماني وماذا تعني درجة تصنيف B- وCCC+ وغيرها من المصطلحات البربرية التي لا تهمّه، لا بل على العكس تُشكّل هاجسا له لأن الحديث عن أمور لا يفهمها تُدّخل إلى عقله الشكّ في المُستقبل وجدوى البقاء في بلد لا مُستقبل له ولأولاده فيه.

خريف أسود؟

هل يكون خريف هذا العام خريفاً أسود بالنسبة للبنانيين؟ فالمدارس على الأبواب وكل رب عائلة يتساءل عما إذا كانت هناك زيادة في الأقساط أو لا. العديد من الشركات بدأت بإقفال أبوابها نتيجة تراجع نشاطها الإقتصادي، وعشرات المطاعم تُعاني نقصا في الزبائن اذ تمّ التخلّي عن خدمات العديد من الموظّفين. إحدى الشركات الصناعية الكبيرة التي تحتلّ المرتبة الأولى في قطاعها (نتحفّظ عن ذكر اسمها) تُعاني من تراجع كبير في نشاطها نتيجة عدم قدرتها على تحصيل مُستحقاتها لدى زبائنها. أحدّ المطاعم الشهيرة في لبنان والذي له قدرة استيعابية تتخطّى المئتي كرسي، لا يستقبل إلا عشرات الزبائن يوميا أصبح يدفع لموظّفيه على الساعة. وماذا نقول عن الموردين للدولة والذين لهم مُستحقات غير مدفوعة وعدم دفعها يُهدّد بقاءهم؟ كلّنا سمعنا أو شاهدنا على محطات التلفزيون مظاهرة الإسبوع الماضي أمام السفارة الكندية للمطالبة بتأشيرات هجرة إلى بلد حيث يستطيعون العيش بكرامة.

وكأن هذا لا يكفي، يأتي بضعة أفراد من تجار أو صرافين أو شركات (بالطبع لا نشمل الجميع) للاستفادة من الوضع الحالي ورفع سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية من دون أي مُبرّر إلا الإشاعات التي يبثونها عن «أزمة نقدية» لا وجود لها إلا لتبرير أعمالهم. وقد أضحكني أحد الأصدقاء الذي روى لي أنه ذهب لشراء بطاطا من أحد المحال. وحين همّ بدفع ما يدفعه عادة أي 36 ألف ليرة لبنانية، قال له صاحب المحل عفوًا ولكن السعر أصبح 38 ألف ليرة. وعند سؤاله عن السبب، قال له أن سعر صرف الدولار ارتفع! وماذا نقول عن مؤسسات عامة وجامعات لا تقبل الدفع إلا بالدولار الأميركي؟

هذه أمثلة عمّا يُعانيه المواطن اللبناني يوميًا. وهنا نطرح السؤال: ماذا فعلت الدولة للتخفيف من معاناة هؤلاء؟

قد تكون الدولة قامت بعدد من الإجراءات ونحن لا نعلم بها أو قد تكون هذه الإجراءات هي على صعيد ماكرو وتحتاج إلى وقت لتُعطي نتيجة، لكن لا يحقّ للسلطة السياسية تجاهل ما يُعانيه المواطن. ألا يستحق المواطن أن يخرج مسؤول ويقول له انه إبتداء من تاريخ مُعين، سيلاحظ الفارق على المستوى المعيشي؟ كل ما نسمعه يوميا في الإعلام هو مشاريع سيدر، وموازنة العام 2020، واستقبل وودّع… وغيرها من الأمور التي لا ترجمة فعلية لها على الأرض.

في الواقع، الانكماش الاقتصادي الناتج من خفض الإنفاق التشغيلي (وفي غياب واضح للإنفاق الإستثماري) بدأ يظهر على الأرض. ونلاحظ أن بعض المسؤولين تجاهلوا (عن قصد أو غير قصد) وزن الإنفاق العام في دولة أصبح حجم قطاعها العام يُشكّل أكثر من ثلث الإقتصاد، فإذا بخفض الإنفاق يزيد من المُعاناة على الشركات وعلى القطاع الخاص.

