Professor Jassem AJAKA
Physicist | Economist

خزينة لبنان في خطر والايرادات هبطت 40% في 3 أشهر

الديار | بروفسور جاسم عجاقة

تصريح وزير المال في حكومة تصريف الأعمال علي حسن خليل البارحة بأن أرقام المالية العامّة مُقلقة، يؤشّر إلى عمّق الأزمة المالية التي دخل فيها لبنان. وإذا كان الوضع المالي مُقلقاً بالمطلق إلا أنه لا يعني أننا على شفير الإفلاس ولا يعني أن الوضع ميؤوس منه. فالمطلوب اليوم قبل الغدّ حكومة لتخفيف الضغط على المالية العامة وبالتالي على مصرف لبنان وإستعادة جزء من ثقة المواطن ليُعاود الإستهلاك.

وكان وزير المال قدّ صرّح البارحة أن «هناك أرقاماً مقلقة للغاية بشأن انخفاض إيرادات الدولة، وعجز موازنة العام 2019 سيكون أكبر بكثير ممّا كان متوقعاً»، مُضيفًا أنّ «وزارة المال تُواجه صعوبات حقيقية في تمويل الدولة ككلّ». وطمأن الوزير الموظّفين في القطاع العام بقوّله أنّ «رواتب القطاع العام مؤمّنة وستدفع قبل الأعياد كما كان معتاداً في السنوات الماضية حيث يتمّ العمل مع مصرف لبنان على تأمين الرواتب ولا مخاوف على رواتب القطاع العام في المرحلة المقبلة». وكان للوزير موقف سياسي عبر مطالبته مجلس الوزراء بتحمّل المسؤولية ورئيس الحكومة بدعوة الحكومة إلى الإجتماع لتسيير أمور الناس.

موقف الوزير يُشير إلى أن الشق المالي يتجّه إلى الأسوأ إذا لم يتمّ إستدراك الوضع بخطوات من قبل مجلس الوزراء. وهنا بالتحديد يُطّرح السؤال عن الإجراءات والخطوات التي يتحدّث عنها الوزير؟

في الواقع إيرادات الدوّلة تأتي من مصدرين أساسيين: الأول الضرائب والرسوم، والثاني إصدار سندات خزينة. وهنا تبرز المُشكلة إن من ناحية الضرائب أو من ناحية إصدار سندات خزينة!

فالنشاط الإقتصادي تراجع بشكل كبير منذ بدء الإحتجاجات الشعبية في 17 تشرين الأول 2019 وبالتحديد الإستيراد، وأقفل العديد من الشركات وتمّ صرف موظّفين أو دفع نصف أجر. وهذا الأمر يُقلّل من القدرة الإستهلاكية للمواطن والشركات مما يعني أن الضريبة على الدخل ستكون أقلّ كذلك الأمر بالنسبة إلى الضريبة على القيمة المُضافة كما والرسوم الجمركية التي إنخفضت حكمًا مع إنخفاض الإستيراد وإرتفاع التهريب الجمركي على بعض السلع والبضائع المستوردة.

أضف إلى ذلك أفادت المعلومات الصحافية أن بعض الشركات الخاصة أعلنت من وسط بيروت أنها تتشاور فيما بينها لإعلان العصيان المدني وعدم دفع الفواتير والضرائب إحتجاجًا على الوضع الإقتصادي. وهذا الأمر إن حصل سيُشكّل ضربة كبيرة للمالية العامة التي قد تفقدها كل إيراداتها.

أما على صعيد إصدارات سندات خزينة، فالمُشكلة أنه ومع التردّي المالي في المالية العامة، هناك شبه تأكيد أن هذه الإصدارات لن تُلاقي إقبالاً من قبل المُستثمرين للإكتتاب بها مما يعني أن مصرف لبنان هو الذي سيكتتب. وبالتالي سيزيد الضغط على مصرف لبنان الذي أصبح يُموّل الدولة بشكل كبير!

إذًا ومع الصعوبات في تأمين موارد من مصادر إيرادات الدوّلة الحالية، من أين يُمكن تأمين موارد أخرى؟

عمليًا هذا الأمر هو من مهام الحكومة، وبغياب حكومة أصيلة نرى أن من واجب حكومة تصريف الأعمال إيجاد هذه المصادر. الجدير ذكره أن الرئيس سعد الحريري الذي ضمن (بشكل كبير) تكليفه تشكيل الحكومة الجديدة، كان أرسل إلى الدول الصديقة كتباً يُطالب فيها بفتح إعتمادات للبنان ليتمكن من إستيراد السلع الأساسية. وعلى هذا الأساس إنعقدت البارحة مجموعة الدعم الدولية للبنان في باريس في مقر وزارة الخارجية الفرنسية حيث أصدر المُجتمعون بيانًا شدّدوا فيه على:

أولاً- الدعوة إلى تشكيل سريع لحكومة تملك القدرات والمصداقية لتنفيذ حزمة من الإصلاحات الإقتصادية وتلتزم النأي بالنفس عن التوترات والأزمات الإقليمة، وذلك حفاظًا على إستقرار لبنان ووحدته وأمنه وسيادته واستقلاله السياسي ووحدة أراضيه.

