بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

قراءة في مُستقبل البطاقات المصرفيّة

تُظهر الدراسات الإقتصادية أن كلفة الدفع النقدي والشيكات عالية جداً على المُستهلك، وتفوق الدفع الإلكتروني الذي أصبح إستخدامه أكثر من ضروري خصوصاً بواسطة البطاقات المصرفية. ويأتي التطوّر التكنولوجي الذي يسمح بوصل البطاقة المصرفية بالتلفون الذكي، ليُشكّل قفزة نوعية في وسائل الدفع لتمتد على عشرات السنين المقبلة قبل اعتماد تقنية البلوكتشين والتي ستُصبح بدون أدنى شكّ وسيلة التعامل والدفع المُستقبلي.

تُظهر الدراسات التي تمّت في بعض الدول الأوروبية وفي الولايات المُتحدة الأميركية، أن استخدام العملة النقدية والورقية، كذلك الشيكات، لها كلفة عالية على اللاعبين الإقتصاديين، وتختلف هذه الكلفة بحسب نوع اللاعب (عميل، تاجر، أو مصرف). وتُعرّف الكلفة الإجتماعية لوسيلة دفع على أنها مجموع الموارد المُستخدمة من المُجتمع لتحقيق العملية أي بمعنى آخر مجموع الكلفة التي يتحمّلها اللاعبون المُنخرطون في عملية الدفع، من هنا تظهر أهمية إستخدام البطاقات المصرفية التي تُقلّل من كلفة هذه العملية. وبحسب المصرف المركزي الهولندي (2009)، فإن إستخدام البطاقات المصرفية في هولندا خفّض الكلفة بنسبة 6% ما بين العامين 2004 و2011.ولحثّ العملاء على استخدام البطاقات المصرفية بدلاً من النقد والشيكات، تعمد المصارف والمحال التجارية إلى اعتماد إستراتيجيات مبنية على زيادة عدد ماكينات الدفع (Payment terminal)، فرض رسوم على السحوبات النقدية، تسهيل الدفع بالبطاقات، وتطوير برامج ولاء مرتبطة بالبطاقات. وتظهر البيانات أن هذه الإستراتيجيات فعّالة من خلال إرتفاع حجم الأموال المدفوعة بالبطاقات على حساب النقد والشيكات. إلاّ أن الدفع بالنقد والشيكات ما زال كبيراً في لبنان ويعود السبب إلى عوامل عدّة منها الإقتصاد غير الرسمي (informal Economy)، ضعف الشمول المالي، الثقافة اللبنانية، وغيرها من العوامل التي دفعت حاكم مصرف لبنان رياض سلامة إلى القول أنّ امام الدفع بالنقد أياماً طويلة.

المعلومات المُتوافرة هي معلومات مُجمّعة تُشير إلى عدد البطاقات بالإجمال وحجم المبالغ الإجمالية المدفوعة، لكنها لا تُعطي تفاصيل عن طريقة إستخدام هذه البطاقات من ناحية المبالغ المدفوعة في العملية والقطاع وأعمار المُستخدمين، ومداخيلهم، ومهنهم وغيرها من المعلومات التي تُعتبر أساسية بالنسبة إلى المصارف والسلطات المعنية بالتطوّر التكنولوجي.

وتُشير أرقام مصرف لبنان إلى أن عدد البطاقات المُصدّرة في لبنان بلغ 2,78 مليون بطاقة في نهاية الفصل الأول من العام 2018 مقارنة بـ 2,63 في نهاية 2017 و2,76 في نهاية 2016 و2,755 في نهاية 2015. هذه الأرقام تُشير إلى أنه لا يُوجد إتجاه واضح في زيادة عدد البطاقات كما تُثبته بيانات عدد أجهزة الصرّاف الآلي الذي ازدادت من 1708 في العام 2015 إلى 1917 في نهاية الفصل الأول من السنة الجارية. وهذا الأمر يُثبت مقولة حاكم مصرف لبنان.