الجدير ذكره أن تراجع النشاط الإقتصادي سيؤدّي إلى خفض النمو الإقتصادي الذي قد يكون في أفضل الأحوال بحدود 0.1 إلى 0.2% وهذا سيُقلّل حكما من مداخيل الدولة الضريبية هذا العام.

في ظلّ هذه الظروف، نطرح السؤال عن تداعيات رفع الضرائب (التي أصبحت شبه إلزامية نظرا للوضع المالي العام) على المواطن وماذا سيكون الواقع الاجتماعي بعد فرض هذه الضرائب؟ وقد يقول البعض ان المواطن يستفيد من الفوائد في المصارف اللبنانية والتي تدفعها الدولة بالدرجة الأولى (وهذا حق)، إلا أن ما يتجاهله هذا البعض أن توزيع الثروات في لبنان غير عادل على الإطلاق مع 67% من الشعب اللبناني يمتلكون ثروة أقلّ من 10,000 دولار أميركي فقط!

لا حلّ إلا بمحاربة الفساد

على كل الأحوال، تجد الحكومة اللبنانية نفسها في وضع لا تُحسد عليه. فهي من جهة مُحاصرة من قبل المجتمع الدولي الذي يضع ضغوطاً عليها، ومن جهة ثانية من قبل بعض أصحاب النفوذ الذين يستفيدون من الوضع الحالي، ومن جهة ثالثة من قبل مواطن يُعاني وسيجد نفسه مُلزمًا دفع ضرائب ورسوم لتغطية فساد وهدر مُزمنين!

نعم الحكومة اللبنانية في وضع صعب وهنا نقول ان لا مخرج لها إلا من خلال كسر حلقة الفساد المُفرغة التي يعلق فيها لبنان. نعم لإلغاء الامتيازات (كما قال رئيس الجمهورية) التي يتمتّع بها البعض القليل لمصلحة الكثير من اللبنانيين وهذا ما يُسمّى بالعدالة الاجتماعية. هذا لا يعني مُطلقا أخذ أموال الأغنياء وتوزيعها على الفقراء، لكن أقلّه هناك الكثير من الامتيازات التي تتخطّى أي منطق علمي أو اجتماعي والتي يجب القضاء عليها للخروج من هذه الحلقة المُفرغة. والسؤال الاساسي، لماذا لا تعتمد الضريبة التصاعدية كما في معظم دول العالم.

في مطلع العام المُقبل، ستكون السلطة السياسية أمام استحقاقين أساسيين: الأول استحقاق التصنيف الائتماني للبنان والويل لنا إذا لم نقم بإصلاحات لمكافحة الفساد، والثاني مُحاسبة المواطنين لقياداتهم وما فعلوه لتخفيف وطأة الأزمة عليهم وهنا نقول حذار ردّة مواطن جائع!

لماذا لا تتمّ مساءلة أحد النواب الذي اتهمه موقع الـ MTV بالقيام بعمليات تهريب بضائع بين لبنان وسوريا وذلك على مرّ سنين عديدة؟ ألا تُشكّل هذه المُساءلة مؤشّر لنية السلطة السياسية مكافحة الفساد على كل المستويات؟

عندكم التهريب الجمركي، الكهرباء، الأملاك البحرية والنهرية وسكك الحديد، التهرّب الضريبي، المناقصات العمومية… كلها أبواب يُمكن أن تؤمّن مداخيل لخزينة الدولة وتسمح بخفض العجز إلى مستويات تقلّ عن 3% وهي الحدّ الأقصى المقبول دوليًا. والأهمّ أنها تُغني عن توصيات المؤسسات الدولية برفع الضريبة على القيمة المُضافة وفرض رسم إضافي على صفيحة البنزين وغيرها من الإجراءات التي ستضرب من دون أدنى شك القدرة الشرائية للمواطن.

Print Friendly, PDF & Email
مصدر الديار الجريدة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More