Professor Jassem AJAKA
Physicist | Economist

قراءة جيو-سياسية في الإقتصاد اللبناني

عجاقة: لم يعد لبنان الذي حلم به فؤاد شهاب ولا بشير الجميّل ولا الإمام موسى الصدر

لم يعد لبنان الذي حلم به فؤاد شهاب ولا بشير الجميّل ولا الإمام موسى الصدر، لبنان اليوم هو بلد غاطس في وحول الأزمات الإقليمية التي تنسحب على داخله من خلال نسيج المُجتمع اللبناني ومن خلال سياسييه الذين يرتبطون عضويًا بالدول الإقليمية. هذا الأمر ليس بتحليل بل هو نتاج إستعراض الأحداث التاريخية التي مرّت فيها المنطقة منذ إستقلال لبنان وحتى يومنا هذا.

منذ الإستقلال يتعرّض لبنان إلى أزمات سياسية وخضًات أمنية وصلت ذروتها إلى حرب أهلية إمتدّت على مدى 15 عشرة عامًا. وإذا كان هناك إجماع بين القوى السياسية على الدور الإقليمي في الأزمات اللبنانية إلا أنه على أرض الواقع لم يتغيّر الكثير من الأمور كما أثبتته مؤخّرًا تداعيات الفيديوهات المُسرّبة أو ردّة الفعل على كاريكاتور الرسام الدانماركي، أو أحداث 7 أيّار الأليمة أو حتى الأزمة السورية. والمُشكلة الحاضرة دائمًا في هذا المشهد هي التداعيات على الإقتصاد اللبناني وعلى الحياة السياسية التي تتمثّل (خصوصًا بعد الطائف) بتعطيل شبه تلقائي للقرارات الإقتصادية في كلّ مرّة هناك إنقسام على موضوع إقليمي.

الأزمة السورية كان لها الوقع الأكبر على لبنان وعلى إقتصاده نظرًا للبعد الجغرافي لسوريا في جغرافيا لبنان ولكن أيضًا نظرًا للدوّر الذي لعبته سوريا في الحياة السياسية اللبنانية منذ دخولها إليه في سبعينات القرن الماضي وحتى خروج جيوشها في العام 2005. النزوح السوري وما خلّفه من تداعيات إقتصادية، مالية، إجتماعية وحتى سياسية يبقى الأكبر والأكثر تعقيدًا.

“صوت الديبلوماسية” أجرتّ حديث مع الخبير الإقتصادي والإستراتيجي البروفسور جاسم عجاقة للوقوف على أخرّ مستجدّات الأزمات الأقليمية من منظار تأثيرها على الإقتصاد اللبناني.

ما صحّة الفرضية القائلة أن الزيادات السنوية في ودائع المصارف اللبنانية تعود إلى الودائع السورية بمعنى أن حجم التحويلات السورية يتزايد منذ بدء الأزمة السورية ؟ وما هو الحجم الحقيقي للودائع السورية في المصارف اللبنانية؟

هذا الأمر غير صحيح على الإطلاق نظرًا إلى إلتزام المصارف اللبنانية ومصرف لبنان بالقوانين الدولية وعلى رأسها القوانين الأميركية التي منعت إستقبال الودائع السورية. فمنذ العام 2011، العام الذي بدأت فيه العقوبات الأميركية والأوروبية على النظام السوري إلتزم مصرف لبنان والمصارف التجارية بهذه العقوبات ولم يتمّ تلقّي أية أموال لسوريين من سوريا. وبالتالي لا يُمكن الحديث عن علاقة فرضية بين ودائع السوريين وودائع المصارف اللبنانية، أضف إلى ذلك أن تلقّي الأموال المنقولة لم يعدّ مسموحًا منذ فترة طويلة نتيجة تعاميم مصرف لبنان الصارمة. الجدير ذكره أن مصر وتركيا هي الدول التي إستفادت من رؤوس الأموال هذه إذ يكفي النظر إلى عدد المؤسسات التجارية والصناعية التابعة لسوريين في هذه الدولّ.

