بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

رفع تخصيب اليورانيوم… ماذا يعني من منظار علمي؟

تملك إيران اليوم منشآت نووية عدة منها ما يُستخدم للتخصيب ومنها ما يُستخدم للأبحاث، إضافة إلى مناجم استخراج اليورانيوم

الإندبندنت العربية | جوزيان رحمة

خلال أيام قليلة، يطفئ الاتفاق النووي شمعته الرابعة، في ظروف لا توحي بأن هناك ما يستحق الاحتفال به، خصوصاً بعدما أعلنت إيران تقليص التزاماتها تباعاً ببنود هذا الاتفاق ورفع مستوى تخصيب اليورانيوم الموجود لديها إلى 5 في المئة.

المخاوف العربية والغربية من سعي طهران إلى امتلاك سلاح نووي، تستند إلى معطيات وتطورات عدة أبرزها تمدد النفوذ الإيراني المزعزع للاستقرار في المنطقة وتدخلها العسكري المباشر في أزمات المنطقة، إلى جانب التهديد الإستراتيجي الذي تشكله من خلال تطويرها صواريخ باليستية يمكنها حمل رؤوس نووية.

يحدث كل ذلك في منطقة مُصنفة على أنها الخزان الأول للنفط في العالم، ما يضيف إلى ما سبق مخاوف من تنفيذ إيران، مباشرةً أو عبر إحدى أذرعها، عمليات لضرب إمدادات النفط. ولم يكن بعيداً من ذلك استهدافُ 4 ناقلات نفط في مياه الخليج العربي خلال الأسابيع الماضية.

علاقات إيران التاريخية مع الغرب

بالعودة سريعاً إلى تاريخ العلاقة الإيرانية – الغربية، لا بد من التوقف عند دعم أميركا وبريطانيا في أواسط القرن الماضي نظام الشاه محمد رضا بهلوي، الذي سمح حينها لواشنطن ببناء قاعدة عسكرية شمال إيران لمواجهة المدّ السوفياتي.

الثورة الإيرانية في أواخر سبعينيات القرن الماضي عدلت قواعد اللعبة، مع تصريح آية الله الخميني الشهير أن “أميركا هي العدو الأول للبشرية وللإسلام” مُستخدماً شعار “الموت لأميركا”. فتدهورت العلاقة مع الغرب وخصوصاً مع واشنطن إلى حد قطعها إثر احتجاز موظفي السفارة الأميركية في طهران.

العلاقات مع الولايات المتحدة وصلت إلى أسوأ حالاتها مع تبوؤ الرئيس الأميركي جورج بوش الابن سدة الرئاسة حيث وصف إيران بأنها والعراق وكوريا الشمالية تُشكل “محور الشر” في العالم. قبل فرض عقوبات على إيران، كانت الأقسى تاريخياً حيث وصلت إلى ذروتها في العام 2013، ما دفع النظام الإيراني إلى الدخول في مفاوضات أدت إلى توقيع إيران ومجموعة دول الـ 5 + 1 (الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وألمانيا) على اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني في العام 2015 في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.

إلا أنه مع وصول دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، بات الاتفاق النووي في مهب المجهول، بعدما اتهم ترمب طهران بخرق الاتفاق، من خلال إجراء التجارب على الصواريخ البالستية، ودعم قوى مسلحة تزعزع الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.

ماذا يعني رفع نسبة تخصيب اليورانيوم؟

“إيران ترفع تخصيب اليورانيوم” لعله العنوان الأبرز الذي تصدر الإعلام العربي والغربي خلال الأيام الماضية، بعدما أعلنت طهران رفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى ما فوق الـ 3.67 في المئة، وحتى بنسبة 5 في المئة.

