بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

لبنان في قلب العاصفة

الديار | بروفسور جاسم عجاقة

ثمانية وعشرون عامًا مضت على إنتهاء الحرب الأهلية التي عصفت بلبنان في سبعينات وثمانينات القرن الماضي. ثمانية وعشرون عامًا توالى فيها على الحكم في لبنان العديد من المسؤولين الذي وعدوا بتحويل لبنان إلى سويسرا الشرق من جديد، لكن كل هذه الوعود لم تصدق.

تقييم أداء السلطة السياسي والأمني والإجتماعي والإقتصادي والمالي، يوصلنا إلى نتيجة حزينة ومؤلمة. وفي ما يلي بعض النقاط:

أولًا – على صعيد الكهرباء: 40 مليار دولار أميركي قيمة التحاويل التي قامت بها وزارة المال إلى مؤسسة كهرباء لبنان منذ العام 1992 وحتى العام 2019، وفي المقابل قطاع الكهرباء في أسوء حالاته مما يُجبر المواطن على الإستعانة بالمولدات الخاصة. في الواقع 4 مليارات دولار أميركي كافية لإضاءة لبنان 24/24 وحتى تصدير الكهرباء، لكن للأسف فاتورة الكهرباء السنوية على جيبة المواطن اللبناني تصل إلى 4 مليارات دولار أميركي تتوزّع بين تحاويل الخزينة إلى مؤسسة كهرباء لبنان، كلفة القروض لهذه التحاويل، فاتورة المولّدات الخاصة وفاتورة الكهرباء!

ثانيًا – على صعيد النفايات: 12 مليار دولار أميركي كلفة مُعالجة النفايات في لبنان منذ إنتهاء الحرب الأهلية! 12 مليار دولار والنفايات على جانبي الطرقات وفي البحر والأنهر وعلى ينابيع المياه! 12 مليار دولار لمعالجة النفايات والحقيقة المرّة أنه لا يتمّ فرزها ولا معالجتها بل يتمّ طمرها بعد أن يتمّ فرز 9% منها فقط! التداعيات كارثية على صعيد التلوّث حيث أن التقديرات تفوق الـ 2.44 مليار دولار سنويًا! وكأن هذا لا يكفي، يتمّ التحضير لجلب محارق ونشرها في لبنان مع كل ما تحمله من مخاطر على الصحّة.

ثالثًا – على الصعيد الصحّي: التلوّث البيئي أدّى إلى زيادة الكلفة الصحية بقيمة 390 مليون دولار أميركي سنويًا وعلى رأس الأمراض الناتجة عن التلوّث، الأمراض السراطنية وأمراض جهاز التنفسّ. أضف إلى ذلك حاجة المواطن إلى اللجوء إلى أصحاب النفوذ لقبولهم في المستشفيات!

رابعًا – على صعيد الفقر: 31.52% نسبة الفقر في لبنان! وتبلغ هذه النسبة ذروتها في الشمال مع أكثر من 37% بحسب أرقام البنكّ الدوّلي. عشرات الموازنات التي تمّ إقرارها منذ نهاية الحرب و4 مؤتمرات دعم كلها ذكرت الشق الإجتماعي وما زال هناك مواطنون لبنانيون يحملون الهوية اللبنانية يعيشون بأقلّ من دولارين يوميًا! العيوب التي تطال توزيع الثروات في الإقتصاد تبقى المسؤولة الأوّلى عن زيادة الفقر في لبنان.

خامسًا – على صعيد الوظائف: أكثر من 35% نسبة البطالة في لبنان ويُمكن تحميل سبب هذه البطالة للغيرّ، إلا أن الحقيقة المرّة أن الإقتصاد اللبناني غير قادر ولا حتى هيكليته تسمح بإستيعاب العمّال والخرّجين اللبنانيين. وقد زاد النزوح السوري من هذا الوضع لدرجة أصبحت معها البطالة لدى الشباب تناهر الـ 50% ولدى الأمّيين الـ 70%!

سادسًا – على صعيد التعليم: يبيع اللبناني أرضه ويستدين من المصارف لتعليم أولاده في المدرسة الخاصة وذلك لعدم ثقته في مستوى المدرسة الرسمية! مدرسة تكلفة الطالب فيها أكثر من تكلفة الطالب في المدرسة الخاصة والسبب يعود إلى التوظيف العشوائي وإلغاء دار المُعلّمين مما خفّض من مستوى المدرسة الرسمية!

سابعًا – على صعيد الطرقات: ساعات يقضيها المواطن على الطرقات يوميًا من أجل التنقّل من مسكنه إلى مكان عمله. ساعات يحرق فيها كمّيات كبيرة من المحروقات التي يستفيد منها أصحاب النفوذ! لا نقلّ عام ولا حتى مسالك للتنقلّ على الدرّاجة.

