بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

رياض سلامة.. لا مسّ بالإحتياط ولا طبع للعملة والإستقرار النقدي مُستمرّ

الديار | بروفسور جاسم عجاقة

أكثر من شهرين مرّ على مشروع موازنة العام 2019 في مجلسي الوزراء والنواب وحتى الساعة لم يخرج الدخان الأبيض. مشروع موازنة لم يُقنع لا الداخل ولا الخارج، فالأسواق المالية تفاعلت بشكل سلبي مع هذا المشروع من خلال إرتفاع هوامش مقايضة المخاطر الائتمانية (CDS Spreads) على سندات الخزينة إلى مستويات تاريخية حيث وصل الفارق بين هوامش المقايضة على سندات الخزينة اللبنانية والأميركية إلى حدود الـ 1000 نقطة أساس وبالأخص خلال فترة دراسة مشروع موازنة العام 2019 في الحكومة ولجنة المال والموازنة. وكانت وكالة بلومبرغ للأخبار قد عزت هذا الإرتفاع إلى التأخير في إقرار موازنة العام 2019 وإلى التوتر الجيوسياسي المتزايد في المنطقة مما زاد من متوسط العائد الإضافي الذي يطالب به المستثمرون لامتلاك سندات خزينة لبنانية.

على صعيد أخر، ظهر إلى العلن موقف لحاكم مصرف لبنان الذي صرّح بأنه لم يتمّ الإتفاق حتى الساعة على قرض الـ 11 ألف مليار ليرة لبنانية مؤكدًا على دعم الحكومة في عملية خفض خدمة الدين العام ولكن في الوقت نفسه أن لا طبع للعملة ولا مسّ بالإحتياط ولا لإجبار المصارف على الإكتتاب بقرض الـ 11 ألف مليار ليرة لبنانية. وإستغرب حاكم مصرف لبنان الحديث عن إنخفاض أسعار سندات الخزينة في وقت كانت فيه ترتفع.

على خطٍ متوازٍ، أظهرت مسودّة البنود الإقتصادية التي تشملها صفقة القرن التي إستحصلت عليها «الديار»، أن المشاريع الإقتصادية الواردة فيه هي مشاريع هائلة، إلا أنها تصبّ كلها في خانة التطبيع مع إسرائيل من خلال شبكة تواصل ومواصلات تشبك دول المنطقة في ما بينها بما فيها إسرائيل. وبلغت حصّة لبنان من هذا الخطّة ستة مليارات و325 مليون دولار أميركي كلها مشاريع بنى تحتية تمتد على فترة 8 سنوات.

كل هذه المواضيع إضافة الى بنود أخرى ستكون دون شكّ على طاولة مجلس الوزراء الذي سينعقد اليوم.

} جلسة تشريعية… وإنتخابية }

إلى هذا عقد مجلس النواب البارحة جلسة تشريعية قام خلالها بإقرار قوانين تتعلّق بالتمديد للحكومة بالصرف على أساس القاعدة الأثني عشرية حتى أخر شهر تموز كما وتسوية مخالفات البناء الآنفة للعام 2018، وقانون مكافحة الفساد في القطاع العام الذي ينصّ على إنشاء هيئة وطنية. وتمّ تعديل قانون العقوبات عبر تخفيف يوم السجن في الجنح إلى 8 ساعات. وطرح رئيس مجلس النواب بندًا من خارج جدول الأعمال يتعلّق بقرض من البنك الدوّلي.

وتلت الجلسة التشريعية جلسة إنتخاب لخمسة أعضاء في المجلس الدستوري وهم عوني رمضان، أكرم بعاصيري، أنطوان بريدي، طنوس مشلب ورياض أبو غيدا. أمّا في ما يخص الأعضاء الخمسة الأخرين، فمن المتوقّع أن يتمّ تعيينهم في مجلس الوزراء حين يتمّ التوافق على الأسماء. وشهدت جلسة الإنتخاب إنسحاب نواب من المجلس منهم جميل السيد، سامي الجميل، نديم الجميل، وعلّق السيد بقوله إن «ما يحصل لا يسمى انتخابا بل مسرحية للبصم على ما تم الاتفاق عليه بين الاحزاب السياسية والطائفية».

} مشروع موازنة العام 2019 }

وتستأنف اليوم لجنة المال والموازنة دراسة مشروع موازنة العام 2019 بعدما أقرّت موازنات العديد من الوزارات والمؤسسات وعلى رأسها موازنة وزارة الداخلية والبلديات والتي تمّ إقرارها نهار الثلاثاء في جلسة حضرتها وزيرة الداخلية ريا الحسن. كما تمّ أيضًا إقرار كل من موازنات وزارات الشباب والرياضة، المهجّرين، البيئة والثقافة مع تعليق بنود بدلات الأتعاب والتوظيف والعطاءات للجمعيات في كل الوزارات. وإتخذت اللجنة قرارًا بإخضاع كل بنود التعويضات والمكافآت في كل الوزارات والإدارات للتدّقيق وطالبت بتفاصيل عن بدلات تعويض وتعاقد واجراء ومتعاملين. وهذا الأمر يطرح السؤال عن نوع التفاصيل خصوصًا أنه من المفروض أن تستحصل اللجنة على قطع الحساب!

