بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

لبنان دخل مرحلة الكساد الاقتصادي

جريدة الشرق | بروفسور جاسم عجاقة

دخل لبنان مرحلة كساد إقتصادي (Depression) وذلك بحسب المؤشرات الإقتصادية والمالية والنقدية والسياسية. وتراجع النشاط الإقتصادي منذ مُنتصف العام 2018 مع إرتفاع حدّة التراجع في الأشهر الأخيرة إلى درجة أصبح من الأكيد أن لبنان سيُقفلّ عامه على إنكماش إقتصادي بـ0.5% في أحسن الأحوال وقد يصل إلى 1% إذا ما كانت أرقام الأشهر الثلاثة الأخيرة من هذا العام بالسوء المُتوقّع!

يُعرّف الكساد الإقتصادي على أنه حالة من الإنكماش في النشاط الإقتصادي تستمرّ على فترة طويلة. ويتميزّ الكساد الإقتصادي عن الركود الإقتصادي (تراجع في النشاط الإقتصادي) في أنه أكثر حدّية ويمّتدّ على فترة طويلة. لا توجد مؤشرات مُسبقة لتحديد إذا ما كان الإقتصاد دخل مرحلة الكساد أو لا إلا بعد إنقضاء فترة طويلة من الوقت. لكن الحالة في لبنان تسمح لنا بإستخدام عدد من المؤشرات الإقتصادية والمالية والنقدية بالإضافة إلى المُعطيات السياسية وبالتالي إستنتاج أن لبنان دخل في مرحلة كساد طويلة الآمد.

أوّل مؤشّر للكساد هو منحنى العائد (Yield Curve). وتنصّ النظرية المالية على أن منحنى تصاعدي مع مدّة الإستحقاق، يدلّ على أن الإقتصاد هو في حالة طبيعية ويُسجّل نموا إقتصاديا، وهذا ما نراه في منحنى العائد بتاريخ 19-11-2018. في حين أن منحنى هبوطي مع مدّة الإستحقاق يدلّ على أن الإقتصاد ليس في حالة طبيعية، وهذا ما نراه في منحنى العائد بتاريخ 19-11-2019. وهنا تبرز مُشكلتان أساسيتان:

الأولى وتتمثّل بسرعة إنقلاب المنحنى من تصاعدي إلى هبوطي في فترة قليلة تعكس فظاعة الظروف التي واكبت تشكيل الحكومة من أيار 2018 إلى كانون الثاني 2019. هذه الظروف تمثّلت بتعطيل القرار الإقتصادي والمالي، وبالتحديد وقف دفع مُستحقات المورّدين وتراجع القطاع العقاري ما أدّى إلى تراجع كبير في النشاط الإقتصادي خصوصًا في الـ 2019 حيث إنخفض عدد عمليات البيع في الأسواق إلى أكثر من النصف في القطاع العقاري!

الثانية وتتمثّل بعمق الأزمة التي جعلت المُنحنى ينّقلب بشكلٍ حادّ يعكس مستوى المخاوف التي تطاول الإقتصاد اللبناني والمالية العامّة. فمناقشة موازنة العام 2019، أظّهرت للرأي العام مُشكلة المالية العامّة والفساد الذي يعصف بها، كما أن حادثة قبرشمون ضربت ثقة المُستثمر والمُستهلك ودفعت إلى خفض تصنيف لبنان الإئتماني في شهر آب ما ضاعف مخاطر المالية العامّة. وأتت العقوبات الأميركية على جمّال ترست بنك لتقضي على ثقة المودعين بالقطاع المصرفي حيث بدأ هؤلاء بسحب كمّيات كبيرة من الدولارات وأخذ البعض الأخر بالتجارة بهذه الدولارات وبيعها. وما إنطلاق الإحتجاجات الشعبية إلا دليل على الإحتقان الكبير الذي كان يعصف بالرأي العام وكانت شرارة الإنطلاق ضريبة الـ 0.2 دولار أميركي على الواتساب.

