Professor Jassem AJAKA
Physicist | Economist

سلّة كاملة للخروج من الأزمة وإلاّ…

الديار | بروفسور جاسم عجاقة

مع اليوم 55 على إنطلاق الإحتجاجات الشعبية في لبنان، أخذت الأوضاع السياسية، الإقتصادية، المالية، النقدية والإجتماعية بالتأزم إلى درجة أصبحت تُنذر بتداعيات من الصعب السيطرة عليها لاحقًا خصوصًا أن تشكيل الحكومة يواجه صعوبات جمّة ما يمّنع أي إجراءات عملية لتدارك التداعيات السلبية للأزمة الحالية.

الوضع الإقتصادي والمالي مُتأزّم منذ فترة طويلة، وقد تم عقد مؤتمر سيدر في نيسان من العام 2018 بهدف جذب إستثمارات والقيام بإصلاحات لتحفيز النمو الإقتصادي وإنقاذ المالية العامة. ولم تُساعد الخلافات السياسية في تحقيق الإصلاحات التي تمّ الإتفاق عليها وعلى رأسها خفض العجز حيث نتيجة وجود حكومة تصريف أعمال في من أيار 2018 إلى كانون الثاني 2019، تردّى الوضع المالي العام بشكل ملحوظ مع تسجيل عجز هائل تخطّى الـ 6.2 مليارات دولار أميركي (11.3% من الناتج المحلّي الإجمالي).

فظاعة الوضعين المالي والإقتصادي للدوّلة اللبنانية ظهر إلى العلن مع مناقشة موازنة العام 2019 على طاولة مجلس الوزراء وفي لجنة المال والموازنة، حيث تمّ إثبات (بالأرقام) مدى الضرر الذي تعرّضت له خزينة الدوّلة نتيجة غياب السياسات الإقتصادية وتفشّي الفساد في كل إدارات ومؤسسات الدوّلة.

الأحداث التي تلت في آب وأيلول (حادثة قبرشمون، تخفيض تصنيف لبنان الإئتماني فرض عقوبات على جمّال تراست بنك) خلقت مُشكلة شحّ في الدولار وتهافت على المصارف لسحب الودائع وبالتالي تمّ وضع قيود على حركة الدولار الأميركي مما ضرب الثقة بالقطاع المصرفي بشكل كبير.

الماكنية الإقتصادية التي تعتمد بشكل أساسي على الخدمات، تضرّرت بشح الدولار حيث إرتفت أسعار هذا الأخير لدى الصيارفة ومعها أسعار الإستيراد ما إنعكس إنخفاض في القدرة الشرائية لدى المواطنين وفقدان بعض السلع من الأسواق. وهذا الواقع دفع عدد من الشركات إلى الإقفال القسري أو الإرادي بهدف وقف الخسائر كما أن العديد من الموظّفين خسروا وظائفهم.

عند مناقشة مشروع موازنة العام 2020 في مجلس الوزراء، ظهر إلى العلن ضعف الإجراءات الإصلاحية التي إعتمدتها الحكومة وذلك على الرغم من إقرار ورقة بعبدا المالية والإقتصادية والتي لم يؤخذّ منها إلا القليل في موازنة العام 2020!! وقد أعرب أنذاك رئيس الجمهورية عن عدم رضاه على الأداء السياسي في ما يخصّ هذه الإصلاحات.

الإحتجاجات التي إنطلقت في 17 تشرين الأول على إثر فرض ضريبة على الواتساب، لا تتحمّل مسؤولية الوضع المأسوي الحالي، بل يقتصر دوّرها على تسريع ظهور التداعيات وذلك بحكم أن القرار السياسي كان يتخبّط في القيام في إصلاحات جدّية خوفًا من الإصطدام الذي قد ينتج عن المسّ بمحميات سياسية تحوي فساد وهدر للمال العام.

إستقالة الرئيس سعد الحريري تحت ضغط الشارع، أظهرت التباعد في وجهات النظر بين القوى السياسية في ما يخصّ الحلول المطروحة لحلّ الأزمة الإقتصادية والمالية. هذه الإستقالة أعادت خلط الأوراق السياسية وبالتالي وبعد ما يُقارب الشهر على إستقالتها، يظهر إلى العلن الخلّل في آلية تشكيل الحكومات والذي يعتمد بدرجة كبيرة على الحسابات الحزبية أكثر منه على المصّلحة العامّة.