على صعيد المقالع والكسارات، تقدّم النائب عن كتلة حزب الله علي فياض بمشروع قانون لإعادة تنظيم المقالع والكسارات حيث برز في هذا الطرح حصرها في عشرة مواقع منها 8 في السلسلة الشرقية مع منع شفط الرمل من البحر وفتح باب الإستيراد وخفض الرسوم الجمركية عليه. إلا أنه وحتى الساعة لم يتمّ معرفة كيف سيُترّجم هذا الإقتراح في موازنة العام 2019 خصوصًا بعد الحديث عن حرمان خزينة الدوّلة من 3 مليارات دولار أميركي نتيجة المخالفات في هذا القطاع.

على كل الأحول هناك العديد من البنود التي ما زالت مُجمّدة وخصوصًا رسم الـ 2% على الإستيراد والذي كان يُشكّل عنصرًا أساسيًا في إحتساب عجز موازنة العام 2019. وإذا كانت لجنة المال والموازنة بإنتظار إعادة صياغة لهذا البند، لا نعرف كيفية تعويض إيرادات هذا البند إلا اذا كما إقترحه صندوق النقد الدوّلي عبر رفع الضريبة على القيمة المضافة ورسوم على المحروقات.

} سلامة: لا إفلاس، والإستقرار النقدي مُستمرّ }

بثّ حاكم مصرف لبنان رياض سلامة نفحة أمل في الأسواق من خلال تصريحه في لقاء يوروموني الذي إنعقد الثلاثاء المُنصرم في بيروت. وقال سلامة أن وضع السيولة سيتحسّن خلال الأشهر الستّة المُقبلة مع تأكيده أن عجز الموازنة العامّة في الأشهر الأربعة الأولى من العام 2019 لم يتجاوز المليار دولار أميركي مع إستقرار تحاويل المغتربين اللبنانيين حول 8 مليار دولار أميركي سنويًا. وأكدّ سلامة أن لا مخاوف من إفلاس الدوّلة ولا مخاوف على الإستقرار النقدي لأن المصرف المركزي يملك الوسائل اللازمة لمواجهة أي أحداث طارئة. في مقابل هذا الأمل، هناك بعض المؤشرات غير الإيجابية التي أفصح عنها سلامة وعلى رأسها توقعات المركزي للنمو هذا العام والتي تنبع من معدّل صفر بالمئة منذ بداية العام.

وأضاف سلامة أن المصرف المركزي يدعم مساعي الحكومة لخفض تكلفة خدمة الدين العام، إلا أن هذا الأمر لا يُمكن أن يمرّ على حساب القطاع المصرفي بقوله أنه لا إلزامية على المصارف بالإكتتاب بالقرض 11 تريليون ليرة لبنانية بفائدة 1%. وإذا كانت الأنظار تتجه إلى المصرف المركزي مع رفض المصارف الإشتراك في هذا الإصدار، أكد سلامة أن مصرف لبنان لن يطبع العمّلة ولن يمسّ بالإحتياط مُشيرًا إلى أنه لم يتمّ حتى الساعة الإنتهاء من الإتفاق على التدابير التي ستواكب القرض.

الجدير ذكره أن المادّة 91 من قانون النقد والتسليف تنص على: «الا انه، في ظروف استثنائية الخطورة او في حالات الضرورة القصوى، اذا ما ارتأت الحكومة الاستقراض من المصرف المركزي. تحيط حاكم المصرف علما بذلك. يدرس المصرف مع الحكومة امكانية استبدال مساعدته بوسائل اخرى، كاصدار قرض داخلي او عقد قرض خارجي او اجراء توفيرات في بعض بنود النفقات الاخرى او ايجاد موارد ضرائب جديدة الخ… وفقط في الحالة التي يثبت فيها انه لا يوجد اي حل اخر، واذا ما اصرت الحكومة، مع ذلك، على طلبها، يمكن المصرف المركزي ان يمنح القرض المطلوب. حينئذ يقترح المصرف على الحكومة، ان لزم الامر، التدابير التي من شأنها الحد مما قد يكون لقرضه من عواقب اقتصادية سيئة وخاصة الحد من تأثيره، في الوضع الذي اعطي فيه، على قوة النقد الشرائية الداخلية والخارجية». وهذا ما يقوم به مصرف لبنان من خلال بحث التدابير التي من شأنها تفادي التدعيات على قوة النقد الشرائية الداخلية والخارجية.

} فيتش وبلومبرغ: إستمرار الضغوط المالية }

في مقابل تفاؤل حاكم مصرف لبنان، ظهر البارحة تقرير لوكالة التصنيف الإئتماني «فيتش» صرحت فيه أن مشروع موازنة العام 2019 وعلى الرغم من الإجراءات التقشقية، لن يُحقّق مبتغاه وأن العجز المُتوقّع سيكون بحدود الـ 9% مُحمّلة التوظيف العشوائي وسلسلة الرتب والرواتب المسؤولية. وقالت الوكالة أن التأخير في إقرار الموازنة يجعل من الصعب الإلتزام بمستوى العجز المُتوقّع وأن الإستقرار المالي لا يُمكن أن يتحقّق إلا بعجز أقلّ من 5.5%.