عوامل عدّة تلعب دوراً أساسياً في التحفيز على زيادة إستخدام البطاقة المصرفية:

أولاً – إقرار قانون يمنع إستخدام النقد في عمليات تتخطّى قيمتها الثلاثة آلاف دولار أميركي أو ما يوازيها بالليرة اللبنانية. هذا الأمر يزيد من إستخدام البطاقة والشيكات حكماً. وإذا كانت الشيكات لا تزال تفرض نفسها على العديد من الذين يفتقرون للتعامل مع التكنولوجيا، إلا أنه من المفروض أن مُعظم الجيل الجديد (18 عاماً إلى 45 عاماً) له القدرة على إستخدام البطاقة المصرفية، وهذا الأمر يُحفّز إستخدام البطاقة المصرفية على حساب الشيكات.

ثانياً – عملية الشراكة في إصدار البطاقة المصرفية من ناحية وضع ماركات عدة على البطاقة إضافة إلى علامة المصرف. وهذا الأمر قد يكون لهدف إنساني أو لمصلحة المُستخدم على مثال نظام النقاط الذي يسمح بالإستفادة من عروض لدى شركاء المصرف (شركة طيران، محال تجارية، بطاقة جيش…).

ثالثاً – إمكان تقديم قروض صغيرة بواسطة البطاقات المصرفية والتي تُقدّم حلاً للعديد من المُستخدمين الذين يُعانون من مُشكلة تنظيم مداخيلهم نسبة إلى إنفاقهم. على هذا الصعيد يتوجّب التنبيه إلى خطورة بطاقات الـ Revolving التي تُصبح الفوائد فيها كارثية في حال تخلّف المُستخدم عن الدفع.

رابعاً – التأمين الذي يواكب البطاقة في حال سرقتها أو إستخدامها بشكل غير قانوني من قبل طرف ثالث. وهذه الإمكانات غير متوفرة في وسائل الدفع الأخرى.

خامساً – إرتفاع نسبة التجار الذي يقبلون الدفع بالبطاقة والتي تُسهّل حياة المُستخدم. على هذا الصعيد نلاحظ أن بعض المحال تعمد إلى فرض رسوم على المُستخدم في حال دفع مبالغ صغيرة بالبطاقة وهذا الأمر عامل يُعاكس إستخدام البطاقة المصرفية.

سادساً – إقرار قانون المعاملات الإلكترونية والذي يؤدّي حكماً إلى زيادة التجارة الإلكترونية على الإنترنت مع ما يواكب ذلك من تسهيلات للمُستخدمين الذي يُمكنهم القيام بهذه العمليات من المنزل أو من أماكن عملهم.

سابعاً – التوجّه العالمي إلى التخلّي عن الورق في المُعاملات التجارية، وهذا الأمر يدفع إلى مزيد من التوجّه إلى التكنولوجيا. أضف إلى ذلك سهولة الحصول على البيانات التاريخية من الموقع الإلكتروني للمصرف وغيرها من الأمور التي ستؤدّي حكماً إلى زيادة الإعتماد على البطاقة المصرفية كوسيلة دفع.

ثامناً – التطوّر التكنولوجي الأخير الذي يسمح بوصل البطاقة المصرفية على التلفون الذكي حيث يتمّ إستخدام الـ Barcode ليكون مصدر إغواء العديد من الجيل الجديد (أقلّ من 25 عاماً). هذا الأمر، إضافة إلى برامج الولاء الذي تُقدمه بعض المحال التجارية في لبنان، سيُسرّع في الإنتقال إلى الدفع بواسطة التلفون الذكي مع الإبقاء على البطاقة المصرفية كوسيلة وصل بين الحساب المصرفي والتلفون الذكي للمُستخدم. على هذا الصعيد، يُمكن القول أن التطوّر التكنولوجي في ما يخص طبع العملة الورقية والذي يُمدّد من عمرها يلعب دوراً سلبياً في اعتماد البطاقة المصرفية.

في الختام، لا يسعنا القول إلا أن اعتماد المصارف اللبنانية لتقنية البلوكتشين (إذا ما تمّت) ستُشكّل نقلة كبيرة في عالم وسائل الدفع حيث يستطيع المُستخدم التخلّي كلياً عن وسائل الدفع التقليدية مع ما تحمله هذه التقنية من أمان لحساباته، ولكن أيضاً للمصارف التي ستشهد إرتفاعاً في عملياتها المصرفية نتيجة زيادة التعاملات التجارية.

رابط النهار

Print Friendly, PDF & Email

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More