بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

لجـنــة المـال والموازنــة تفتــح الــيوم ورشة مُوازنــة الــعام 2019

الديار | بروفسور جاسم عجاقة

يعيش لبنان حالة من الانتظار تمتدّ حتى منتصف تموز المقبل حيث ستقوم لجنة المال والموازنة ومن بعدها الهيئة العامّة لمجلس النواب بدراسة الموازنة بهدف إقرارها. وإذا كان المتوقّع أن تعمد لجنة المال والموازنة أو الهيئة العامّة إلى إلغاء المواد التي تمسّ بمكتسبات العسكريين، تبقى الأنظار مُسلّطة على عجز الموازنة حيث سيتمّ البحث عن إيرادات جديدة للإبقاء على مستوى أصلا مشكوك في قدرة الحكومة على تحقيقه.

هذا الواقع يتزامن مع موجة بَرَدْ ضربت لبنان وأنزلت أضراراً جسيمة بالمحاصيل الزراعية حيث ارتفعت أصوات تُطالب الدولة بالتعويض. وكيف لها أن تُعوّض على المزارعين وهي في رحلة بحث عن موارد مالية وخفض للإنفاق ناهيك بالصراعات السياسية المُتعدّدة الأطراف والتي أصبحت تُشكّل عبئا ثقيلا على الاقتصاد وعلى مالية الدوّلة.

 لجنة المال والموازنة

تبدأ لجنة المال والموازنة مجموعة من الاجتماعات ابتداءً من صباح اليوم، وذلك بهدف بحث مشروع موازنة العام 2019 في حضور ما يُقارب الخمسين نائبا. وكان رئيس اللجنة النائب إبراهيم كنعان قد أعلن عن برنامج ممتلئ للجنة هذا الأسبوع مع تسع جلسات سيكون أولها اليوم الساعة العاشرة صباحًا حيث ستستمع لوزير المال علي حسن خليل حول فذلكة مشروع الموازنة والموازنات المُلحقة، كما وبدء دراسة بنود الموازنة التي يقارب عددها المئة مادّة.

وبحسب جدول الإجتماعات المُنتظرة هذا الأسبوع ستعقد اللجنة جلستين يوميًا (الساعة العاشرة صباحًا والساعة الخامسة عصرًا) أيام الثلاثاء، الأربعاء والخميس والجمعة وستُختم هذه الجلسات بجلسة ختامية نهاء الجمعة الساعة الرابعة بعد الظهر.

هذه الجلسات ستترافق مع حراك متوقّع نهار غد الثلاثاء دعا إليه المتعاقدون في التعليم الثانوي والأساسي في بيان حث المتعاقدين على المشاركة في تجمّع أمام وزارة التربية والتعليم العالي. واستنكر البيان تهميش المتعاقدين من خلال التلكؤ في دفع مستحقاتهم عن شهري كانون الثاني وشباط وأذار والتي كان وعد وزير التربية أكرم شهيب بدفعها قبل عيد الفطر.

ومن المتوقّع أن تعمد لجنة المال والموازنة بعد سماعها إلى فذلكة الموازنة من قبل وزير المال إلى سؤاله عن الأسباب التي دفعت الحكومة إلى عدم الأخذ بتوصيات اللجنة في موازنات العامين 2017 و2018. وكانت لجنة المال والموازنة قد ركّزت عند دراستها مشروع موازنة العام 2017 على عدّة نقاط (الديار بتاريخ 13 كانون الثاني 2018) أبرزها:

1- إدخال مواد في مشروع الموازنة لا علاقة لها بالموازنة (بحسب التعريف القانوني للموازنة) أو ما يُعرف بـ «فرسان الموازنة». ولم يتمّ الأخذ بهذه الملاحظة لا في موازنة العام 2018 ولا في مشروع موازنة العام 2019. وهنا يُطرح السؤال عمّا إذا كانت لجنة المال والموازنة ستعمد إلى فصل فرسان الموازنة في مشاريع قوانين منفصلة أو ستُعيد التوصيات نفسها؟

2- إفتقار مشروع الموازنة الى ما يُسمّى بالأسباب الموجبة (سواء كانت ضريبية أو غير ضريبية) للتعديلات المُقترحة وبالتالي يُطرح السؤال عن الانسجام مع النصوص النافذة.

3- وجود أجهزة إدارية عامّة رديفة للأجهزة الرسمية (مثل الـ UNDP وغيرها) كما ووجود العديد منها من دون أي عمل فعلي منذ فترة طويلة مع استمرار الموازنة في تخصيص إعتمادات لها.

4- وجود العديد من المؤسسات المُستقلّة التي تتولى إدخال المعلومات الحسابية ومعالجتها كما والتدقيق من دون أي رقابة أو محاسبة. الجدير ذكره أن مشروع موازنة العام 2019 يقترح إخضاع هذه الموازنات لمصادقة وزارة المال لكن من دون أن تكون هناك رقابة على المعلومات الحسابية.