ثامنًا – على صعيد الخدمات العامّة: يكاد لا يوجد خدّمة عامّة في لبنان، لا يكون فيها المواطن مُلزمًا دفع رشوات كيّ يتمّ معالجة معاملته. خدمات أقلّ ما يُقال عنها أنها لا ترتقي إلى المستوى المطّلوب.

تاسعًا – على الصعيد الإقتصادي: الناتج المحلّي الإجمالي اللبناني حاليًا هو بحدود الـ 54 مليار دولار أميركي. هذا الناتج كان ليفوق الـ 130 مليار دولار أميركي أو أن الحكومة إستثمرت فيها إن مباشرة أو غير مباشرة (عبر القطاع الخاص) ملياري دولار أميركي منذ العام 2011! هيكلية هذا الإقتصاد يشوبها خلّل لدرجة أنها أصبحت غير قادرة على سدّ حاجة السوق اللبناني الذي أصبح يعتمد على الإستيراد مع أكثر من 20 مليار دولار أميركي مُسبّبًا بذلك عجزًا في حساب الميزان الجاري (عجز بنسبة 20% في أخر هذا العام!).

عاشرًا – على الصعيد المالي: 86 مليار دولار أميركي هو الرقم الرسمي للدين العام مع خدمة دين عام سنويًا بقيمة 6 مليار دولار أميركي. العجز السنوي في الموازنة وصل إلى 6.3 مليار دولار أميركي في العام 2018 ومن المتوقّع أن يصل إلى نفس المستوى هذا العامّ (تقديرات المؤسسات الدوّلية). هذا الواقع السيء أدّى إلى خفض تصنيف لبنان الإئتماني ما يحدّ من قدرته على الإستدانة في الأسواق المالية.

أحد عشر – على الصعيد السياسي والأمني: خلافات شبه متواصلة بين أركان السلّطة تتراوح بين التعطيل والتصادم الأمني (كما حصل في حادثة قبرشمون)!!

من البديهي القوّل مما تقدّم، أن إنتفاضة الشعب اللبناني اليوم هي إنتفاضة على الفساد الذي أدّى إلى كلّ ما ذكرناه سابقًا. ومن غير المنطقي فرض ضرائب على هذا المواطن في ظل وجود فساد يهتك بمقوّمات الدوّلة المالية والإقتصادية! لماذا لم يتمّ تنفيذ مقرارات ورقة بعبدا المالية الإقتصادية عند إقرارها؟

ما يقوم به المواطن اليوم في الساحات هو إنتفاضة على الفساد ويجب الإعتراف بذلك. لذا يتوجّب محاربة الفساد بكلّ صدق عبر وقف المهزلة في الكهرباء، الجمارك، الأملاك البحرية والنهرية، الدوائر العقارية، المناقصات العمومية، التهرّب الضريبي، الإدارة العامّة… ومحاسبة الفاسدين لأن في ذلك ضمانة لوقف غضب الشارع.

في الواقع مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، تعودّ إلى المحاصصة الطائفية المذهبية الحزبية البغيضة التي أرساها إتفاق الطائف (بسبب عدم تطبيقه) ومن بعده إتفاق الدوّحة. وما نحصده اليوم هو نتاج غياب المواطن من لائحة إهتمامات السلطة السياسية.

المخاوف اليوم تأتي من الإنقسام الحاصل بين الطبقة السياسية وشارعها من جهة وبين الشارع اللبناني المُنتفض والأحزاب السياسية المُعارضة من جهة أخرى. ومع التطوّرات الأمنية التي تواكب التظاهرات، من المُحتمل أن يسلك لبنان طريقًا خطرًا جدًا على الصعيدين الأمني والسياسي. نتائج هذا الأمر ستكون كارثية على الصعيدين المالي والنقدّي حيث أن الحرب الأهلية وعدوان تموّز وغيرها من الحروب أتت في ظلّ وجود هامش مالي سمح بإمتصاص التداعيات المالية (من خلال زيادة الدين العام). إلا أن الوضع المالي اليوم لا يحمّل أي تمادي أمني مهما كان نوعه بدليل تداعيات حادثة قبرشمون.

في الختام، يُمكن القول أن لبنان دخل قلب العاصفة! هذا هو الإستنتاج من ثمانية أيام إحتجاجات شعبية. لذا نتوجّه إلى النخّبة السياسية بالقول: عالجوا هذا الوضع قبل خروجه عن سيطرتكم لأن الخاسر الأول والأخير هو لبنان!

Print Friendly, PDF & Email

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More