أما السوري الذي يعيش في لبنان فمن حقّه أن يفتح حساب مصرفي شرط أن لا يكون إسمه على لائحة العقوبات وأن يلتزم الشروط المفروضة على المواطن اللبناني من ناحية التصريح عن مصدر الأموال (النشاط الإقتصادي) وإعطاء عنوان مسكن حقيقي حيث يسكن.

أما على صعيد حجم الودائع السورية في المصارف اللبنانية، فهذا الأمر لا يُمكن معرفته نظرًا للسرية المصرفية التي يتمتّع بها النظام المصرفي اللبناني. الجدير ذكره أن مُعظم هذه الودائع تعود إلى فترة ما قبل فرض العقوبات وبالتالي فهي شرعية بالكامل نظرًا إلى أن الحسابات بأسماء موجودة على لوائح العقوبات تمّ تجميدها عملاً بالقوانين الدوّلية وبمعرفة الدول صاحبة هذه القوانين.

سؤال : الضغوط الأميركية على إيران باتت واضحة في العراق كما في سوريا. وهناك من يقول أن إنحسار الدور الإيراني في سوريا والعراق يسمح بإنتعاش إقتصاد لبنان عبر فتح الممرات البرّية بين لبنان وسوريا والأردن والخليج

نظريًا هذا الأمر صحيح، لكن عمليًا الأمر بحاجة إلى أكثر من لجم النفوذ الإيراني في المنطقة. فليس بالخفي أن النظام السوري ما زال يُشكّل مُشكلة كبيرة للدول الخليجية وبالتالي وبفرضية فتح الممرات بين لبنان وسوريا إلى الأردن فالخليج، بحاجة إلى موافقة سياسية تبدأ من دول الخليج  التي قدّ تمتنع عن إستقبال البضائع اللبنانية الآتية عبر البرّ.

المعروف أن معبر نصيب (بين سوريا والأردن) هو المعبر الرئيسي الذي تسلكه الشاحنات اللبنانية (250 شاحنة في النهار في الأحوال العادية) كان يؤمّن تصدير ما لا يقلّ عن مليار دولار أميركي من البضائع سنويًا قبل سيطرة الإرهابيين على المعبر منها 70% من الصادرات الزراعية اللبنانية، و32% من الصناعات الغذائية اللبنانية، و22% من صادرات الصناعة بشكل عام. وإقفال المعبر يعني خسائر سنوية بقيمة 117 مليون دولار أميركي منها 17 مليون دعم حكومي للصادرات عبر العبّارات البحرية بإتجاه مصر ومن بعدها إلى الدول الخليجية.

إلا أن هذا المعبر وعلى الرغم من سيطرة النظام عليه، ما يزال يفتقد إلى ضوء أخضر سياسي من الأردن ومن سوريا بحكم أن هذه الأخيرة طلبت من لبنان أن يقوم بطلب رسمي للسماح للشاحنات اللبنانية بعبوره. وهذا الأمر تمّ إعتباره في لبنان (أقلّه من المعارضين للنظام السوري) كضغط بإتجاه تطبيع العلاقات بين لبنان وسوريا وبالتالي فإنه من شبه المُستحيل أن يقوم لبنان بهكذا طلب من دون تغيّرات إقليمية. أيضًا يبقى أن الموقف الأردني ليس بموقف مُستقلّ كليًا ويخضع لضغوطات إقليمية فعّالة في ظل الأزمة الإقتصادية الأردنية.

أمّا على الصعيد الخليجي، فالمعروف أنه في ظل الظروف الراهنة، إحتمال أن توافق دول الخليج على إستقبال البضائع اللبنانية الآتية من معبر نصيب، غير موجودة خاصة أن مثل هذا الأمر يُعتبر تعويم للنظام السوري وهذا ما ترفضه الأنظمة الخليجية بالكامل.