5- التوظيف المُقنّع عن طريق بدلات أتعاب تتكرّر اعتماداتها سنويا، وهذا الأمر قدّ أدّى مؤخّرًا إلى خروج فضيحة التوظيف السياسي بعد إقرار قانون سلسلة الرتب والرواتب.

6- شغور في العديد من مجالس المؤسسات العامة والإدارات والهيئات الناظمة، وهذا بحسب رأي اللجنة له تداعيات على الرقابة وعلى العمل المؤسساتي.

7- تخصيص مساهمات ومساعدات لغير القطاع العام من دون تحديد المعايير المُستخدمة في إعطائها ولا الرقابة على إنفاقها.

8- وجود اعتمادات في موازنات بعض الوزرات لا تتطابق وطبيعة عمل هذه الأخيرة.

9- وجود اعتمادات سنوية بمبالغ متماثلة للتجهيزات، مع العلم أن الموجود عمره لا يقلّ عن خمس سنوات.

10- لحظ اعتمادات لمجلس الإنماء والإعمار من دون تحديد ما سيُصار إلى اقتراضه لهذه الاعتمادات ومن دون توضيح حول التمويل المحلّي وقيمته.

11- التفاوت في المعايير المُعتمدة بالطبابة والاستشفاء والتعليم بين الأجهزة العسكرية. الواجب ذكره أن هناك ستّ تسعيرات للخدمة الطبية نفسها تدفعها الدولة (أحيانا للمؤسسة نفسها) من خلال وزارة الصحة، تعاونية الموظفين، الاستشفاء العسكري، الصناديق التعاضدية، الحالات الخاصة في وزارة الصحة، والضمان الاجتماعي.

12- غياب الإنماء المناطقي بكل أنواعه إن من ناحية المشاريع أو من ناحية الهيئات الإنمائية في الأرياف. كما لحظت اللجنة غياب خطّة للمشاريع الإنمائية من قبل مجلس الإنماء والإعمار.

13- غياب قطع الحساب منذ العام 2003، وبالتالي هذه مخالفة لأحكام المادّة 87 من الدستور كما والمادّة 118 من النظام الداخلي لمجلس النواب.

العديد أيضا من الملاحظات تمّ إبرازها في تقرير اللجنة في لموازنة العام 2017 وتكرّرت نفسها في موازنة العام 2018. الجدير ذكره أن مُعظم هذه الملاحظات ما زالت موجودة في مشروع موازنة العام 2019، فماذا يُمكن للجنة المال والموازنة أو مجلس النواب القيام به؟ سحب الثقة من الحكومة أمر غير وارد، أضف إلى ذلك أن أي تعديل جذري خصوصا إذا ما تناول رفع الإعتمادات وخفض الإيرادات بحاجة إلى موافقة خطّية من قبل الحكومة.

البنود المُتعلّقة بالعسكريين

تتوقّع العديد من المصادر أن يتمّ حذف كل البنود المُتعلّقة بالعسكريين في مشروع موازنة العام 2019، باستثناء البرامج المُعدّلة في المادة الرابعة عشر، من الفصل الثاني حيث تمّ نقل اعتمادات بقيمة 364 مليار ليرة من العام 2019 إلى العام 2021.

الجدير ذكره أن التظاهرات التي قام بها العسكريون المتقاعدون أدّت ثمارها لدى الطبقة السياسية التي هي أصلا في حالة من الانقسام حول البنود المتعلّقة بالعسكريين. وأتت حادثة طرابلس الإرهابية لتُعيد خلط الأوراق في ما يخص تطبيق التدبير رقم 3، حيث ان استشهاد 4 عناصر من الجيش وقوى الأمن الداخلي يطرح السؤال الجوّهري: «ماذا يعني تطبيق التدبير رقم 3 على من هم على الجبهة؟».

على كلٍ الظاهر من خلال تصاريح بعض الأحزاب أن الأمر ستتمّ دراسته طولا وعرضا في لجنة المال والموازنة خصوصًا أن إعادة النظر في التطبيق رقم 3، له تداعيات على الموازنة حتى ولو أنه من صلاحية الحكومة.

ويبقى القول انه من المؤسف تحويل تطبيق التدبير رقم 3 إلى مادّة إعلامية ضرب إلى حدٍ بعيد معنويات العسكر والقوى الأمنية وكان الأفضل أن تعمد الحكومة إلى دراسة هذا الموضوع مع «أم الصبي» بدل تحويله إلى مادّة إعلامية. ويهمّنا التأكيد على أن قيادة الجيش والقوى الأمنية الأخرى هي الوحيدة المؤهّلة إبداء الرأي بمن يستفيد من التدبير رقم 3.

