Professor Jassem AJAKA
Physicist | Economist

صراع بين التساؤل اللبناني والملاحظات القاسية لصندوق النقد الدولي

الديار | بروفسور جاسم عجاقة

من أكثر التقارير دِقّةً في تشخيص الواقع الاقتصادي والمالي اللبناني ووصف حلول له، كان بدون أدّنى شك تقرير صندوق النقد الدولي الأخير. ثلاثة محاور تُلخصّ العمل الذي يجب القيام به لدعم الاقتصاد والمالية العامة: (1) خطّة ضريبية على الأمد المتوسّط تهدف إلى تحقيق فائض أولي عال ومُستدام يسمح بتخفيف نسبة الدّين العام إلى الناتج المحلّي الإجمالي مع الوقت؛ (2) إصلاحات هيكلية أساسية لتعزيز النمو والقدرة التنافسية الخارجية، بدءا من تحسين الحوكمة كما وتنفيذ خطة إصلاح قطاع الكهرباء وتوصيات الرؤية الاقتصادية للبنان؛ و(3) تدابير لزيادة صمود القطاع المالي من خلال ميزانية عمومية أقوى لمصرف لبنان والاستمرار في زيادة رؤوس أموال المصارف.

ثلاثة محاور تُلخصّ كل ما يجب فعله من قبل الحكومة لخروج من الأزمة، لكن بالنظر إلى الإجراءات المُتخذة في مشروع موازنة 2019 المُحال من قبل الحكومة إلى المجلس النيابي وكذلك التعديلات التي قامت بها لجنة المال والموازنة على المشروع، نرى أن هناك إجراءات تذهب عكس توصيات صندوق النقد الدولي وتُشكّل خطرا على الثبات المالي والنقدي للدولة اللبنانية.

هدف هذا المقال ليس الانتقاد بل تسليط الضوء على خطورة بعض الخطوات الموجودة في المشروع والتي قد تنتج منها تداعيات كارثية قد تحصل، علّ المعنيين يأخذون بعين الاعتبار ما نقوله.

ماذا قال صندوق النقد؟

في تقريرها الأوّلي عن نتائج زيارتها للبنان، قالت بعثة صندوق النقد الدولي أن «لدى الحكومة اللبنانية فرصة لتنفيذ إصلاحات أساسية لإعادة التوازن إلى الاقتصاد اللبناني حتى لو كان الوضع الحالي صعباً بسبب العجز التوأم (عجز الموازنة وعجز الحساب الجاري) والدين العام المرتفع والنمو المنخفض». وأضافت «على الرغم من قيام الحكومة ببعض الإجراءات التي تذهب بالاتجاه الصحيح مثل إصلاح قطاع الكهرباء وتخفيض العجز، إلا أن هذه الإجراءات تبقى غير كافية إذ ان هناك حاجة إلى مزيد من التصحيح الضريبي وإصلاحات هيكلية لتحسين بيئة الأعمال والحوكمة في لبنان».

وحدّدت البعثة في تقريرها الثلاثة المحاور الآنفة الذكر التي يجب العمل عليها للخروج من الوضع الحالي. لكن ما يجب الوقوف عنده بالتفاصيل هو الفقرة «C» في تقريرها التي تتناول السياسة النقدية والاستقرار المالي.

أكدّ التقرير على أن مصرف لبنان «ركيزة الاستقرار المالي والكيان الحارس لنظام سعر صرف الليرة». وأضاف أن هذا الأمر آتى على حساب إثقال كاهل ميزانيته العمومية وزاد من الروابط بين القطاع المصرفي والمالية العامة للدولة اللبنانية. وأضاف التقرير أن «العمليات المالية» (ومن بينها الهندسات المالية) التي قام ويقوم بها مصرف لبنان زادت حيازته على الدولار الأميركي من «دون أن يكون لذلك أي تأثير في الفائدة على الودائع القديمة ولا في الدين العام». للتذكير أن بعض المتابعين للسياسة النقدية في لبنان، انتقدوا حاكم مصرف لبنان بتهمة تحميل الدولة كلفة الهندسة المالية وها هو الردّ يأتي من أعلى منظّمة مالية في العالم ويُثبت أن هذه الاتهامات كانت سياسية بحت.

