بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

صندوق النقد.. شراء مصرف لبنان لسندات الخزينة يُضعف قدرته في الدفاع عن الليرة

الديار | بروفسور جاسم عجاقة

كان من المفروض أن تنتهي لجنة المال والموازنة من كتابة تقريرها الذي سترفعه إلى رئيس مجلس النواب الاثنين الماضي. هذا التقرير الذي يُعتبر كتأشيرة دخول مشروع الموازنة إلى الهيئة العامّة لم يُبصر النور بعد، وبالتالي فإن مناقشة الهيئة العامّة للمشروع مُعلّقة إلى حين الانتهاء من كتابة هذا التقرير. في هذا الوقت يتكبّد الاقتصاد ومالية الدوّلة خسائر فادحة تُقدّر بـ 30 مليون دولار يوميًا نتيجة التأخير في إقرار الموازنة. هذه الخسائر ما هي إلا نتاج الجمود الاقتصادي الذي يُسببه تأخير إقرار الموازنة وبالتالي تراجع مداخيل الخزينة وارتفاع كلفة الدين العام.

أسابيع تمّت خسارتها في جلسات مجلس الوزراء ولجنة المال والموازنة في مناقشة الإجراءات الواجب اتخاذها. وهنا يكمن خطأ السلطة التي لم تحسب حساب عامل الوقت ولا نوعية الإجراءات إلا بخلفيات سياسية. نعم الاقتصاد يتجهّ إلى الانكماش ومالية الدوّلة إلى تردّي أكبر والمُشكلة أن السلطة لم تعد تملك الوقت لاتخاذ أيّ إجراءات إلا فرض الضرائب أو مكافحة الفساد.

ساعات لمناقشة ضريبة على الأركيلة تؤمّن 150 مليار ليرة في أحسن الأحوال وفي المُقابل مليارات الدولارات من أملاك بحرية ونهرية وتهريب جمركي لا تُبحث إلا بدقائق. والأصعب أن المعنيين اختاروا كبديل تحميل مصرف لبنان عجز موازنة الدولة وما له من تدعيات سلبية على الثبات النقدي وبالتالي على المواطن. لكن صندوق النقد الدولي كان لهم بالمرصاد بقوله ان شراء مصرف لبنان لسندات الخزينة أو اشتراكه في أي عملية لها علاقة بموازنة الدوّلة اللبنانية يُضعف من قدرته في الدفاع عن الليرة اللبنانية.

في هذا الوقت، يقف مصرف لبنان في مواجهة العاصفة المالية التي تعصف بلبنان ويدفع مُستحقات الدولة اللبنانية نصف مليار دولار أميركي من هنا و650 مليون دولار من هناك… وبحسب مرصدنا الاقتصادي، نتوقّع اشتداد هذه العاصفة في الأشهر القادمة لتصل إلى الذروة في أواخر هذا العام وبداية العام القادم.

لجنة المال والموازنة

عقدت لجنة المال والموازنة نهار الاثنين جلستين الأولى عند الساعة العاشرة صباحًا والثانية عن الخامسة بعد الظهر. وبحسب البيان الرسمي على البوابة الإلكترونية لمجلس النواب، أقرّت اللجنة موازنة الطاقة والمياه بإداراتها ومؤسساتها كافة مع إقرار سلفة إجمالية لمؤسسة كهرباء لبنان بقيمة 2500 مليار ليرة لبنانية بدل 1700 مليار وذلك لسداد العجز الناجم عن ارتفاع أسعار المحروقات كما تمّ شطب 4.5 مليار ليرة لبنانية من مساهمات الخزينة من مؤسسات المياه. وطالبت اللجنة بحسب رئيسها تفاصيل عن قانون البرنامج الذي يتعلّق بإنشاءات جديدة لمعامل الكهرباء والسدود. كما أقرّت اللجنة موازنات وزارة الخارجية والمغتربين، وزارة المالية، ووزارة الاتصالات بإدارتها ومؤسساتها كافة باستثناء أوجيرو. وتمّ تعليق بعض البنود المُتعلّقة بمساهمات في هذه الوزارات. الجدير ذكره أن اللجنة أقرّت في جلسة الأحد الماضي موازنات المجلس الدستوري، وزارة العدل ووزارة العدل.

أمّا جلسة الأربعاء المسائية، فقد شهدت إقرار كل من موازنة الإتصالات وأوجيرو باستثناء مساهمات الرواتب وبند تجهيزات وبند صيانة التي تمّ تعليقها ليصل مجموع كل بنود الموازنة المُعلّقة إلى 28 بندًا من أصل 100 بند!

من ناحية أخرى حمّل رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان مسؤولية تأخير قطوعات الحسابات عن الأعوام الماضية إلى الحكومة. وقال ان هذه القطوعات لم تصل ولتُحدّد كل كتلة موقفها في هذا الشأن مُشدّدًا على ضرورة احترام المادة 87 من الدستور.

وكان النائب كنعان قدّ صرّح الأسبوع الماضي أن نهار الاثنين 1 تمّوز سيزف الى اللبنانيين خبر الانتهاء من كتابة التقرير الذي سيرفعه إلى رئيس مجلس النواب. إلا أن الظاهر أن الأمور ستأخذ وقتًا أكثر من ذلك!

