Professor Jassem AJAKA
Physicist | Economist

لبنان يحتاج الى نمو بنسبة 7% سنويًا ليخرج من أزمته

8 مليار دولار إجمالي استحقاقات دين الدولة في الـ 2020

الديار | بروفسور جاسم عجاقة

الآن وبعد أن أخذت الأمور منحى دراماتيكياً في غياب سلطة تنفيذية وإجراءات إصلاحية لتدارك الأوضاع الإقتصادية والمالية، أصبحت الإهتمامات تنصبّ أكثر على الحلول التي تمنع السقوط في المحظور كما وإعادة التوازن المالي إلى الدوّلة اللبنانية.

الدين العام وصل إلى 86.9 مليار دولار أميركي مقارنة بناتج محلّي إجمالي يُقارب الـ 56 مليار دولار أميركي بحسب تقرير بنك أوف أميركا – ميريل لينش. هذا الدين أصبح يوازي 153% من الناتج المحلّي الإجمالي وهو أعلى بكثير مما تنصّ عليه المعايير الدولية التي تضع نسبة 60% من الناتج المحلّي الإجمالي كنسبة سليمة لا يجب تجاوزها.

في نفس الوقت، تراجعت إيرادات الدوّلة بشكل ملحوظ بدءًا من شهر آب 2019 وأخذ التراجع بالإزدياد في الشهرين الأخيرين مما يعني أن نسبة العجز ستتخطّى الستة مليارات دولار أميركي (منها 3.8 مليار بالعمّلة الصعبة) وهو ما يعني أن نسبة عجز تفوق الـ 10% من الناتج المحلّي الإجمالي.

وبحسب تقرير بنك أوف أميركا – ميريل لينش يبلغ حجم إستحقاقات الدين العام بالعمّلة الصعبة على الدوّلة اللبنانية في العام 2020، ما يوازي الـ 4 مليار دولار أميركي.

في الإجمال، تبلغ حاجة الدوّلة اللبنانية 8 مليار دولار أميركي في العام 2020 يتوجّب تمويلها تحت طائلة الإفلاس. فهل يُمكن للمؤتمر الذي سينعقد في باريس من تأمين هذا المبّلغ؟

بإعتقادنا لن تُعطي الدول المُنعقدة أي مُساعدة للبنان من دون وجود حكومة أصيلة مع برنامج إصلاحي كامل يلتزم المعايير المفروضة في مؤتمر سيدر. لكن هذا الطلب يصطدم بعقدة حكومة تكنوقراط أو حكومة تكنوسياسية، وهنا لُبّ المُشكلة إذ أن المُجتمع الدوّلي يفرض تلبية مطالب الشارع اللبناني الذي يُريد حكومة تكنوقراط بالكامل وهو ما ترفضه بعض القوى الوازنة.

في فرضية أن القوى السياسية لم تستطع التوصّل إلى حلّ في شأن الحكومة، سيأتي إلى لبنان مُساعدات ضئيلة تمّنع الإفلاس لكن من دون إنتشاله من مُشكلته. وهذا الأمر سيؤدّي حكمًا إلى إنفجار شعبي مع إستمرار تردّي الوضعين الإقتصادي والإجتماعي. وفي فرضية أن القوى السياسية إستطاعت تشكيل حكومة، فسيكون هناك توافق بين الحكومة العتيدة والدول المانحة (مُمثّلة بصندوق النقد الدولي أو الموفد الفرنسي) على البرنامج الإصلاحي وهو ما يعني عمليًا دخول لبنان تحت الوصاية المالية الدولية.

المُشكلة الأساسية هي مُشكلة إقتصادية بإمتياز، فالميزان الأوّلي عاجز عن تغطية خدّمة الدين العام وهو ما يُفقد الدوّلة اللبنانية سيطرتها على الدين العام عملاً بمعادلة الإنضباط المالي التالية:

الإصدارات الجديدة (زيادة الدين العام) + الإيرادات الضريبية = خدمة الدين العام + الإنفاق العام.