لذا ومن هذا المُنطلق، نرى أن فتح المعابر البرّية سيعود بالفائدة على الإقتصاد اللبناني خصوصًا من ناحية تخفيض الكلفة، إلا أنه وفي ظلّ الظروف السياسية وعلى أبواب معركة إدلب هناك إستحالة لتنفيذ هذا الأمر.

سؤال : ما هي الكلفة الحقيقية للنازحين السوريين في لبنان؟

إن غياب الإحصاءات الرسمية يجعل كل عملية حسابية لكلفة النازحين السوريين في لبنان عملية تقديرية قبل كل شيء. وقد قمنا بتقدير هذه الكلفة ووجدنا أنها تتخطّى الـ 28 مليار دولار أميركي كخسائر مباشرة وخسائر غير مباشرة. فالخسائر المباشرة تتضمّن:

أولًا – الدفع المباشر المرتبط بوجود النازحين على 7 سنوات: الصحة (188 مليون د.أ سنويًا)، طعام (550)، التعليم (183)، الاحتياجات الأساسية (149)، المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية (202)، مأوى (168)، ومتطلبات الحكومة (165). مما يعني كلفة سنوية بقيمة 1.72 مليار د.أ أو 12 مليار د.أ على مدى السبع سنوات.

ثانيًا – كلفة التصدير عبر البحر والتي بلغت منذ العام 2015، 150 مليون د.أ.

ثالثًا – حركة الترانزيت على 7 سنوات 1.94 مليار دولار أميركي والتي أصبحت شبه معدومة منذ إقفال معبر نصيب.

رابعًا – النفايات التي تنتج عن النازحين والمُقدّرة بـ +40% من إجمالي كلفة النفايات في لبنان أي ما يوازي 560 مليون د.أ.

خامسًا – كلفة الكهرباء الناتجة عن إستهلاك النازحين السوريين والبالغة 1.1 مليار د.أ منذ العام 2013.

سادسًا – كلفة الصادرات والتي تتضمّن الخسارة في الصادرات إلى الدوّل الخليجية إضافة إلى كلفة التصدير الإضافية المدعومة من قبل الدوّلة اللبنانية.

سابعًا – الخسارة في القطاع السياحي والتي بلغت حدود الـ 4.8 مليار د.أ نتيجة التفجيرات في العامين 2013 و2014 إضافة إلى المعارك مع الإرعابيين في المُخيمات الفلسطينية وعلى الحدود الشرقية.

ثامنًا – غياب الفرص الإقتصادية والتي بحساباتنا (Macro-econometric model) بلغت الـ 7 مليار د.أ حتى الساعة.

كل هذا بالطبع خسائر مادية لا يُمكن قياسها بالخسائر البشرية التي تكبدّها النازحون واللبنانيون نتيجة الإرهاب الذي عصف بلبنان في الفترة السابقة.

 

سؤال : هل يستفيد لبنان فعليًا من الأزمة المالية في تركيا وإيران من خلال إستثمارات ممنوحة وأوروبية تحديدًا؟

الجواب على هذا السؤال يتضمّن الكثير من الفرضيات والسيناريوهات. نظريًا يُمكن القبول بهذا الطرح لكن ضمن شروط أن يكون لبنان فعلًا مُستفيدًا من مظلّة دولية كي لا يفلت زمام الأمن. لكن الواقع على الأرض أو أقلّه المؤشرات الفعلية تُشير إلى أن الشللّ السياسي الحالي وخصوصًا المُتعلّق بتشكيل الحكومة يُعرقل مثل هذا السيناريو. فالدوّل الإقليمية تُمارس تدخلًا واضحًا في الشؤون اللبنانية الداخلية وهذا ما نراه من خلال السقف العالي لمطالب بعض الأحزاب ذات الإمتدادات الإقليمية. أيضًا وبفرضية أن هذا الأمر غير موجود، هناك إشكالية تواجه أوروبا مع تفاقم الأزمة الإقتصادية في تركيا والتي قد تخسر جرّائها الدول الأوروبية ما يزيد عن 200 مليار دولار أميركي. هذا المبلغ يأتي نتاج تعرّض المصارف الأوربية إلى ديون تركية من الصعب على تركيا سدادها في الوقت الحالي.