هذا المؤشر لمنحنى العائد، يُعتبر من أهمّ المؤشرات للركود الإقتصادي، لكن سرعة وعمق إنقلاب المنحنى، تُشكّل مؤشّر أساسي للكساد حيث من المتوقّع مع كل مشاكل المالية العامّة وغياب أموال مؤتمر سيدر أن يستمرّ الوضع على ما هو عليه لفترة طويلة تُرجّح الكساد!

المؤشرات الإقتصادية الأخرى هي مؤشّرات مباشرة مثل البطالة التي إرتفعت في الأشهر الأخيرة مع صرف الشركات لعدد كبير من الموظّفين وإمتناع أخرى عن دفع كامل المُستحقات (نصف أجر). وإرتفاع البطالة واكبه إنخفاض في الإستهلاك إن من البضائع المحلّية أو المُستوّردة. وهذا ما دفع العديد من الشركات إلى إقفال أبوابها والآتي أعظّم! فأعياد نهاية رأس السنة لن تكون على الموعد مع تعاظم مُشكلة الثقة بالقطاع المصرفي وتفضيل المُستهلك لجم إستهلاكه في هذه المرحلة الغامضة. ومن المتوقّع أن تكون أعياد رأس السنة هذا العام من الأسوء إقتصاديًا منذ نهاية الحرب الأهلية.

وتأتي الإحتجاجات الشعبية (المُحقّة) لتزيد من عامل الغموض مع رفض القوى السياسية حتى الساعة تلبية مطالب المُحتجّين بحكومة إختصاصيين مُستقلّة كما والإختلاف بين القوى السياسية نفسها على شكل الحكومة في ظلّ شبح العقوبات الأميركية في حال كانت الحكومة حكومة مواجهة مع الولايات المُتحدة الأميركية.

الفراغ الحكومي الحالي يُشكّل أكبر ضرر على الإقتصاد وعلى المالية العامة، ويُسرّع في عمق الأزمة الإقتصادية والمالية. وإذا كان مصرف لبنان قادر على سدّ إحتياجات الدوّلة المالية (إستحقاقات دين عام وأجور القطاع العام)، إلا أن هذه القدّرة ستتلاشى مع إستمرار الفراغ الحكومي وهذا ما يجب أن تعيه القوى السياسية.

عمليًا، الخروج من الكساد ليس بأمر سهل ويتطلّب إستثمارات كبيرة لا يُمكن تحقيقها في لبنان إلا من خلال خطوات مُحدّدة تتمثّل بـ :

أولاً: تشكيل حكومة إختصاصيين بأسرع وقت مُمكن لتُعيد الثقة للمُستهلك والمُستثمر كما والمجتمع الدوّلي والأسواق المالية.

ثانياً: إقرار موازنة العام 2020 بالنسخة التي رفعتها حكومة تصريف الأعمال قبل إستقالتها، وذلك في أسرع وقت مُمكن.

ثالثاً: العمل على تنفيذ شروط مؤتمر سيدر وذلك بهدف تحرير أموال هذا المؤتمر وبالبدء بضخّ أموال في الإقتصاد اللبناني.

رابعاً: محاربة الفساد في عدّة ملفات تُخسّر الخزينة أرقامًا كبيرة وعلى رأسها الجمارك، الكهرباء، الأملاك العمومية، التهرّب الضريبي، المناقصات العمومية، الإدارة العامّة… وذلك من خلال تدّعيم أجهزة الرقابة بعناصر من الجيش اللبناني لما لهذا الأخير من صدقية.

خامساً: إقرار قانون إستقلالية القضاء بحيث يتمّ إنتخاب القضاة من الجسم القضائي.

سادساً: تخصيص مساحات من أراضي الدوّلة ووضعها تحت تصرّف القطاع الخاص لإنشاء مصانع وزراعات مع إيجارات ضئيلة وإعفاءات ضريبية في السنين الأولى.

في الواقع لبنان لم يعد يملك ترف الوقت! وإذا كنا ممن يعتقدون أن لا إنهيار ماليا أو نقديا في الأفق، إلا أن شبح الوصاية الصندوقية أصبح يُلقي بضلاله مع ما سيواكبه من إجراءات ضريبية وغيرها ستُثير حكمًا غضب الشعب.

Print Friendly, PDF & Email
مصدر جريدة الشرق الجريدة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More