مشروع الموازنة والقاعدة الاثني عشرية

إذًا من الواضح أن هناك عوائق كثيرة أمام مشروع الموازنة قبل وصوله إلى الهيئة العامّة. مما يعني أن التمديد للحكومة للصرف على أساس القاعدة الاثني عشرية إلى آخر تمّوز الجاري لم يكن وليد الصدفة حيث كانت تعرف لجنة المال والموازنة الصعوبات التي ستواجهها.

الصعوبات كثيرة وكثيرة جدا خصوصا مع صدور تقارير وكالات التصنيف الائتماني وأخيرا تقرير صندوق النقد الدولي. ويُمكن تقسيم هذه الصعوبات إلى قسمين:

أولا – صعوبات مالية وتتمثّل بثلاثة بنود أساسية تُحدّد مصير عجز الموازنة وبالتالي مصداقية الدوّلة اللبنانية أمام المُجتمع الدوّلي وهي رسم الـ 2% على الإستيراد، قرض الـ 11 ألف مليار ليرة بفائدة 1%، وملف العسكريين وهي بنود تمّ نسفها من الشارع (بند العسكريين) ومن صندوق النقد الدولي (بند الـ 11 ألف مليار) ومن الكتل النيابية (رسم الـ 2% على الإستيراد). هذه البنود وحدها مسؤولة عما لا يقلّ عن 1.6 مليار دولار أميركي، أي ما يوازي 3% من الناتج المحلّي الإجمالي، وبالتالي هناك استحالة العودة إلى عجز مشروع الموازنة كما أحالته الحكومة إلى المجلس النيابي.

وهذا الأمر يعني أن لا خيار أمام الحكومة إلا بفرض ضرائب ورسوم جديدة بحكم أنها الوحيدة التي لها مردود أكيد (خصوصا الضريبة على القيمة المضافة والرسم على صفيحة البنزين) إضافة إلى رفع الدعم عن العديد من الخدمات والسلع التي تدعمها الحكومة اللبنانية. لكن هذه الإجراءات تُرعب المسؤولين لما لها من تداعيات سلبية على الشارع مع علمهم الضمّني أنه لا يوجد حلول أخرى إلا بمحاربة الفساد.

ثانيا – صعوبات قانونية وتتمثّل بقطوعات الحساب التي لا نعرف بأي صيغة سيتمّ إقرار الموازنة من دونها، وهل ستكون هناك تسوية على أساس «عفا الله عمّا مضى» أو أن هذا الأمر سيكون عائقًا أمام الموازنة لإقرارها عملاً بالمادّة 87 من الدستور اللبناني.

على كلٍ من الواضح أن استمرار الصرف على أساس القاعدة الاثني عشرية، ومذكرة الوزير علي حسن خليل بمنع مراقبي عقد النفقات من التأشير على النفقات باستثناء الأجور وملحقاتها، له تداعيات إيجابية على الإنفاق العام بدليل تصريح حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أن عجز الأشهر الأربعة الأولى من العام 2019 لم يتعدّ المليار دولار أميركي. وهذا يعني أنه من المُحتمل أن تعمدّ القوى السياسية إلى خيار الاستمرار في الصرف على أساس القاعدة الاثني عشرية نظرا لما تُحقّقه من نتائج على صعيد العجز ولكن بالطبع على حساب النمو الإقتصادي.

كما ان تراكم المستحقات المالية على الدولة قد يرفع من نسبة العجز عند استحقاقات الدفع.

مصرف لبنان وسندات الخزينة

لم يستخدم صندوق النقد في تقريره قفازات (كفوف) لنهيّ الدولة عن اقتراحها فرض قرض على مصرف لبنان بقيمة 11 ألف مليار ليرة بفائدة 1%، إذ طلب من مصرف لبنان بكل وضوح وقف كل العمليات التي يقوم بها ولها علاقة بموازنة الدولة اللبنانية. وبالتحديد تحدّث عن عمليات شراء سندات الخزينة وعمليات الـ«swaps» وبرّر هذه الدعوة بقوله ان مصرف لبنان يخسر من قدرته في الدفاع عن الثبات النقدي بحكم أن ربحيته تتآكل نتيجة دعمه للدولة اللبنانية. ويُضيف تقرير الصندوق أن استمرار المصرف المركزي اللبناني في دعم خزينة الدولة من خلال عمليات الـ«swaps» وشراء سندات الخزينة جعلته من أكبر حاملي هذه السندات، وتُعرّضه لدين الدولة بنسبة تفوق 68.5% من إجمالي موجودات المصرف المركزي.

الجدير ذكره أن الثبات النقدي هو مطلب أساسي في كل الإقتصادات العالمية لأنه الوحيد القادر على الحفاظ على حياة كريمة للمواطن ولكن في الوقت نفسه يفتح آفاقاً استثمارية لأن المُستثمر يعرف أنه يُمكن الاستثمار في العملة الوطنية بحكم أنها تُشكّل ملاذاً آمناً.