ويُضيف التقرير أن التعرّض لسندات الخزينة والودائع لدى مصرف لبنان أصبح يُشكّل 68.5% من إجمالي الأصول، مُضيفا أن مقابل السياسة المالية المُفرطة (سلسلة الرتب والرواتب بالدرجة الأولى) التي تقوم بها الحكومة اضطّر مصرف لبنان الى اعتماد سياسة نقدية انكماشية وذلك بهدف منع أي تداعيات تمثّلت (أي السياسة الانكماشية) برفع الفوائد على الأمد القصير بهدف جذب مزيد من الودائع. وللتذكير انتقد العديد من المسؤولين رفع الفائدة والأن يأتي الجواب من صندوق النقد الدولي أنه لولا رفع الفوائد، لكانت السلسلة قضت على مالية الدولة.

ويُضيف صندوق النقد الدولي أن رفع الفوائد أدّى إلىى انكماش القروض إلى القطاع الخاص (وهذا أمر طبيعي) مُشدّدًا على أن هناك ضرورة للضبط المالي (من قبل الدولة) مما سيؤدّي إلى انخفاض أسعار الفائدة.

وأهمّ ما ورد في هذا التقرير باعتقادنا هو دعوة صندوق النقد لمصرف لبنان لتقليص عملياته مع مالية الدوّلة وتقوية ميزانيته. ويشرح التقرير أكثر هذا الأمر عبر قوله «على مصرف لبنان أن يتراجع عن شراء السندات الحكومية والسماح للسوق بتحديد العائد على أدوات الدين الحكومية. ذلك أن شراء أدوات الدين الحكومية المقترحة ذات الفائدة المنخفضة من شأنه إضعاف الميزانية العمومية للمصرف وتقويض مصداقيته». أي بمعنى آخر أن الاقتراح الحكومي بتحميل مصرف لبنان كلفة قرض الـ 11 ألف مليار ليرة بفائدة 1% سيؤدّي إلى إضعاف ميزانية مصرف لبنان العمومية ومعه دور مصرف لبنان كركيزة الثبات المالي والنقدي. وشدّد التقرير على ألا يكون هناك أي ضغط على المصارف اللبنانية لشراء هذه السندات!

ويذهب التقرير أبعد من ذلك عبر توصيته برفع رأسمال المصارف وهذا ما حققته هندسة مصرف لبنان في العام 2016 والتي قامت الدنيا ولم تقعد على «كيف استفادت المصارف بأرقام خيالية؟» مع العلم أن معظم ما جنته من إيرادات ذهب لتدعيم رأسمالها!

أيضا نجد في التقرير دعوة جدّية للحكومة لمحاربة الفساد والهدر اللذين تبقى كلفتهما عالية على خزينة الدوّلة.

خطر الموازنة على الثبات المالي والنقدي

إذا من خلال تقرير صندوق النقد الدولي ومن خلال مشروع موازنة العام 2019 نستخلص الملاحظات التالية:

أولاً: صندوق النقد الدولي دعا مصرف لبنان الذي هو ركيزة الثبات المالي والنقدي إلى تقليص عملياته مع مالية الدولة والانسحاب من سوق السندات، إذ اعتبر أن الدخول في قرض الـ 11 ألف مليار ليرة لبنانية بفائدة الـ 1%، سيُقوّض مصداقيته ويُهدّد الثبات المالي والنقدي.

في المقابل تقترح الحكومة ومن بعدها لجنة المال والموازنة أن تقترض الدولة من مصرف لبنان 11 ألف مليار ليرة لبنانية بفائدة 1% في حين أن فائدة السوق هي 13.5% (الفائدة الإسمية)! وهذا الأمر يُعارض توصيات صندوق النقد الدولي. فهل تُشكّك الدولة في تقرير صندوق النقد الدولي؟ ما هو الهدف من هذا الاقتراح؟ إذا كان الهدف الهروب إلى الأمام من خلال خفض العجز هذا العام، فالحقيقة إنها ستجد هذا العجز في وجهها العام المُقبل والحل يكون عبر ما اقترحه الصندوق أي سياسة ضريبية ملائمة.

