Professor Jassem AJAKA
Physicist | Economist

عام 2019 عام فقدان الثقة بالإقتصاد واستعادتها مُمكنة.. سياسياً

الشرق | بروفسور جاسم عجاقة:

إذا أردنا وصف العام 2019، يُمكن القول بكل بساطة أنه عام فقدان الثقة بالإقتصاد، القطاع المصرفي، والسلطة السياسية! هذا الوصف هو وصف لواقع أليم نتج عن التخبّط السياسي الذي يعصف بلبنان منذ إنتهاء الحرب الأهلية والذي منع تطبيق أية سياسات أو خطط إقتصادية.

نعم منذ إنتهاء الحرب الأهلية وحتى الساعة، الإقتصاد اللبناني يسير على مقولة «سرّ وعين الله تراعاك». فالخلافات السياسية منعت وضع أو تنفيذ خطّة إقتصادية مُتكاملة فيها رؤية إقتصادية لما تُريد الحكومة أن يكون الإقتصاد في المُستقبل. وبالتالي أخذ هذا الإقتصاد، خصوصًا منذ العام 2006، منّحًا خداماتيًا بإمتياز نظرًا إلى الحاجة القليلة لرأس المال في القطاع الخدماتي وسرعة الـ Payback على هذا النوع من المشاريع. ومعروفًا أن قطاع الخدمات هو قطاع إقتصادي ذات قيمة مُضافة منخفضة نسبة إلى قطاعي الصناعة والزراعة.

من هذا المُنطلق كان مُعظم الإستثمارات التي شهدها لبنان منذ العام 2007 وحتى العام 2010 إستثمارات في قطاع الخدمات مما يعني أن النمو الإقتصادي كان عرضة للخضّات السياسية والأمنية التي عصفت بالبلاد منذ العام 2011 وحتى اليوم.

إستقالة الرئيس سعد الحريري من السعودية في تشرين 2017، كانت نقطة تحوّل في النظام المالي اللبناني. فهذا النظام المعروف بمتانته وملاءته وقدرته على إمتصاص الصدمات في أحلك الظروف، تلقّى ضربة كبيرة تمثّلت بزعزعة هيكلته. ومع تزامنها مع إقرار سلسلة رتب ورواتب غير مدروسة، أصبح العام 2018 عام تراجع فيه الوضع الإقتصادي والمالي بشكل كبير خصوصًا مع حكومة تصريف أعمال لم تلتئم مرة واحدة بين أيار وكانون الأول من العام 2018.

العام 2019 ظهر مع حكومة تصريف أعمال وأجواء سياسية وإقتصادية سلبية جدًا. لكن تشكيل الحكومة في أواخر كانون الثاني 2019، أطفى مشحة أمل مع إنعقاد القمة العربية الإقتصادية في بيروت ووعود قطرية بمساعدات مالية تمثّلت بشراء 500 مليون دولار أميركي من سندات الخزينة يوروبوندز.

لكن الأمل ما لبس أن بدأ بالتراجع مع بدء النقاش في موازنة العام 2019 وما أظهره هذا النقاش من فساد وهدر على كل أصعدة الدوّلة. ولم يُساعد الإحتقان السياسي في حلحلة الوضع الإقتصادي، بل أن حادثة قبرشمون شلّت الحياة السياسية ودفعت وكالات التصنيف الإئتماني إلى خفض تصنيف لبنان الإئتماني ومعها بدأت المرحلة الثانية من ضرب النظام المالي اللبناني مع بدء المودعين بسحب أموالهم من المصارف خصوصًا بعد إدراج جمّال تراست بنك على لائحة العقوبات الأميركية والذي زاد من الطلب على الدولار بشكل كبير قسم منه ذهب للتخزين والقسم الأخر للتهريب.

الإحتجاجات الشعبية التي إنطلقت في 17 تشرين الأول 2019، دفعت بالمصارف إلى الإقفال لمدة أسبوعين. خطأ جسيم شكّل الضربة الثالثة في النظام المالي اللبناني حيث تمّ فقدان الثقة بشكل شبه كلّي بالقطاع المصرفي، بالإقتصاد، وبالسلطة السياسية. فقدان الثقة هذا دفع بالمصارف إلى لجم حركة الدولار بالكاش والتحاويل إلى الخارج.