ويأتيك البعض ليقولون ان تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية يكلّف الدولة أموالا طائلة. لكن ما لا يعرفه هؤلاء أو لا يُريدون معرفته لغاية ما في نفس يعقوب، أن أموال مصرف لبنان مفصولة عن أموال الدولة ولا يُمكن بأي شكلّ من الأشكال لأي عملية يقوم بها مصرف لبنان أن تُحمّل الدولة ولو قرشا واحدا. كما تناسى هؤلاء أن كلفة تثبيت سعر صرف العملة الوطنية هي أقلّ من كلفة تحريرها خصوصا في البلدان التي لا تتمتّع بثبات سياسي أو أمني.

يُشدد صندوق النقد الدولي في تقريره على أن السياسة المالية التوسّعية للحكومة اللبنانية (أي الإنفاق المُفرط) أجبرت مصرف لبنان على اعتماد سياسة نقدية انكماشية للمحافظة على الثبات النقدي. وهذا يعني خفض تمويل الاقتصاد وبالتالي تقليص حجم القروض إلى الاقتصاد المُنتج، وهذا ما نراه في موازنات المصارف التجارية التي تتبع سياسة رفع مديونية تجاه القطاع الخاص عبر تخفيض حجم القروض المُعطاة.

خسائر ناتجة من تأخير إقرار الموازنة

إن تصريح حاكم مصرف لبنان على هامش مؤتمر اليوروموني المُنعقد في بيروت الشهر المُنصرم، كان كضخ أمل في الأسواق. لكن هذا التصريح حمل أيضا في طيّاته إشارات سلبية عن الوضع الاقتصادي عبر قوّله ان نمو الاقتصاد في الأشهر الأربعة الأولى من العامّ 2019 هو صفر بالمئة. والمُطّلع على النظرية الاقتصادية، يعلم جيدا أن هناك مبدأ يُسمّى بالـ «Inertia» والذي يُستخدمّ في كثير من الحالات للقيام بتوقّعات النمو في الاقتصاد. وتطبيق هذا المبدأ على الاقتصاد اللبناني يؤدّي إلى استنتاج أساسي ألا وهو أن النمو الاقتصادي في لبنان في العام 2019 في أحسن الأحول سيكون صفراً بالمئة (مقارنة بـ 0.2% في العام 2018).

وإذا كانت مصداقية رياض سلامة في الأسواق كافية للتوقّف عند هذا الاستنتاج، إلا أن مؤشرات أخرى تأتي لتدعم هذه الفرضية وتذهب أبعد من ذلك لدعم فرضية الانكماش الاقتصادي في حال لمّ يتمّ القيام بإجراءات سريعة. وعلى رأس هذه المؤشرات الميزان الأوّلي الذي من المفروض أن يؤدي دورا حاسما في لجم الدين العام عبر تسجيله فائضا بقيمة أعلى من قيمة خدمة الدين العام. إلا أن الحقيقة المُرّة هو أن الميزان الأوّلي الذي يُعتبر مؤشراً لقوة الماكينة الاقتصادية، لا يُسجّل فائضا أعلى من خدمة الدين العام وفي مُعظم الأحيان يُسجّل عجزا!!

أيضًا من المؤشرات الأخرى مقاصة الشيكات التي سجّلت انخفاضا كبيرا في الربع الأخير من العام الماضي وحتى اليوم، وبورصة بيروت التي تعكس إلى حدٍ مُعين حركة السوق حيث انخفضت قيمة مُعظم الأسهم المُتداولة لتعكس بذلك صعوبة الوضع الاقتصادي. ولا يجب نسيان القطاع العقاري وتراجعه منذ أزمة قروض الإسكان التي سببتها سلسلة الرتب والرواتب، بالإضافة إلى ميزان المدفوعات الذي سجّل في الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام عجزًا بقيمة 3.3 مليار دولار أميركي.

ويأتي التأخّر في إقرار الموازنة ليُجمّد السوق بشكل شبه كامل مع غياب الإستثمارات وتراجع الإستهلاك كل هذا بانتظار إقرار الموازنة وبدء قدوم أموال مؤتمر سيدر. إلا أنه بدل الإسراع في إقرار الموازنة سريعا، تأخذ السلطة أشهرا لإقرارها في ظل ظروف أقلّ ما يُقال عنها انها مصيرية وبحاجة فورا إلى إجراءات تصحيحية.

وبحسب المحاكاة التي قمّنا بها فإن كلّ يوم تأخير في إقرار الموازنة يُكلّف الاقتصاد 30 مليون دولار أميركي خسائر مباشرة وغير مباشرة إضافة إلى ستة ملايين دولار أميركي على خزينة الدولة.

هذا الإطار الأسود الذي رسمناه من خلال ما أوردناه يهدف إلى لفت انتباه المسؤولين إلى خطورة الوضع الإقتصادي ومن خلفه المالي العام، كما وضرورة الاسراع في إقرار الموازنة. لكن هذا لا يعني أن الأمور ميؤوس منها، فبعض الإجراءات كفيلة بتدارك الوضع حتى لو كانت الكلفة السياسية لهذه الإجراءات عالية.

مصدر الديار الجريدة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More