ثانيا : دعا صندوق النقد الدولي الحكومة إلى تعزيز الميزان الأوّلي وذلك بهدف خفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحّلي الإجمالي مُضيفا أن على الحكومة تحسين بيئة العمل. رسم الـ 2% على الاستيراد الذي كان من المفروض أن يُحسّن الميزان الأوّلي ويدعم الصناعة الوطنية، تمّ نسفه في لجنة المال والموازنة بحجّة أنه يُشكّل ضريبة على المواطن (وهذا أمر غير صحيح!). في الواقع كلّ البضائع التي يستهلكها المواطن ذو الدخل المحدود مُنتجة في لبنان وبالتالي نرى أن السلطة السياسية تذهب عكس توصيات صندوق النقد مما يعني أننا أمام ارتفاع مُستمرّ لنسبة الدين العام إلى الناتج المحلّي الإجمالي.

ثالثا: طلب صندوق النقد تعزيز رأسمال القطاع المصرفي وذلك حماية لأموال المودعين عملاً بمبدأ أساسي في القطاع المصرفي وهو «رأس المال هو الوحيد القادر على امتصاص الخسائر». بدل ذلك، قامت الحكومة بفرض ضرائب على فوائد الودائع المصرفية للمصارف ومصرف لبنان. وهذا الأمرّ يُقلّل من رساميل المصارف عبر تقليل ربحية القطاع المصرفي. الجدير ذكره أنه ومنذ العام 2010، قام رياض سلامة بالطلب من المصارف باقتطاع 25% من أرباحها وضخّها في رأس المال.

رابعًا: طلب صندوق النقد الدولي من الحكومة إصلاحات هيكلية أساسية لتعزيز النمو والقدرة التنافسية الخارجية، بدءًا من تحسين الحوكمة كما وتنفيذ خطة إصلاح قطاع الكهرباء وتوصيات الرؤية الاقتصادية للبنان. وبدل ذلك عمدت لجنة المال والموازنة إلى زيادة الاعتمادات لمؤسسة كهرباء لبنان بقيمة 1000 مليار ليرة بعدما كانت الحكومة خفضتها بالمبلغ نفسه. أيضا وبدل أن تكون هناك إجراءات لتدعيم الحوكمة، تُعتبر الإجراءات المُتخذة في مشروع الموازنة بهدف محاربة الفساد خجولة جدا ناهيك بغياب شبه كلّي لإجراءات لتحسين الجباية حيث انه في موازنة العام 2018 تمّ تحصيل 65% فقط من الإيرادات المُتوقّعة! الجدير ذكره أن مُستحقات الدولة لدى المواطنين من ضرائب ورسوم وفواتير تفوق الأربعة مليارات دولار أميركي.

بالطبع اللائحة طويلة ونكتفي بهذا القدر من النقاط التي تُعارض فيها الموازنة توصيات صندوق النقد الدوّلي.

مصرف لبنان من كل هذا

وقال تقرير صندوق النقد الدوّلي: لا قدرة للقطاع المصرفي على تحميله عجز الموازنة. واذا كان هذا القطاع قد قام بإقراض الدولة بفائدة صفر في العام 2002، إلا أن الظروف الحالية مع ازدياد المخاطر السيادية لا تسمح له بتحمّل هذه المخاطر الناشئة بحكم أنه مؤتمن على أموال المودعين وبالنسبة لرياض سلامة «أموال المودعين خطّ أحمر».

لكن حاكم مصرف لبنان يتعرّض لضغوطات عديدة وعلى رأسها عدم تعيين نواب له مما يجعله وحيدًا في مواجهة ما يحصل. إلا أن الحِمل أصبح ثقيلا جدا مع الهجمات المتواصلة عليه وكأن هناك خطّة ما لدفعه إلى الإستقالة. لكن الرهان على هذا الأمر هو رهان خاسر، ولن يستقيل.

