بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

دعم التكنولوجيا يمرّ إلزاميًا بالإستثمارات

تُعتبرّ التكنولوجيا العنصر الأساسي  في الإقتصادات المُتطورة خصوصًا بعد وصول هذه الإقتصادات إلى مرحلة النضوج مع إستنزاف عنصري الإستثمارات واليد العاملة. من هنا تأتي التكنولوجيا بأبعادها لتُشكّل رافعة أساسية يجب إدخالها في الماكينة الإنتاجية خصوصًا في لبنان.   في النظرية الإقتصادية هناك عاملين أساسيين يُحدّدان القدرة الإنتاجية لإقتصاد مُعيّن: رأس المال واليد العاملة وهذا ما يُعرف بمُعادلة كوب-دوغلاس. لكن مع ظهور التكنولوجيا، تمّ تعديل هذه المعادلة لتضم عاملًا ثالثًا، التكنولوجيا. الإقتصادات المُتطورة تنمو نتيجة الأبحاث التي تقوم في قطاع التكنولوجيا والتي يتمّ ترجمتها في تطبيقات في مُختلف القطاعات الإنتاجية. ونرى أن الشركات العالمية الكبيرة تدفع الإقتصادات من خلال نموها وإرتفاع مبيعاتها التكنولوجية مثل السيّارات، التليفونات، الأدوات المنزلية، الماكينات الصناعية… وكل هذا بفضل التكنولوجيا التي أحيّت إقتصادات مُدمّرة كالإقتصاد الياباني والإقتصاد الكوري الجنوبي في ستّينات وسبعينات القرن الماضي. وفهم الأميركيون أهمية التكنولوجيا منذ العام ١٩٥١ مع طرح المؤرخ الأميركي روبرت شليزنجر لمُشكلة المخاوف من الإنتاج الفكري وخصوصاً الأتي من الشرق. وفي ذلك الوقت كانت هذه المخاوف تطال بالدرجة الأولى الكتب والأفلام التي قد تُروِّج للفكر الشيوعي في بلاد العم سام. وهذا ما دفع الرئيس كينيدي في العام ١٩٦٠ إلى التصريح عن رغبته بتحفيز وتوسيع الموارد الثقافية للولايات المتحدة في خطابه الشهير عن “الحدود الجديدة”. وبدأت الحرب الباردة والتسلح في الفضاء يأخذ مجراه مع أول قمر صناعي سوفياتي والذّي سرّع تنفيذ الخطط الأميركية إن على صعيد الإستخدام العسكري أو المدني. النتيجة أن الأميركيون بدأو بإنتاج المعرفة وتحويلها إلى تطبيقات مدنية وعسكرية وأخذوا بنشر ما يُناسبهم في العالم أجمع (مثلًا أفلام هوليوود). أخذت الإستثمارات الأميركية في هذا القطاع بالإزدياد وبدأت الترجمة الفعلية في العام ١٩٨٠ مع قوانين صوّت عليها الكونغرس الأميركي (Bayh-Dole Act، Stevenson-Wydler Technology Innovation Act…). ورعت هذه القوانين الإبداع في مجال التكنولوجيا وصناعة المعرفة والأبحاث. وتُعتبر الشركات الصغيرة والمُتوسطة الحجم الأداة الأساسية لإستيراد التكنولوجيا من الإقتصادات المُتطورة إلى الإقتصادات غير المُتطورة. وبالتالي قامت الإدارات الأميركية المُتعاقبة بوضع برامج موجهة حصرياً للشركات الصغيرة والمُتوسطة الحجم تطال بشكل خاص دعم الإمتياز العلمي والإبداع التكنولوجي من خلال دعم مالي كبير مُبرّر بخلق ركائز أساسية، مُتنوعة، وقوية للإقتصاد الأميركي. وهذه الدينامية التي خلقتها هذه الإستراتيجية جعلت من الاقتصاد الأميركي أقوى إقتصاد في العالم حيث يبلغ حجمه اليوم