 الصراعات السياسية

يعيش لبنان منذ أكثر من عام على وطء صراعات سياسية حادّة تأخذ أشكالا عديدة وعلى رأسها الحرب الإعلامية. وقد ارتفعت في الفترة الأخيرة وتيرة هذه الصراعات حتى أصبحت بين الحلفاء وأحيانًأ داخل الحزب نفسه. وما زالت تداعيات صراع التيارين الأزرق والبرتقالي تنعكس على الساحة السياسية والتي من المتوقّع أن يتمّ وضع حدّ لها في اللقاء المُنتظر بين الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري فور عودة الأخير من عطلة الأعياد. وهنا تُشير مصادر إلى أن غياب حلّ للمواجهة الأخيرة بين التيارين سيؤدّي إلى تعطيل عمل الحكومة من دون تأثير كبير في عمل لجنة المال والموازنة. وكان الاعلامي نديم قطيش المُقرّب من الرئيس الحريري قد أعلن في حديث لبرنامج «بيروت اليوم» الذي يُبثّ على شاشة الـ MTV، أن الرئيس الحريري قد يُقدم على الاستقالة في حال استمر الوضع على ما هو عليه بالإشارة إلى مواقف رئيس التيار الوطني الحرّ الوزير جبران باسيل، ولكن أيضا بالإشارة إلى الهجوم الذي يشنّه الحزب التقدّمي على الرئيس الحريري على خلفية الإخلال بالاتفاق على المداورة على رئاسة بلدية شحيم.

أيضا بدأ الصراع القواتي – العوني يعود إلى الواجهة مع بدء الحديث عن بحث ملف التعيينات في مجلس الوزراء قريبا. وتوقّعت مصادر وزارية أن وزراء القوات قد يُصعّدون في مواقفهم إلى حدّ الاعتكاف وحتى الاستقالة إذا لم يتمّ إعطاؤهم حصّة في تعيينات المجلس الدستوري. في الواقع ملفّ التعيينات هو أيضا نقطة خلاف بين التيار الأزرق والتيار البرتقالي، ومن شبه المؤكّد أن تظهر هذه الخلافات إلى العلن، خصوصا أن بعض الصقور في التيار الأزرق أصبحت تنتقد علنيًا المرونة في المواقف التي يُظهرها الرئيس الحريري تجاه التيار الوطني الحرّ وتجاه الوزير باسيل بالتحديد.

هذه الأجواء المُظلمة سيكون لها وقعها على العمل الحكومي المُتحكّم بالقرار الاقتصادي والمالي. وبالتالي سنشهد في الفترة المُقبلة تراجعًا في سندات الخزينة اللبنانية بالدولار الأميركي (اليوروبوندز)، وذلك نتيجة التخبّط السياسي، مما سيؤدّي حكما إلى خسائر مالية إضافية على الدوّلة في سوق السندات.

وكأن هذا الوضع السوداوي غير كافٍ، فقد تسبّبت موجة البرد التي الأسبوع الماضي في بعض المناطق الزراعية في عكّار بأضرارا كبيرة في المواسم الزراعية حيث ضربت الأشجار المثمرة والمزروعات الارضية. وبالتالي ارتفعت أصوات بعض النواب تُطالب بتعويض المزارعين الذي فقدوا محصولهم في مستهل موسمهم الزراعي.

 خدمة الدين العام

على صعيد متوازٍ، تبقى مسألة خدمة الدين العام ومساهمة المصارف ومصرف لبنان في خفضها موضوع جدل. وإذا كانت بعض الجهات تُصرّ على أن يحمل القطاع المصرفي قسماً من خدمة الدين العام، يرى البعض الأخر أن الإصلاحات التي قامت بها الحكومة في مشروع الموازنة لا تتضمّن إصلاحات كافية تدفع المصارف اللبنانية إلى القيام بهذا المجهود وأن أي إرغام للمصارف على المساهمة قد تعود بتداعيات سلبية على المالية العامة بالدرجة الأولى من قبل وكالات التصنيف الإئتماني. لذلك، هناك تخوّف من تحميل مصرف لبنان فاتورة عالية هو أصلا يُشارك فيها (ساهم مصرف لبنان بـ 2.8 مليار د.أ. في العام 2018!) مما سيضع مصرف لبنان تحت ضغوطات إضافية. الجدير ذكره أن استمرار «جريمة» الاستيراد على وتيرة العام الماضي نفسها تزيد من الضغوطات على ميزان المدفوعات وبالتالي على الليرة اللبنانية.

لذا نرى أن الإسراع في في إقرار قانون الموازنة، وبالتحديد فرض الرسم الجمركي 2% على الاستيراد، هو أمر محمود لخفض الضغط على ميزان المدفوعات.

Print Friendly, PDF & Email
مصدر الديار الجريدة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More