التوطين لن يمرّ من بوابة التهديد المالي

إذا كانت الأيدي الخارجية تُحاول تركيع لبنان من بوابة افتعال أزمة مالية، فإنها مُخطئة في ذلك. لقدّ قالها فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون «لا للتوطين»! لن يكون هناك توطين ولسنا بحاجة إلى أموال من الخارج، بل جلّ ما نحن بحاجة إليه هو قرارات واضحة من قبل المسؤولين. هذه القرارات أعطاها صندوق النقد الدولي في تقريره وهو الذي يتمتّع بخبرة واسعة مع مواكبة عشرات البلدان في عمليات استعادة التوازن المالي وآخرها اليونان ومصر.

هذه القرارات هي في يدّ السلطة السياسية في لبنان التي نتمنّى عليها أولا سحب اقتراح قرض الـ 11 ألف مليار ليرة لبنانية في مشروع الموازنة وإعادة رسم الـ 2% على كل البضائع المستوردة، ومحاربة الفساد في عرينه (أي الأملاك البحرية والنهرية والجمارك والتهرّب الضريبي وغيرها). وإذا لزم الأمر وبقينا في مستويات عالية من العجز فرض ضرائب نوعية لا تؤذي ذوي الدخل المحدود وتُقلّص في الوقت نفسه العجز على مثال الضريبة على الشقق الشاغرة والتي تؤمّن مداخيل تنُاهز كلفة قرض الـ 11 ألف مليار ليرة لبنانية بفائدة واحد بالمئة وتحلّ في الوقت نفسه مُشكلة السكن.

التحذير لمصرف لبنان

وكان صندوق النقد الدولي قد حذر مصرف لبنان من شراء سندات الخزينة المخفضة الفائدة بعدما امتنعت المصارف عن شرائها، كذلك لم يتمكن لبنان من طرحها في الاسواق العالمية.

وتوقع صندوق النقد أن تؤدي تدابير موازنة لبنان لعام 2019 الى خفض العجز المالي إلى نحو 9.75 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وليس الى 7.59 في الئة.

وأكد صندوق النقد أنه من المهم أن يبدأ لبنان عملية تعديل مالي وإصلاحات هيكلية كبيرة لاحتواء الدين العام وزيادة النمو.

ورأى أن التنفيذ القوي لجهود الحكومة للتعديل المالي في 2019-2020 والإصلاحات الهيكلية المزمعة يمكن أن يعززا الثقة ويشجعا المانحين على صرف الأموال. وأردف أن المخاطر وأوجه الضعف ما زالت قائمة بالنسبة للبنان وعدم تحقيق الأهداف وإحراز تقدم في الإصلاحات قد يؤديان إلى تآكل الثقة.

وأشار صندوق النقد إلى أنه بناء على المعلومات الحالية من المرجح أن يتجاوز العجز المتوقع بكثير المستوى المستهدف الذي أعلنته السلطات في لبنان والمقدر بـ7.59 في المئة، وسيبقى العجز عند نقطة 9.75 في المئة.

واوصى الصندوق بتنفيذ خطة الكهرباء بشكل سريع ومن دون تأخير لالغاء عائق اساسي من امام تنفيذ الاعمال والاستثمارات. ودعا الى الغاء تدريجي لدعم الكهرباء لتأمين وفر في الخزينة.

واكد ضرورة مضي لبنان بزيادة الضريبة على القيمة المضافة وزيادة الرسوم على المحروقات والعمل على زيادة الجباية والتحصيل في مرافق الدولة.

ولفت إلى أن مصرف لبنان المركزي حافظ على الاستقرار المالي لسنوات لكن التحديات التي يواجهها في ذلك قد نمت، واعتبر أن شراء السندات المنخفضة الفائدة المقترحة سيؤدي إلى تدهور ميزانية مصرف لبنان وتقويض مصداقيته. وتابع «على مصرف لبنان ان يتراجع عن شراء السندات الحكومة ويدع السوق تحدد العائد على ادوات الدين الحكومية». ودعا الى عدم ممارسة ضغوط على المصارف لشراء تلك السندات.

Print Friendly, PDF & Email
Source الديار الجريدة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More