ثانيًا- التشديد على محورية الدعم المقدم من المؤسسات المالية الدولية لمساعدة السلطات على مواصلة جهودها لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية الضرورية.

ثالثًا- الإستعداد للمساعدة في ضمان وصول لبنان إلى السلع الأساسية.

رابعًا- إلتزام السلطات اللبنانية التزامًا تامًا بالتدابير والإصلاحات الحاسمة في الوقت المناسب

خامسًا- إعتماد السلطات اللبنانية لميزانية موثوقة لعام 2020 في الأسابيع الأولى بعد تشكيل الحكومة الجديدة

سادسًا- دعوة السلطات اللبنانية الى وضع تدابير هيكلية لضمان وجود نموذج اقتصادي مستدام مع إلتزام المجموعة بنتائج مؤتمر سيدر.

في الواقع هذه النقاط تتضمّن عدداً من الرسائل الواضحة إن على الصعيد السياسي أو الإقتصادي أو المالي أو الإداري. فعلى الصعيد السياسي، هناك طلب واضح بعدم التدخّل بأي نزاع أو توترّ إقليمي وهو أمرّ عجز لبنان عن القيام به منذ أن أدّخل رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي عبارة «النأي بالنفس» إلى قاموس السياسة اللبنانية في العام 2013 وبالتالي قدّ تُشكّل هذه النقطة عقبة أساسية أمام الخروج من الأزمة الحالية.

أمّا على الصعيد الإقتصادي فهناك رسالة واضحة حول ضرورة تغيير النموذج الإقتصادي المُعتمد من ناحية زيادة الإعتماد على القطاعين الأولي والثانوي. وعلى الصعيد المالي هناك «توبيخ» للسلطات اللبنانية لعدم إحترامها لإلتزاماتها من ناحية العجز في الموازنات حيث أن كل الموازنات التي تمّ إقرارها، لم يتم إحترام تنفيذها. أيضًا تمّ إعادة إلتزام مجموعة الدعم بنتائج مؤتمر سيدر من ناحية الدعم المالي شرط تنفيذ الإصلاحات المُتفق عليها.

أمّا على الصعيد الإداري، فنرى أن هناك حثاً على القيام بإصلاحات جدّية تطال قبل كل شيء الفساد المُستشري وإصلاح القطاع العام وكلها أمور نصّت عليها شروط مؤتمر سيدر.

على كل الأحوال، بدء العام الجديد من دون حكومة هو إشارة سيئة للأسواق ولثقة المواطن والمُستثمر. وبالتالي إستمرار الوضع على ما هو عليه في العام 2020، سيؤدّي إلى نتائج كارثية.

أمّا على صعيد العام 2019 وبحسب مصادر وزارة المال، فقد تراجعت الإيرادات بنسبة 35% إلى 40% في الأشهر الثلاث الأخيرة مما سيرفع عجز موازنة العام 2019 (بحسب تقديراتنا) إلى 5.5 مليار دولار أميركي وهو ما يتخطّى العجز المتوقع في موازنة العام 2019 (4.1 مليار دولار أميركي). هذا الأمر سيجعل حاجة لبنان إلى العملة الصعبة تقارب الـ 8 مليار دولار أميركي في العام 2020 (إستحقاقات دين عام بالإضافة إلى عجز 2019 بالعمّلة الصعبة)، وهو ما سيتمّ تحميله لمصرف لبنان في غياب حكومة أصيلة. الجدير ذكره أن مصرف لبنان يخضع لضغوطات مالية جمّة وهجوم إعلامي كبير يُهدّد الثقة بالسلطة النقدية وبالتالي بالليرة اللبنانية! من هنا نرى ضرورة تشكيل الحكومة قبل نهاية هذا العام والإسراع في تنفيذ شروط مؤتمر سيدر مما سيسمح لنا بالخروج من الأزمة من دون تداعيات مالية يُروّج لها البعض مثل الـ هيركت وإعادة هيكلة الدين العام وخفض سعر صرف الليرة.

Print Friendly, PDF & Email
Source الديار

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More