الصعوبات التي يواجهها لبنان اليوم زادت كمًا ونوعًا، فبالإضافة إلى الأزمة الإقتصادية والمالية، ظهرت مُشكلة نقدية تتمثّل بشحّ الدولار وأزمة إجتماعية تتمثّل بزيادة الفقر، وأزّمة سياسية تتمثّل بعدم القدرة على تشكيل حكومة تُحاكي شروط الأفرقاء الداخليين والمجتمع الدولي!

اليوم أصبح من الواضح أن أي حلّ سيُعتمد يجب أن يكون عبارة عن سلّة كاملة مُتكاملة تطاول الشق السياسي، الإقتصادي، المالي، النقدي، والإجتماعي. هذه السلّة تبدأ بحكومة تُلبّي مطالب المُحتجّين (وبالتالي المُجتمع الدولي)، وتُحاكي مخاوف القوى السياسية (خصوصًا من وجود «مؤامرة»). هذه الحكومة تضع تصوّر واضح للخروج من الأزمة مع خطوات عملية يتمّ عرضها على لجنة متابعة مؤتمر سيدر كما وصندوق النقد الدولي. وعلى أساس هذه الخطّة يتمّ طلب المُساعدة المالية، في حال تنيّن الحاجة لها.

في التفاصيل أن الدوّلة اللبنانية بحاجة إلى 8 مليارات دولار أميركي من العملة الصعبة في العام 2020، والتي يُمكن تمويلها من السوق شرط أن يكون هناك حكومة ذات صدقية تعمل على تطبيق إصلاحات فعلية على الأرض تطال التالي:

أولاً: إقرار إجراءات مالية تطال الموازنة، الإنفاق العام، إيرادات الدولة، فرض سيادة الدولة المالية…

ثانياً: إقرار خطة إقتصادية تطاول القطاعات المُنتجة وتقديم التحفيزات الضرورية لإنشاء صناعات وزراعات وطنية مع فرض رسوم جمركية كبيرة على إستيراد السلع والبضائع التي لها مثيل في لبنان.

ثالثاً: إقرار خطّة تطال القطاع العام وتنص على إحصاء، تنظيم وإعادة توزيع الموظّفين على الوزارات والمؤسسات بعد إلغاء المؤسسات والوزارات غير المجدية.

رابعاً: إقرار خطّة واضحة لمحاربة الفساد في كل القطاع العام وفتح التحقيق في الملفات المالية.

خامسًا – إقرار قانون إستقلالية القضاء (في مجلس النواب) لكي يتمكّن هذا القضاء من القيام بمهامه.

سادساً: وضع جدّول واضح بإستحقاقات الدوّلة المالية داخليًا وخارجيًا كما وجدول الإيرادات وتقييم حاجة الخزينة لإيرادات إضافية والعمل على تأمينها إن من خلال إجراءات داخلية أو من خلال مساعدة دوّلية.

سابعاً: إقرار خطّة إجتماعية تهدف حماية الأكثر فقرًا في لبنان عملًا بمبدأ التعاضد الوطني وشرعة حقوق الإنسان.

من البديهي القول أنه من دون هذه الخطّة لا يُمكن للبنان الذهاب وطلب المُساعدة من الخارج. من هذا المُنطلق، يتوجّب الإتفاق سريعًا على تكليف رئيس حكومة وتشكيلها في أسرع وقت حتى يتسنّى لها وضع الخطّة والبدء بالعمل نظرًا إلى التداعيات السلبية لعامل الوقت على الأصعدة الإجتماعية، الإقتصادية والمالية والنقدية.

إن عدم تشكيل حكومة سريعًا سيكون له تداعيات سلبية كبيرة ستطال الشق الإجتماعي الذي يُعتبر الضحية الأولى مع إزدياد الفقر. كما أن الشق النقدي سيتأثّر حكمًا مع الإستمرار في إستنزاف إحتياطات مصرف لبنان من العملات الصعبة من دون أن يكون هناك حلّ في الأفق. كل هذا سيوصل لبنان إلى واقع مرير سيندمّ عليه أصحاب القرار لاحقًا!

Print Friendly, PDF & Email
Source جريدة الشرق الجريدة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More