بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

دوّامة الدولار وارتفاع الأسعار

نداء الوطن | خالد أبو شقرا

يوماً بعد يوم يتورّط لبنان في لعبة الدولار المسمومة. فانعدام النموّ الإقتصادي، والعجز الهائل في الميزان التجاري (فاقا في الأشهر الأربعة الأولى الـ 4 مليار دولار)، يدفعان الى التشجيع على جذب المزيد من الودائع الأجنبية، عبر رفع أسعار الفوائد.

هذا الواقع يخلق دوّامة من الصعب الخروج منها. فالتراجع الملحوظ في تحويلات المغتربين، التي كانت تقدّر بنحو 8 مليارات دولار سنوياً، والعجز الهائل في الميزان التجاري الذي وصل هذا العام الى حدود 18 مليار دولار، وضعف وصول العملة الخضراء من السياحة والقطاعات الخدماتية، تجعل الحصول على الدولار غاية بحدّ ذاتها، لكن بطريقة معكوسة. فجذب الدولار لا يتمّ من خلال الطريقة الطبيعية المتمثلة في رفع الإنتاج، وزيادة الصادرات… إنما برفع الفوائد الى معدّلات قياسية، بغضّ النظر عن انعكاساتها الكارثية على الإقتصاد، والإستثمار.

تنقسم الفوائد الى فئتين، واحدة على المدى البعيد تحدّدها سندات الخزينة التي تصدرها الدولة، وهي ترتفع كلما زادت حاجة الدولة الى العملات الأجنبية، واضطرارها الى إصدارها المزيد من السندات.

أما الفئة الثانية فهي الفوائد على المدى القصير، والتي يحدّدها مصرف لبنان، بحسب العوامل الإقتصادية والمالية الموجودة في البلد. حيث يرفع الفوائد لامتصاص فائض السيولة ومحاربة التضخّم، ويخفضها في حالات زيادة السيولة.

وفي كلتا الحالتين تتأثّر قيمة الفائدة في أيّ اقتصاد بعامل إضافي بالغ الأهمّية، وهو نسبة المخاطر السيادية. حيث ترتفع على المديين المتوسط والبعيد بمجرّد مواجهة البلد مشاكل مالية واقتصادية.

توفّر مسبّبات الإرتفاع

وفي عملية إسقاط النظري على الواقع، يتبيّن أن “لبنان يجمع كلّ مسببات ارتفاع الفوائد”، بحسب البروفيسور جاسم عجّاقة الذي يضيف، “ما زلنا تحت تأثير التضخّم الذي فرضته سلسلة الرتب والرواتب، وما يرتّبه ارتفاع أسعار النفط من أعباء، وهو ما يؤدّي الى ارتفاع أسعار الفوائد قصيرة الأجل”.

الحاجة الى الدولار تدفع الى رفع أسعار الفوائد، التي بدورها تجذب المزيد من الودائع… دوّامة لا تتطلّب الإستمرار في تنفيذ سياسات نقدية دقيقة فحسب، إنما أيضاً البحث عميقاً في سياسات إقتصادية تحمي ما تبقّى من قطاعات إنتاجية. إذ أن مختلف المشاريع ترزح اليوم تحت ثقل ارتفاع فوائد قروضها، وانعدام فرصها في الإقتراض لزيادة حجم الإستثمار وتوسيع أعمالها.

عنصر واحد قد يترك أثراً إيجابياً على تخفيض أسعار الفوائد وعدم ارتفاعها أكثر هو “نيّة الولايات المتحدة ومجموعة المصارف المركزية الأوروبية والبنك المركزي للإتحاد الأوروبي بعدم رفع أسعار فوائدها. الأمر الذي يدفع عندنا الى المحافظة على مستوى واحد من الفوائد” بحسب عجّاقة.

عنصر مهمّ، لكنّه قد يكون غير كافٍ في ظلّ غياب أيّ إصلاحات جدّية على الموازنة والمالية العامة، واستمرار تضخّم القطاع العام، وإعطاء الأذن الصمّاء لكل النصائح والتحذيرات من الوكالات الدولية والتي كان آخرها “موديز” و”فيتش”.

بين “نقاط” توصيات “ماكنزي” والحاجة الى الدولار ومجهر المراقبة الدولية، يسير البلد بحذر وترقّب، لكن من دون وجود أيّ “منارة” ترشده الى برّ الأمان.

Print Friendly, PDF & Email
مصدر نداء الوطن الجريدة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More