إستقالة الرئيس سعد الحريري في تشرين 2019، أعطّت القليل من الأمل في بدء التغيير في الإدارة الإقتصادية للبلاد. لكن الإنقسام التقليدي (8/14) والمذهبي عاد ليطّغى على الأزمة وبالتالي عاد لبنان إلى حلقة حلازونية نهايتها الإنهيار خصوصًا أن تشكيل الحكومة تأخّر على الرغم من تكليف الرئيس حسان دياب تشكيلها والصعوبات التي يواجهها إن داخليًا أو خارجيًا.

الواقع اليوم بالأرقام يُشير إلى وضع غير جيد على الإطلاق. فإيرادات الدوّلة تراجعت 40% منذ إنطلاق الإحتجاجات الشعبية بحسب الوزير علي حسن خليل، والدين العام اللبناني أقفل على 87 مليار دولار أميركي في نهاية شهر تشرين الأوّل 2019، والإقتصاد اللبناني يُقفل العام على إنكماش سيكون 0.5% في أحسن الأحوال. وماذا نقول عن أزمة الدولار التي سببتها الضغوطات الخارجية والتي أطاحت بنموذج إقتصادي فاشل مبني على الإستيراد، حيث أن القيود على الدولار الأميركي دفعت بالعديد من الشركات إلى تقليص نشاطها الإقتصادي وصرف العديد من الموظّفين أو خفض أجرهم إلى النصف. أيضًا إنعكست أسعار دولار الصيرفة في أسعار السلع والبضائع وتسبّبت بأزّمة محروقات وخبز وغيرها. ولم تُساعد القوى الخارجية كثيرًا في لملمة الوضع الإقتصادي والمالي، حيث صدر عن مؤسسات دوّلية عشرات الدراسات المتشائمة التي تتناول الإقتصاد والمالية العامة والتي لجمت إلى حدٍ بعيد رغبة المُستثمرين، ساعدها في ذلك جوّقة من الطبّالين الداخليين الذي يعتلون المنابر والشاشات مُبشّرين بإنهيار المالية العامة والإقتصاد و… ولبنان!

على كلٍ وصلنا اليوم إلى واقع، تفرض فيه القوى الخارجية شروطها لمساعدة لبنان. هذه الشروط التي تفوق قدرة لبنان على تنفيذها، تُلقي بغموض على مستقبل الإقتصاد والمالية العامة في العام 2020. وبالتالي، زاد الهلع في الأسواق مع توقّعات بتشديد الإجراءات المصرفية نتيجة تلبّد الرؤية السياسية. هذا الأمر يطرح ثلاثة سيناريوهات:

الأول: رؤية تفاؤلية وتنص على تشكيل حكومة تُرضي الداخل والخارج وتقوم بإجراءت إصلاحية وإنقاذية مما يعني أن العام 2020 سيكون عامًا صعبًا ولكن الأمور ستتحسّن إبتداءًا من العام 2021.

الثاني: رؤية تشاؤمية وتنصّ على عدم القدرة على تشكيل حكومة أو تشكيل حكومة لا تُرضي الداخل والخارج. هذا الأمر يعني أن المالية العامّة ستُعاني بشكل كبير كما أن المصارف ستقوم بإجراءات مُتشدّدة على الأمد الطويل إضافة إلى فقدان العديد من المواد الغذائية وزيادة نسبة الفقر وإرتفاع نسبة الجريمة.

الثالث: رؤية وسطية تنصّ على تشكيل حكومة لا تُرضي بالضرورة الجميع ولكنها ستكون قادرة على إمتصاص جزء من التداعيات الناتجة عن الأزمة الحالية. وبالتالي سيكون الوضع إستمرار للوضع القائم مما يعني إعطاء جرعة أوكسيجن لإقتصاد والمالية العامة من دون أن يكون هناك حلّ مستدام.

Print Friendly, PDF & Email
Source جريدة الشرق الجريدة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More