أيضًا هناك بعد جيو إقتصادي مُتمثلّ بمنافسة إقليمية خصوصًا من مصر التي أصبحت تُهاجم الإقتصاد اللبناني علنًا من خلال رسميين يتنبأون بإنهيار لبنان والليرة اللبنانية في إشارة إلى حاجة مصر إلى الأموال التي تردّ إلى القطاع المصرفي اللبناني.

إلا أنه يُمكننا القول أن لبنان هو مُرشّح جدّي لتلقي أموال إستثمارية في المنطقة نظرًا لثلاثة عوامل تلعب لصالحه:

أولًا – الثروة الغازية التي يمتلكها لبنان والتي تبلغ بحدّها الأدنى الـ 300 مليار دولار أميركي.

ثانيًا – النزوح السوري والذي ترغب الدول الغربية بالحفاظ عليه في لبنان نتيجة خوفها من هجرة هذا النزوح إليها.

ثالثًا – إختيار لبنان كمنصّة لإعادة إعمار سوريا والعراق. فلبنان فرض نفسه في هذه المُعادلة من عدم قدرة الموانئ السورية من تلبية الطلب على نقل البضائع ولكن أيضًا إستحالة إستعمال الموانئ الإسرائيلية جغرافيًا وحتى سياسيًا.

سؤال : كيف تنظرون إلى مشروع قانون تشريع زراعة الحشيشة في لبنان على الصعيدين المالي والإقتصادي؟ ما هي التداعيات الإجتماعية لهذا التشريع؟

تشريع زراعة الحشيشة في لبنان أصبح أمرًا واقعًا على الرغم من أن رأينا سلبي به. فضبط زراعة الحشيشة وحصرها بالإستخدام الطبّي هو أمر شبه مُستحيل في الوقت الحالي نظرًا إلى حجم الكلفة التي ستتكبدّها الدوّلة (عناصر أمن وغيره). أضف إلى ذلك أن زراعة الحشيشة ليس عنصر إنمائي بحسب النظرية الإقتصادية.

ولكن بما أن الأمر أصبح واقعًا، فإننا نرى أن على الدوّلة مواكبة هذا المشروع بمشاريع إنمائية أخرى تحت طائلة تحويل المُجتمع اللبناني إلى زراعة الحشيشة!

عمليًا، تُقدّر أرباح زراعة الحشيشة اليوم بين الـ 39 و170 مليون دولار أميركي سنويًا لمساحة مزروعة مُقدّرة بـ 3700 دونم. وبفرضية أن لبنان إستثمر 300 ألف دونم (1% من مساحة البقاع)، فإن حجم الأرباح قد يصل إلى 14 مليار دولار أميركي وهذا الرقم هائل نسبة إلى جحم الإقتصاد اللبناني (53 مليار د.أ).

من هذا المُنطلق، نرى أن على الدوّلة إستخدام قسم من هذه الأموال من أجل تنفيذ مشاريع إنمائية في الأطراف نظرًا إلى غياب التوازن المناطقي ونظرًا إلى الفقر المُدقع الذي تعيشه هذه المناطق. ومن بين هذه المشاريع يُمكن ذكر البنى التحتية ولكن أيضًا الخدمات عامّة والمُجمّعات الصناعية وتطوير الزراعات التقليدية وغيرها.

 

قراءة المقابلة في المجلّة: La voix diplomatique

Print Friendly, PDF & Email

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More