غياب الإنضباط في المالية العامة في لبنان هو السبب الأساسي وراء تراكم الدين العام حيث أن زيادة الإنفاق العام أدّى إلى إصدار سندات خزينة بشكّلٍ مُفرط إرتفع معها الدين العام من 3 مليار دولار أميركي في أوائل التسعينات إلى 38.5 مليار دولار أميركي في العام 2005، إلى 86.9 مليار دولار أميركي في حزيران الماضي. وهذا الأمر أدّى إلى رفع خدمة الدين العام التي أتت لتزيد من عجز الموازنة المُزمن وبالتالي إصدار سندات إضافية في ظل غياب شبه كامل لأيّة تحفيزات إقتصادية وسياسات تُشجّع على الإستثمار.

وبالتالي زادت الفجوة بين سعر الفائدة الحقيقي ومعدل النمو بشكل أصبح مُعدّل الفائدة على الدين العام بحدود الـ 9% مقارنة بنمو 1% في الأعوام الماضية. لكن هذا الأمر ليس الأسوأ في حالة لبنان، بل أن الـ 9% هي على 86.9 مليار دولار أميركي والـ 1% هي على 56 مليار دولار أميركي مما يعني أن المفعول أكبر من عملية فارق حسابي.

الميزان الأوّلي الذي يُمكن إختصاره بعبارة الإنتاج، والذي من المفروض أن يكون أعلى من خدّمة الدين العام لضبط المالية العامّة، يُسجّل عجزًا وفي السنين التي يُسجّل فيها فائضًا، يكون هذا الفائض أقلّ من خدمة الدين العام بكثير. مما يعني أن كل الفارق تحوّل إلى دين عام. وتُشير البيانات التاريخية إلى أنه منذ كانون الثاني 2011 وحتى أب 2019، الفارق بين الميزان الأوّلي وخدّمة الدين العام هو فارق سلبي مع أرقام خيالية تُقاس بالمليارات! ففي العام 2012، كان الفارق السلبي يوازي 3.7 مليار د.أ، 4 مليار في العام 2013، 2.9 في 2014، 3.7 في الـ 2015، 4.8 في الـ 2016، 3.56 في الـ 2017، 6 في الـ 2018، 2.8 حتى آب 2019! أرقام مُخيفة تُشير بوضوح إلى غياب أي سياسة إقتصادية لمُعالجة ضعف الماكينة الإنتاجية. وتُشير المُحاكاة الحسابية التي قمّنا بها إلى أن لبنان يحتاج إلى نمو بنسبة 7% وما فوق لكي يستعيد السيطرة على الدين العام والتي فقدها منذ وقت طويل.

تحليل الدين العام يُظهر أن 13.6% من الدين العام ممسوك من قبل مُستثمرين أجانب والباقي ممسوك داخليًا إمّا من مصرف لبنان أو مصارف تجارية أو مُستثمرين أخرين. وقد تكون (وهذا أغلب الظنّ) الودائع تُموّل قسماً كبيراً من هذا الدين.

كل ما أوّردناه هو للقوّل أن لبنان ما يزال يمتلك هامشاً (ولو ضيق) للقيام بإصلاحات ضرورية لدفع الماكينة الإقتصادية إلى الإنتاج وتحقيق فائض أوّلي يفوق الـ 400 مليون دولار أميركي شهريًا لإستعادة الإنضباط المالي للدولة.

يبقى القول أن أيّة سيناريوهات لإعادة هيكلية الدين العام، هي سيناريوهات سابقة لأوانها لأن الأرقام تُشير إلى أن مصرف لبنان ما يزال يُسيّطر على الوضع المالي والنقدّي. أيضًا يُمكن القول أن أي حديث عن هيركت أيًا كان نوعه هو مرفوض جمّلة وتفصيلاً، خصوصًا أن تقييم الحلول الأخرى لم يتمّ وهناك البعض الذي يستسهّل المسّ بجيوب الناس. أمّا في ما يخصّ الليرة اللبنانية وحتى إشعار أخر، فهي ثابتة على سعرها الرسمي على الرغم من السعر المُرتفع لدى الصيارفة والذي يعكس بإعتقادنا عمّق الأزمة السياسية التي يتخبّط فيها لبنان.

Print Friendly, PDF & Email
Source الديار الجريدة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More