Professor Jassem AJAKA
Physicist | Economist

لبنان مفلس أو على شفير الافلاس؟

اللواء | ميراي عقيقي محفوظ

أكثر من أربعين يوم مضى على اندلاع ثورة ١٧ تشرين، ولبنان ما زال في عين العاصفة الاقتصادية وفي خضم دوامةِ أزمةٍ سياسية ومالية خطيرة، تهدد كيانَه، بانتظار الخروج منها في أقلّ ضرر ممكن. فمن الطبيعي ان تُظهر المؤشرات الإقتصادية والمالية انكماشا في الاقتصاد وعجزًا في المالية العامة. وفيما تلوح في الافق بشائر استشارات نيابية لتكليف رئيس حكومة جديدة علّها تحدث صدمة إيجابية لدى الرأي العام اللبناني، أسئلة عدة في جعبة المواطنين اللبنانيين المتخوفين من الوضع الاقتصادي والمالي.
الخبير الاقتصادي والاستراتيجي البروفيسور جاسم عجاقة وفي اتصال مع “اللواء” أجاب على سلسلة أسئلة:

١- هل أنّ لبنان في مرحلة الافلاس ام على شفير الافلاس؟

– الأسواق المالية تعتبر أن بلدًا مُعينًا هو في حال إفلاس إذا توافرت إحدى هذه الشروط:١-عدم قدرة الدولة على دفع إستحقاقاتها،٢- عدم رغبة الدولة في دفع إستحقاقاتها، و٣-إعادة هيكلية الدين العام. وبحسب المُعطيات، لبنان لا يستوفي أيًا من هذه الشروط. لكن الواقع الأليم الذي يجب وصفه هو أن مالية الدولة في حالة صعبة، وبالتالي فإن مصرف لبنان يتكفّل بدفع مُستحقات الدولة كي لا تُفلس وعلى رأس هذه المُستحقات: خدمة الدين العام وأجور القطاع العام.
ولم تنجح كل المحاولات التي قامت بها السلطة السياسية لمكافحة الفساد الذي يُعتبر المسؤول الأول عن العجز في الموازنة والذي يُكلّف الخزينة أرقامًا تفوق الـ 10 مليارات دولار أميركي سنويًا. من هذا المُنطلق يُمكن القول إن الإستمرار على هذه الوتيرة وبوجود فراغ حكومي، مع ما له من أهمية على صعيد القرارات الإقتصادية والمالية، سيؤدّي إلى إستنزاف إحتياطات مصرف لبنان وسيؤدّي إلى المحظور الذي يبقى بعيدًا حتى الساعة.

٢- ماذا عن سعر صرف الدولار بالنسبة لليرة اللبنانية وتأثيراته على السوق الاقتصادية؟

-سعر صرف الليرة الرسمي مقابل الدولار الأميركي، حدده مصرف لبنان على 1507.5 ليرة للدولار الواحد مع هامش 1501 إلى 1515. هذا السعر مُتوافر لكل المعاملات المصرفية التي تستخدم حصريًا القنوات المصرفية، أي بمعنى أخر كل ما ليس له علاقة بالـ cash.
المُشكلة أننا في لبنان نستخدم الكاش بشكل كبير، وهذا الأمر يمتدّ إلى المواطن والتاجر وحتى الشركات التي تدفع لموظّفيها غير المُسجّلين في الضمان. مع حركة التقييد التي قامت بها المصارف على الكاش، أصبح من غير المُمكن على المواطنين والتجار والشركات الحصول على الكاش كما سابقًا، وبالتالي توجّهوا إلى سوق الصيارفة التي تحوي على صيارفة مرخصين (بحدود 300) وصيارفة غير مرخصين. وهنا العرض والطلب سيد الموقف مع أسعار وصلت إلى 2050 ليرة للدولار الواحد!
التداعيات التلقائية تتمثّل بارتفاع الأسعار وأن كل شيء في لبنان مُستوّرد وقلّة هي البضائع المُنتجة محليًا. ويُمكن القول إنّالأسعار إرتفعت بما لا يقلّ عن 25% وهو أمر ضار جدًا على النشاط الإقتصادي بحكم أنه يُقلّل من الإستهلاك وبالتالي النمو الإقتصادي!

٣- كيف يمكن ضبط غلاء الاسعار العشوائي؟

غلاء الاسعار له تداعيات إقتصادية على النمو الإقتصادي، ولكن أيضًا على الصعيد الاجتماعي إذ انه سيزيد حكمًا من الفقر. وهذا الأمر حذّر منه موفد البنك الدولي الذي زار رئيس الجمهورية منذ ثلاثة أسابيع. من هذا المُنطلق، نرى أن هناك إلزامية لتشديد الرقابة على التجار وذلك من خلال حملات كثيفة لمراقبي مديرة حماية المُستهلك في وزارة الإقتصاد والتجارة مدّعومة من قبل قوى أمنية وذلك في ظل الفوضى العارمة.