وأضافت الوكالة أن الإقتراح بإصدار سندات خزينة بفائدة أقلّ من فائدة السوق يعكس الصعوبة في لجم الإنفاق وشحّ السيولة في القطاع المصرفي. كما أن المالية الخارجية تبقى تحت ضغط وهذا ما يُمكن ملاحظته من خلال إنخفاض الإحتياط والودائع في المصارف في الأشهر الأربعة الأولى من العام 2019.

وشدّدت الوكالة على أن توقعات الإيرادات هي توقعات تفاؤلية ولا تعكس واقعا إقتصاديا متراجعا وعدم فعّالية في جباية الضرائب. وأضافت أن تشكيل الحكومة لم ينعكس إيجابًا على المؤشرات الإقتصادية مع عجز الحكومة عن إجراء الإصلاحات خصوصًا في قطاع الكهرباء.

التقرير الصادر عن وكالة بلومبرغ يُشير إلى أن هناك مخاوف في الأسواق نتيجة التأخر في إقرار الموازنة مما يُضعف الإجراءات التقشفية والإيرادات المنصوص عليها في مشروع الموازنة. وهذا الأمر يُنذر بإرتفاع العجز عمّا هو عليه في النسخة الأساسية للمشروع والبالغة 7.59%. وبحسب مصادر مالية، هناك توجّه إلى أن يتمّ تحميل مصرف لبنان والقطاع المصرفي العجز الإضافي الذي قد ينتجّ عن الإجراءات التي تقوم بها لجنة المال والموازنة. وهذا الأمر يعني أن يتمّ الإستدانة من القطاع المصرفي بفوائد مُنخفضة. وإذا كانت المصارف قد أبلغت رسميًا رفضها المشاركة في قرض الـ 11 ألف مليار ليرة لبنانية بفائدة 1% مما يعني تحميل مصرف لبنان كامل العبء، أكّد حاكم المصرف رياض سلامة أن لا توافق حتى الساعة على آلية وشروط القرض خصوصًا أن الكلفة تُقدّر بمليار دولار أميركي.

خوّف الأسواق آت من منطلق أن يكون العجز الفعلي أكبر من 7.59% مما يعني الإستدانة من جديد وبالتالي رفع الدين العام إلى مستويات عالية. وهذا الأمر سيكون له تداعيات على القطاع المصرفي من خلال نقل عجز الموازنة إلى مصرف لبنان.

الجدير ذكره أنه خلال الأزمة المالية العالمية في العام 2008 وما تلاها، كان الإحتياطي الفديرالي الأميركي (Fed) يقوم بشراء سندات خزينة بقيمة 80 مليار دولار أميركي شهريًا، إلا أن كل عمليات الشراء كانت تتمّ على سعر فائدة السوق. وبالتالي فإن طلب الحكومة اللبنانية قرضا بفائدة 1% هو طلب مُغاير لشروط السوق والمخاوف من أنه إذا تمّ هذا الأمر بالإكراه، ستتفاعل الأسواق معه على أساس أنه مؤشّر إفلاس (Credit Event).

} مؤتمرّ المنامة تطبيع إقتصادي يسبق التطبيع السياسي }

مسودّة البنود الإقتصادية التي تشملها صفقة القرن والتي إستحصلت عليها «الديار» تُظهر بشكلٍ واضح أن الهدف الأساسي من المشاريع المُقترحة هدفها التطبيع مع إسرائيل. فالمشاريع الواردة في هذه المُسودّة وكلفتها، تدلّ بشكلٍ واضح على رغبة فتح الدول الإقليمية (بما فيها إسرائيل) بعضها على بعض من خلال المواصلات (الطرقات، سكك الحديد …). وتقييم المشاريع المُخصّصة للبنان يدّل على أن هذه المشاريع هي حاجة للبنان وقسم منها يدخل ضمن مشاريع مؤتمر سيدر. وهنا يُطرح السؤال عمّا إذا كانت هذه المشاريع هي نفسها الواردة في ورقة الحكومة اللبنانية «CIP» التي قدّمتها في المؤتمر. والمُلفت أيضًا أن 4.625 مليون دولار أميركي من أصل 6.325 مليون مرصودة هي عبارة عن قروض.

يبقى القول أن المشاريع حيوية للبنان خصوصًا ما يتعلّق بالشركات الصغيرة والمُتوسّطة الحجم ومشاريع الطرقات وسكك الحديد، إلا أن الكلفة السياسية لهذه المشاريع تبقى باهظة خصوصًا فيما يتعلّق بالتطبيع مع إسرائيل وتوطين الفلسطنيين.

حتى الساعة رفض لبنان المُشاركة في مؤتمر المنامة ورفض صفقة القرن حاله حال بعض الدول العربية، ويبقى السؤال عما إذا كان هناك تداعيات لهذا الرفض على الصعيد الإقتصادي والسياسي والأمني في لبنان.

Print Friendly, PDF & Email
مصدر الديار الجريدة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More