بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

عجز موازنة الـ 2019.. تحدٍ كبير للحكومة

Print Friendly, PDF & Email

موقع الإقتصاد | بروفسور جاسم عجاقة

عمليًا وبفرضية أن الإنفاق العام من دون خدمة الدين العام بقي في العام 2019 كما كان في العام 2018، فإن الزيادة في إستحقاقات الدين العام والتي تفوق تفوق المليار دولار أميركي ستُضيف عجزًا على موازنة العام 2019 بنفس القيمة. أضف إلى ذلك من التصاريح الرسمية، هناك توجّه لزيادة الإنفاق على بند الكهرباء ومع الغموض الذي يلفّ عدد الموظفين الذين تمّ توظيفهم في العام 2018 وزيادة الإعتمادات المُقترحة للإنفاق التشغيلي بنسبة لا تقلّ عن 5% في وزارات ومؤسسات الدوّلة، فإنه من المتوقّع أن يُقارب عجز موازنة العام 2019 التسعة مليارات دولار أميركي!

هذا العجز يُشكّل إنتحارًا ماليًا لأن ذلك يعني أن عجز الموازنة سيتخطّى الـ 16% من الناتج المحلّي الإجمالي أي أعلى بخمسة أضعاف عن ما تنص عليه المعايير المالية العالمية (أقل من 3%).

والأهم في الأمر أن زيادة العجز في الموازنة تذهب بعكس مقررات سيدر 1 حيث تعهّدت الحكومة اللبنانية بخفض العجز بنسبة 1% سنويًا لمدّة خمس سنوات! لذا ستكون الدوّل المُقرضة في مؤتمر سيدر 1 بإنتظار موازنة العام 2019 للحكم على أداء الدولة على الصعيد المالي.

دينامية خدمة الدين العام ستتأثر بالشكل التالي:

أولًا – إرتفاع الإنفاق سيؤدّي حكمًا (مع ركود الإيرادات) إلى زيادة العجز في الموازنة؛

ثانيًا – إرتفاع العجز يعني حاجة الدوّلة إلى الإستدانة أكثر عبر إصدار سندات خزينة خصوصًا أن وزير المال علي حسن خليل صرّح أكثر من مرّة أن موازنة العام 2019 لن تحوي ضرائب جديدة؛

ثالثًا – هذه الزيادة في الدين العام ستؤدّي حكمًا إلى رفع خدمة الدين العام وبالتالي سيرتفع معها العجز؛

رابعًا – إرتفاع طلب الدوّلة على الأموال سيؤدّي إلى رفع الفوائد التي بدورها ستُقلّل من إيرادات الدوّلة نظرًا إلى تراجع الإستثمارات وأيضًا إلى رفع خدمة الدين العام بحكم إرتفاع الفوائد.

إذًا ومما تقدّم، نرى أن خدمة الدين العام بدأت مرحلة الصعود الإسّي (Exponential) أي أنه مع الوقت لن يكون الإرتفاع خطّي بل أكثر من الضعف أو الضعفين مع مرور الوقت .

مُفتاح كسرّ هذه الحلقة المُفرغة يمرّ إلزلميًا بلجم الإنفاق! فهذا الأخير هو السبب المباشر في رفع العجز ومعه خدمة الدين العام. لكن كيف للدوّلة أن تُقلّل من إنفاقها وهي المحكومة اليوم ببندين يُشكلان ما يُقارب الـ 70% من حجم إنفاقها (الأجور وخدمة الدين العام)؟

في الواقع كل ما تستطيع الحكومة فعله في بند الأجور هو وقف التوظيف وبالتالي إعفاء الخزينة من زيادة 435 مليون دولار أميركي سنويًا. أما بند خدمة الدين العام، فلا حول ولا قوة. ويبقى أن البندين الذين يُمكن للحكومة العمل عليهما هما : بند الكهرباء والذي فاقت كلفته الـ 2 مليار دولار أميركي في العام 2018، وبند الإنفاق التشغيلي (تجهيزات، سفر، إيجارات…).

على كلٍ بدون زيادة إيرادات الدوّلة، من شبه المُستحيل لجم العجز! وبالتالي أمام الحكومة عدد من الخيارات:

أولًا – إعادة فرض رسوم جمركية على البضائع المستوردة والتي لها مثيل في لبنان؛

ثانيًا – فرض ضرائب ورسوم على الأملاك البحرية والنهرية وخط سكة الحديد؛

ثالثًا – فرض ضريبة على الشقق الشاغرة وهذا الأمر يُساعد في حل مُشكلة السكن للعديد من الشباب؛

رابعًا – فرض ضريبة على الحسابات المصرفية التي تفوق مستوى مُعين وغير مُستخدمة في الإستثمارات في الإقتصاد؛

خامسًا – رفع فاتورة الكهرباء تدريجيًا لتخفيف عجز الموازنة (الكلفة على المواطن تبقى أقلّ من المرور عبر دعم الخزينة)؛

سادسًا – فرض ضريبة إضافية على سعر صفيحة البنزين (هذا الأمر يُشكلّ إقتراح من صندوق النقد الدولي)؛

سابعًا – رفع الضريبة على القيمة المُضافة لتُصبح 12% (هذا الأمر يُشكلّ أيضًا إقتراح من صندوق النقد الدولي).

على كل الأحوال، ستكون الخيارات صعبة أمام الحكومة خصوصًا أن فتح ملفّ الفساد في هذه اللحظة سيُصعّب أي إجراء ضريبي للجم المخاطر الناتجة عن إرتفاع العجز في موازنة العام 2019 إن على الصعيد الشعبي أو حتى على الصعيد السياسي.

من هذا المُنطلق نرى أن الحكومة تعيش أكبر تحدٍ لها والذي يتمثّل بقدرتها على لجم عجز موازنة العام 2019 عملًا بشروط مؤتمر سيدر 1 ولكن أيضًا عملًا بمبدأ أن إرتفاع العجز في موازنة العام 2019 سيكون له تداعيات كثيرة ستطال الكيان اللبناني بالكامل!

الجدير ذكره أن عجز موازنة العام القادم يتعلّق بشكل كبير بعجز موازنة العام الحالي، وبالتالي فإن أي إرتفاع في عجز موازنة العام 2019 سيكون له تداعيات سلبية على عجز موازنة العام 2020 مما يُشكّل حلقة مُفرغة سيكون الخروج منها مؤلمًا مع مرور الوقت. من هذا المُنطلق، ننصح الحكومة اللبنانية بالإسراع بإتخاذ الإجراءات التصحيحية الملاءمة للجم عجز موازنة العام 2019 قبل فوات الآوان وذلك مهما كان الثمن السياسي الواجب دفعه!

Print Friendly, PDF & Email
مصدر موقع الإقتصاد

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More