أكثر من ربع الاقتصاد العالمي. ومن حرصها على الإلتزام بالنظرية الإقتصادية التي تنصّ على أن الاقتصاد مؤلف من لاعبين إقتصاديين أساسيين هما الشركات والأسر وأن الدولة لها دور المنظّم والمُشرّع والمُراقب، قامت الإدارة الأميركية بتخفيف تدخّل الدولة في الاقتصاد وقوّت العلاقة بين الجامعات والشركات (the economic tax recovery act). وهذا القانون أظهر إلى العلن دورالجامعات كخزان كبير للأبحاث خرجت منه شركات كبيرة كمحرك البحث “غوغل” وغيرها من الشركات التي هي وليدة الأبحاث في الجامعات كما وتكتّلات مناطقية إقتصادية كالسيليكون فالي. وإذا ما أخذنا بعين الإعتبار ترجمة التكنولوجيا في القطاعات الإنتاجية، نرى أن القطاع الزراعي إستفاد بشكل كبير من المكننة المبنية على التكنولوجيا وبالتالي إنخفضت الكلفة وزادت الإنتاجية وتحوّل الموظّف إلى رب عمل من خلال الإستثمار. وهذا يعني أن الخسارة في اليد العاملة التقليدية تمّ تحويلها إلى مهارات من نوع أخر حيث يكون المُوظّف هو رب العمل الذي يُدير ويعمل بنفسه في أرضه. على الصعيد الصناعي، إستفادت كل القطاعات الصناعية التقليدية والحديثة من المكننة المُتطورة التي على عكس القطاع الزراعي تطلّبت المزيد من اليد العاملة المؤهّلة على مثال النانوتكنولوجيا التي دخلت في صناعة كل ما يُحيط بنا تقريبًا (سيارات، دهان، أسلحة، تلفونات، آلبسة…). خداماتيًا، نرى أن التكنولوجيا دفعت بالإقتصاد الأميركي إلى مستويات عالية جدًا من خلال التكنولوجيا والإتصالات. وقامت الإدارة الأميركية بالإستثمار في البنى التحتية والوفقية لمواكبة التطور الخدماتي والصناعي والزراعي. هذا التحسين في البنى التحتية والفوقية أدّت إلى تحسين في النظام الاجتماعي والسياسي وذلك بحكم أن البنى التحتية تمتلك ثلاثة أبعاد: بيئة الإنتاج (الطقس، الموارد الطبيعية)، القوى الإنتاجية (الأدوات والماكينات)، والعلاقات بين الأشخاص في إطار الإنتاج (الطبقات الاجتماعية، الإحتكار…). أما البنى الفوقية التي هي عبارة عن مجموعة الأفكار في مجتمع معين تشمل الإنتاج غير المادي وتمتلك ثلاثة درجات: الأنظمة السياسية والقانونية، الأنظمة الفكرية، والوعي الذاتي. وبالتالي فإن تحسين البنى التحتية والفوقية أثّر إيجابًا على على البنى التحتية وفي الوقت نفسه البنى الفوقية. وتُظهر الأرقام أن حجم الإستثمارات في التكنولوجيا في الولايات المُتحدة الأميركية فاق التيريليونات على مرّ الثلاثة عقود الماضية ما يُظهر جدّية الإدارة الأميركية في أخذها التكنولوجيا كعامل أساسي في الاقتصاد سواسية مع رأس المال واليد العاملة. لكن الأهم إقتصاديًا، أثبتت التجرية الأميركية واليابانية والكورية الجنوبية أن العلاقة بين الإستثمار في التكنولوجيا وخلف فرص عمل هي علاقة قويّة جدًا قد تصل إلى حد المضاعفة عشر مرّات أو أكثر. من هنا نرى أن على الحكومة اللبنانية وللقيام بما تعهّدت به في بيانها الوزاري، أن