Professor Jassem AJAKA
Physicist | Economist

فوضى الدولار وغياب الرقابة يرفعان الأسعار... والمواطن هو الضحية

تطبيقات على الأجهزة الخليوية تتحكّم بمصير اللبنانيين ومعيشتهم

الديار | بروفسور جاسم عجاقة

ظهر في متجر الهواتف الذكية (Google Play, AppStore)، تطبيق جديد يُعطي سعر صرف الدولار لدى الصيارفة. وهنا المفاجأة إذ أنه لا يوجد مركزية في أسعار الصرف لدى الصيارفة وبالتالي لا نعرف كيفية حصول هذا التطبيق على سعر صرف الدولار الذي أصبح يقود اللبنانيين والتجار والصرافين أنفسهم!

وأصبحنا نرى أن البضائع المتواجدة لدى التجار (بالطبع لا نشمل الجميع) تتبدل أسعارها مع تبدّل سعر صرف الدولار على التطبيق الجديد! أليس هذا بأمر مخالف للقوانين؟ في الواقع إنه مخالف للقوانين وخصوصًا المرسوم الإشتراعي 73/83 الذي يمّنع على التجار رفع الأسعار عن غير وجه حقّ للإستفادة من وضع معين بهدف تحقيق أرباح غير مشروعة. كما يمّنع هذا المرسوم على التجار تحقيق أرباح تفوق ضعف الكلفة.

هل من السهولة التأكد من كلفة السلع والبضائع لدى التجار؟ الجواب كلاّ. فالمعروف في لبنان أن المكننة ليست على أحسن ما يرام وبالتالي هناك صعوبة كبيرة بالنسبة لمراقبي وزارة الإقتصاد والتجارة. وبالتالي هناك شبه إستحالة لمعرفة كلفة هذه السلع بدقّة!

هذا الواقع المؤلم يتحمّل نتيجته المواطن اللبناني الذي يُعاني كل يوم إن في المصارف اللبنانية أو لدى التجار لدرجة إنخفضت القدرة الشرائية للمواطن في بعض الحالات إلى أكثر من 60%! نعم هذا هو الواقع لأحد موظّفي الإعلام الذي كان يقبض معاشه الشهري بالدولار الأميركي وبعد الأزمة أصبح يقبض نصف معاشه بالليرة اللبنانية مُقوّم على سعر صرف الليرة الرسمي. وبالتالي يشتري السلع والبضائع خصوصًا الغذائية منها، على سعر صرف دولار الصيارفة!

هذه الحالة الحقيقية تعكس التراجع الإجتماعي لقسم كبير من المواطنين اللبنانيين الذي تخلّوا عن إستهلاك الكماليات والمواد غير الأساسية وركّزوا إستهلاكهم على المواد الغذائية والأساسية.

التجار من جهتهم (بالطبع لا نشمل الجميع)، لا يقومون بلعب دور وطني بل يهتمون بأرباحهم اليومية على حساب المواطن. فالمستوردون منهم يُطالبون مصرف لبنان بتمويل إستيرادهم بالدولارات ويرفضون دفع الفارق على الـ 15% من قيمة الإستيراد بالدولار الأميركي، في الوقت الذي يقومون به بتخزين الدولارات في الخزائن والمنازل حالهم حال المواطنين!

ألا يتطلّب الوضع الذي نعيش فيه حسًا وطنيًا يتحمّل فيه التاجر مسؤولية الرأفة بالمواطن اللبناني؟ ألا يتطلّب الوضع الذي نعيش فيه حسًا وطنيًا يتحمّل فيه المواطن مسؤولية الرأفة بالليرة اللبنانية عبر عدم سحب الأموال من المصارف وتخزينها في المنازل؟ ألا يتطلّب الوضع الذي نعيش فيه حسًا وطنيًا تتحمّل فيه السلطة السياسية مسؤولية الرأفة بالكيان اللبناني عبر تشكيل حكومة للقيام بإصلاحات تُنقذ الوضع؟

القطاع المصرفي الذي يستمر بفرض قيود على السحوبات، لا يحمل مسوغاً قانونياً أللهم إلا لجم عملية الهلع التي تطال المواطنين والتي إذا فتح الباب للسحب، سينهار القطاع المصرفي بالكامل! هذه الأموال يأخذها المواطنون ويُخزّنوها في المنازل. حاكم مصرف لبنان وفي خلال مقابلة تلفزيونية، قال أن كمية الأموال بالدولار وبالليرة اللبنانية التي تمّ ضخها بين أيلول وتشرين الثاني 2019، بلغت 3 مليار دولار! وقال أنه في خلال فترة ثلاثة أشهر تمّ سحب أموال من مصرف لبنان بالليرة اللبنانية ما يوازي السحب خلال 12 سنة في الماضي!

هذا الأمر يعني أن عملية التخزين في المنازل بلغت مستويات هائلة وتُنذر بعملية شلل للماكينة الإقتصادية، وهي عملية بدأت ولو جزئيًا! فالكميات المخّزنة في المنازل والتي أصبحت توازي الـ 6 مليار دولار أميركي، أصبحت أموالاً خارج الدورة الإقتصادية وبالتالي إذا إستمرّت هذه الوتيرة من السحب، لن يكون هناك من أموال لاحقًا للقيام بأية عمليات إقتصادية!

التداعيات الإجتماعية لمثل هذا السيناريو، هي تداعيات كارثية على الصعيد الإجتماعي لأنها ستزيد من نسبة الفقر إلى مستويات عالية ستؤدّي حكمًا إلى زيادة الجريمة وعلى رأسها السرقة التي أخذت وتيرة تصاعدية في الأسابيع الأخيرة ووصلت إلى حدّ سرقة لحوم!!

بالطبع هذا الأمر وبغياب حكومة، ستكون تداعياتها كبيرة وسيدخل لبنان فوضى شاملة ولن تستطيع بعدها القوى الأمنية ضبط الأمن على كامل الأراضي اللبنانية.

لذا وبإعتقادنا الحلول تبدأ بتشكيل حكومة قادرة على إستعادة ثقة المواطنين بالقطاع المصرفي وبالإقتصاد اللبناني وذلك من خلال خطّة واضحة يكون هدفها الأساسي القيام بإصلاحات مالية وإقتصادية ومحاربة الفساد. هذه الخطوات كفيلة بإستعادة قسم من الثقة التي فقدها المواطن بالطبقة الحاكمة، القطاع المصرفي، الليرة اللبنانية والإقتصاد ككلّ!

هذه الحكومة يتوجّب عليها أن تُرضي المواطن اللبناني، الطبقة السياسية التي ستُعطيها الثقة في المجلس النيابي، والمجتمع الدولي الذي يرصد للبنان أموالاً طائلة تنتظر إجراء إصلاحات مطلوبة في شروط مؤتمر سيدر والذي تدفع فرنسا بالدرجة الأولى إلى تطبيقه بالكامل.

غياب الحكومة هو أكبر ضربة للمواطن اللبناني بحكم أن الحكومة هي التي تحمل صلاحيات أخذ القرارات الإقتصادية والمالية. وهنا يجدر الذكر أن حكومة تصريف الأعمال لم تجتمع منذ إستقالة الرئيس الحريري في تشرين الماضي، مما يعني أن هناك غياب كلّي للقرارات الإقتصادية الضرورية.

Print Friendly, PDF & Email
Source الديار الجريدة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More