فماذا يعني ذلك على الصعيد العلمي النووي؟ وكيف يمكننا أن نفهم هذا الملف من قرب من منظار علمي لا سياسي؟

الباحث النووي اللبناني البروفسور جاسم عجاقة في حديث إلى “اندبندنت عربية”، يصف الطاقة النووية بأنها “الطاقة التي تتحرّر جراء الانشطار النووي أي انقسام نواة ذرية ثقيلة مثل اليورانيوم أو البلوتونيوم، وهو انشطار يتم داخل مركز يُسمى المفاعل النووي مع قدرة عزل عن الخارج نظراً إلى الأضرار التي تُخلّفها الإشعاعات النووية الناتجة من الانشطار، والتي تهدد حياة الإنسان”.

ويضيف عجاقة أن “الطاقة النووية أو الذرية في اللغة العامة، تُستخدم في المجال المدني من خلال الأبحاث العلمية البحتة، وإنتاج الطاقة الكهربائية، والتقنيات الطبية، كما يمكن أن تُستخدم في المجال العسكري من خلال إنشاء أسلحة نووية مثل القنبلة النووية التي تم استخدامها في هيروشيما”.

وعن عملية تخصيب اليورانيوم يقول عجاقة إنها “تنص على زيادة نسبة النظائر الانشطارية في اليورانيوم، وتستخدم طرق عدة منها: الطرد المركزي، الانتشار الحراري، الفصل الكهرومغناطيسي، الانتشار الغازي، الفصل الكيماوي، والفصل بالليزر، والعملية الأكثر شيوعاً للتخصيب هي تخصيب اليورانيوم الطبيعي بنظيره اليورانيوم 235 عبر استخدام تقنية الطرد المركزي”.

تخصيب اليورانيوم يتم تصنيفه بحسب نسبة التخصيب أي نسبة اليورانيوم 235 فيه، ويُقسم ذلك إلى ثلاث فئات رئيسة، الأولى أقل من 20 في المئة وتُستخدم في الأبحاث والتطبيقات الطبية والصناعية، الثانية أقل من 50 في المئة وتُستخدم بالدرجة الأولى لإنتاج الكهرباء، والثالثة 80 في المئة وما فوق وتُستخدم في المجال العسكري.

المنشآت النووية في إيران (البرلمان الأوروبي)

وتوقف أيضاً عجاقة عند نوع أربع شركات عالمية تحتكر تخصيب اليورانيوم في العالم، وهي “روز أتوم” الروسية، “أريفا” الفرنسية، “أورنكو” الأوروبية – الأميركية، و”سي أن أن سي” الصينية.

تملك إيران اليوم منشآت نووية عدة منها ما يُستخدم للتخصيب ومنها ما يُستخدم للأبحاث، إضافة إلى مناجم استخراج اليورانيوم، وفق عجاقة.

الاتفاق النووي الإيراني، الذي تم التوصل إليه رسمياً في 14 يوليو (تموز) 2015، كان نصّ على خفض عدد أجهزة الطرد المركزي الإيرانية إلى 5060 مع الحق باستخدام نموذج واحد، إضافة إلى وضع سقف 3.67 في المئة كنسبة قصوى لتخصيب اليورانيوم في إيران مع إلزامية إخراج النسب الأعلى المُخصبة إلى الخارج، والحد من إنتاج البلوتونيوم، والسماح لمراقبي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالوصول إلى كل المنشآت الإيرانية، وغيرها من البنود.

وختم عجاقة كلامه مشيراً إلى أنه “على الرغم من الإعلان الإيراني رفع التخصيب إلى أكثر من النسبة المسموح بها، إلا أن إيران لم تتخطَّ حتى الساعة هذه النسب نظراً إلى قصر الوقت الذي يفصلنا عن إعلانها استئناف التخصيب”، متوقفاً عند القدرة الفعلية لإيران للسيطرة على آلية التخصيب في ظل ارتفاع نسبته إلى مستويات عالية، فبحسب عجاقة، “عملية التخصيب تُصبح خطيرة مع ارتفاع نسبة اليورانيوم U-235 في اليورانيوم الطبيعي وبالتالي تحتاج عملية السيطرة على آلية التخصيب في ظل هذه الظروف إلى وقت أطول من سنتين إلا في حال كان هناك دعم خارجي لإيران، كما سبق وصرح وزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري”.

مصدر الإندبندنت

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More