٤- هل انّ اموال المودعين في البنوك بأمان؟ وماذا عن سياسة تحويل الاموال الى الخارج؟ وكيف نفسر مصطلح capital control؟

أموال المودعين آمنة بحكم أن المصارف تلتزم معايير بازل 3 والتي تنص على أن رأس المال هو الوحيد القادر على إمتصاص الخسائر وبالتالي تفرض على المصارف 8% كنسبة كفاءة رأس المال. هذه النسبة إرتفعت إلى 12% بعد تخفيض تصنيف لبنان الإئتماني في شهر آب الماضي. وتبلغ اليوم نسبة كفاءة رأس مال المصارف اللبنانية 13% أي أن الودائع بآمان.
سياسة التحويل إلى الخارج تفرض نفسها بحكم جوّ الهلع الذي يسود لبنان مع الفراغ الحكومي والإنتفاضة الشعبية على الفساد. إذ لا يُعقل ترك المودعين يُحوّلون أموالهم إلى الخارج خوفًا من إنهيار القطاع المصرفي وبالتالي الكيان اللبناني. إلا أن هذا الأمر لا يعني بأي شكل من الأشكال أن الودائع بخطر، لا بل على العكس هذه الودائع يُقابلها ضمانات عقارية ومصرفية وغيرها.
أما الكابيتال كونترول، فهو أمر غير مطروح حاليًا بحكم أنه يطال مُقرضي الدوّلة في حال أفلست. واليوم لا يوجد أي إفلاس للدولة اللبنانية، لذا نضع الحديث عن الكابيتال كونترول في خانة الشائعات التي تهدف إلى نشر الفوضى في لبنان.

٥-هل يمكننا اطلاق تسمية” انهيار” اقتصادي على هذه المرحلة ولماذا؟

في الواقع لا يوجد شيء إسمه إنهيار إقتصادي، وما يُقصد بهذه العبارة هو تراجع شديد في المؤشرات الإقتصادية. هذه الأخيرة تراجعت بشكل كبير في لبنان وذلك منذ الانتخابات النيابية في العام 2018 وإزداد التراجع في العام 2019 خصوصًا مع أحداث قبرشمون وتخفيض تصنيف لبنان الإئتماني والعقوبات على جمّال تراست بنك وحديثًا مع إنطلاق الإنتفاضة الشعبية.
تراجع المؤشرات يدل على أن لبنان دخل مرحلة من الكساد الإقتصادي وهو عبارة عن حالة من الإنكماش أكثر حدّة وطويلة الآمد. وبالتالي لا يُمكن الخروج من هذه الحالة إلا من خلال تشكيل حكومة قادرة على تنفيذ إصلاحات جدّية وإعادة هندسة هيكلية الإقتصاد اللبناني.

٦- كيف يمكن ان ينعكس “تشجيع الصناعة اللبنانية على السوق المحلي؟

الوقت الحالي هو الوقت المثالي لبدء عملية التحوّل الإقتصادي من خلال قيام التجار ببناء مصانع للبضائع والسلع التي يستوردونها. وهنا على الدوّلة تأمين أراضي من الأملاك العامة وتأجيرها للمستثمرين الذين ينوون إنشاء مصانع وزراعة مزروعات.
في هذا الوقت ، على المواطن اللبناني أن يُشجّع الصناعة المحلية من خلال حصر الشراء بالمنتوجات اللبنانية للبضائع المُستوردة التي لها مثيل في لبنان. وبإعتقادنا هذا الأمر هو واجب وطني لأنه يحفظ الشركات وعمّالها من البطالة. أيضًا يتوجّب أن يتمّ التعامل حصريًا بالليرة اللبنانية.

٧- هل انّ خوف اللبنانيين اقتصاديًا في محله ام مجرد تهويل؟

هناك مزيج من الإثنين معًا، فالتهويل مُستمر منذ فترة من نافذة الحسابات السياسية. لكن الواقع أيضًا يُشير إلى أن التراجع في الشق الاجتماعي والناتج عن التراجع الإقتصادي قدّ يؤدّي إلى ثورة حقيقية في لبنان تتخذ طابع عنفي كبير وقد تصل إلى حدّ تفشي الجريمة في المجتمع اللبناني.
وهنا تأتي مسؤولية السياسيين في إرساء الأسس لإقتصاد مُنتج يعتمد على الصناعة والزراعة بمواكبة التعليم لتحضير الشباب للعمل في هذه القطاعات كما فعلت كوريا الجنوبية عند خروجها من الحرب في ستينات القرن الماضي.

هل أنّ اقفال المطاعم جاء نتيجة ثورة ١٧ تشرين ام تدهور الوضع الاقتصادي منذ أشهر؟

تراجع الوضع الإقتصادي يعود إلى العام الماضي وليس وليدة الساعة. وتحميل الإنتفاضة الشعبية مسؤولية هذا التردّي هو تزوير للحقائق التاريخية. وكلنا نعلم جيدًا أن كل الحكومات التي تعاقبت، عجزت عن القيام بإصلاحات إقتصادية ومالية.
الإنتفاضة الشعبية سرّعت في إقفال المطاعم في الفترةالأخيرة ولكنها لم تكن السبب الرئيسي، فنموذج الأعمال المُتبع في الإقتصاد هو نموذج غير سليم ولم يكن له من إستمرارية حتى بدون الإنتفاضة”.

Print Friendly, PDF & Email
Source اللواء

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More