تعمد إلى: أولًا: إيلاء الشركات الصغيرة والمُتوسطة الحجم أهمية كبيرة بإعتبارها الآداة الأولى في نقل التكنولوجيا من الإقتصادات المُتطوّرة إلى الاقتصادات غير المُتطورة وإدخالها في الماكينة الإنتاجية. فإستخدام التكنولوجيا في الحياة اليومية (مثلًا إستخدام الهاتف أو الكمبيوتر) لا يعني أن الاقتصاد مُتطور، بل يتوجّب إستخدام التكنولوجيا في الإنتاج لكي يُصبح مُتطوّرًا. وهذا الأمر يفرض إقرار الإستراتيجية التي وضعتها وزارة الاقتصاد والتجارة فيما يخص هذه الشركات. ثانيًا: وضع قانون ضريبي لتحفيز عمل القطاع الخاص مع الجامعات لتأخذ هذه الأخيرة مكانتها في الدورة الإقتصادية كمصدر للإبداع التكنولوجي. أيضًا يتوجب خلق مناطق تكنولوجية على مثال السيليكون فالي عبر خلق مدن تكنولوجية شبيهة بالمدن الصناعية. ثالثًا: وصل لبنان على أوتوستراد الإنترنت الموجود في البحر مقابل طرابلس والذي هو أساس لأي نهضة في التكنولوجيا في لبنان. كما ووصل الجامعات والشركات على شبكات الآلياف الضوئية إذ من غير المقبول أن نهدف إلى إنهاض لبنان تكنولوجيًا ولا إنترنت تُلبّي حاجات اللاعبين الإقتصاديين. رابعًا: وضع إستراتيجية وطنية لدعم الأبحاث التكنولوجية التطبيقية بهدف خلق نقلة نوعية في الاقتصاد اللبناني عبر جعل الصناعات أو الخدمات الأخرى تطلب هذه التطبيقات وتدخل في منظومة الماكنية الإنتاجية. خامسًا: بما أن الدولة اللبنانية عاجزة عن تأمين الإستثمارات المطلوبة، يتوجب فتح المجال أمام القطاع الخاص المحلّي والأجنبي من أجل الإستثمار في القطاع التكنولوجي اللبناني والذي يُسجّل نمو بنسبة ٢٠ إلى ٢٥٪ سنويًا وذلك منذ عدة سنوات. وهذا الأمر يمرّ عبر وضع إستراتيجية لجذب الإستثمارات خصوصًا الأجنبية منها. فعلى سبيل المثال، أنشأت المملكة العربية السعودية صندوق إستثماري بقيمة ١٠٠ مليار دولار أميركي بالإشتراك مع شركة يابانية. هذا الصندوق الإستثماري يستهدف القطاع التكنولوجي في كل أنحاء العالم ويُمكن القول إن القطاع التكنولوجي اللبناني يُلبّي شروط هذا الصندوق من ناحية النمو وبالتالي يجب العمل على جذب جزء من إستثمارات هذا الصندوق. سادسًا: إستقطاب العقول اللبنانية المُغتربة والمهاجرة لأن هذه العقول تستطيع أن تقوم بنقلة نوعية كبيرة في لبنان. ويكفي النظر إلى الأخبار الصحفية لمعرفة أن العديد من هذه العقول تُحقق إنجازات هائلة في دول الإغتراب. لماذا إذا لا يُمكنها فعل نفس الشيء في لبنان؟ في الختام يُمكننا القول إنه في حين يتخبطّ لبنان في إعادة تكوين السلطة السياسية، يقوم العالم المُتطور بالإستثمار في القطاع التكنولوجي لتحقيق مزيد من النمو الاقتصادي والإستمرار في التفوق. المطلوب اليوم فعلًا أن تُنفذّ الحكومة اللبنانية ما تعهدّت به في بيانها الوزاري خصوصًا ما يتعلّق بالشق الاقتصادي.     

Print Friendly, PDF & Email

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More