بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

حالة هلع تجتاح الأسواق.. والمصارف تحت الضغط

تضييق على العمليات بالدولار.. والحكومة باب الخلاص

الديار | بروفسور جاسم عجاقة

حالة من الهلع إجتاحت المودعين في المصارف اللبنانية بعد التضييق الذي قامت به هذه الأخيرة على العمليات بالدولار الأميركي. العديد من المودعين توجّهوا إلى مصارفهم بهدف تحويل ودائعهم بالليرة إلى الدولار الأميركي ومنهم من طلب تحويل أموال إلى الخارج بهدف الإستيراد.

عمليات التضييق هذه برّرتها المصارف بشكل غير واضح، حيث قام الموظّفين في المصارف بإعطاء حجج غير مُقنعة مثل “لا يوجد كاش في الفرع وناطرين يجيبولنا”، أو “في قرار من مصرف لبنان بمنع التحويل”، أو “حاطين سقف ما فيك تحوّل أكتر من هالمبلغ”…

على كل الأحوال هذه الحجج لم تُقنع المودعين ومنهم من بدأ ينتابه الذعر مستذّكرًا تسعينات القرن الماضي والأزمة التي طالت المصارف والليرة اللبنانية أنذاك!

ويبقى السؤال: هل من مخاوف على الودائع؟ وهل من خوّف على الليرة اللبنانية؟

الجواب على هذه الأسئلة تبقى ضمن النتائج التي تُعطيها تحليلات الأرقام المُتوافرة. فإحتياط مصرف لبنان يبلغ 38.2 مليار دولار أميركي منها 32.1 مليار دولار قابلة للإستخدام (Liquid Assets). هذا الرقم كفيل بالقول أن لا خوّف على الليرة اللبنانية مهما زاد الطلب على الدولار الأميركي. لكن المُشكلة أن مصرف لبنان مُلزّم بشكل غير مباشر أن يُلبّي حاجة الدوّلة والإستيراد وطلب السوق على الدولارات (الناتج عن حالة الهلع) في نفس الوقت الذي يجب أن يحمّي فيه الليرة اللبنانية من أي مضاربة في السوق.  بالتحديد المُشكلة تكّمن في أربعة نقاط أساسية:

أولًا – الإستيراد المُفرط والذي أصبحت أرقامه خيالية نسبة إلى مداخيل اللبنانيين. بتعبير أخر، اللبناني يُنتجّ قسم كبير من مدّخوله بالليرة اللبنانية (التصدير ضعيف والسياحة ضعيفة) وفي المقابل يستوّرد كمّ هائل من السلع والبضائع. مدخول الإقتصاد اللبناني بالليرة اللبنانية لا يسّمح له بإستيراد هذا الكمّ الهائل بالدولار الأميركي نظرًا إلى أن الطلب على الدوّلار يعني بيع الليرة اللبنانية وبالتالي خفض سعرها مقابل الدولار مما يعني أن على مصرف لبنان تحمّل هذه الخسارة من إحتياطاته. وهذه كارثة!

ثانيًا – تهريب الدوّلارات إلى بعض الدوّل المجاورة وأخرها عملية القبض على شخص كان ينّقل حقيبة صيرفة فيها 1.3 مليون دولار أميركي كل 48 ساعة أي ما يوازي 237 مليون دولار سنويًا. يعني إذا كان هناك عشر أشخاص مثله، فإن المبلغ الإجمالي الذي يتمّ تهريبه إلى الخارج يوازي الـ 2.5 مليار دولار أميركي يتمّ سحبه من إحتياط مصرف لبنان.

ثالثًا – حاجة الدوّلة اللبنانية إلى الدولارات لسدّ إستحقاقاتها خصوصًا بعد الصعوبات التي تواجهها في الإستيدانة في الأسواق. وتُقدّر هذه الحاجة بـ 5 مليارات دولار أميركي موزّعة بين المحروقات (شركة كهرباء لبنان، إستحقاقات الديّن العام، المحروقات للمؤسسات والوزارات العامّة، الخدمات الإستشارية…). ومدّخول الدوّلة من العمّلة الصعبة قليل نسبة إلى حاجتها مما يعني أن على مصرف لبنان تأمين هذه المبالغ من إحتياطاته!

رابعًا – حالة الهلع التي ضربت المواطنين منذ حادثة قبرشمون وحتى الساعة حيث قام العديد منهم بتخزين ما يُقارب 2.5 مليار دولار أميركي في المنازل إضافة إلى تحويل حساباتهم المصرفية إلى دولار أميركي وطلب البعض الأخر تحويل أمواله إلى خارج لبنان!

هذه النقاط تُشكّل عامل ضغط هائل على إحتياطات مصرف لبنان ولكن أيضًا على إحتياطات المصارف من العمّلة الصعبة. وبالتالي نرى أن عمّلة التضييق التي قامّت بها المصارف هي عملية طبيعية للحدّ من الطلب عبر وسائل ردّع منها قانوني (قرار القاضي عويدات) ومنها إداري (تعقيدات مصرفية للقيام بالعمليات)…

بالإجمال يُمكن القوّل أن الحديث عن أزّمة ليرة وإنخفاض سعرها هو غير واقعي نظرًا إلى أن مصرف لبنان حافظ على إحتياطاته من التآكل. أيضًا لا يُمكن الحديث عن إفلاس المصارف اللبنانية وهي التي تمّتلك رأسمال بقيمة 20 مليار دولار أميركي ومن المفروض بحسب تعميم مصرف لبنان الأخير أن تزيد رأسمالها بقيمة 4 مليار دولار أميركي من أرباحها في العامين 2018 و2019 إضافة إلى تأمين 800 مليون دولار أميركي من قبل المُساهمين.

هذا الأمر يعني أن لا خوف في الوقت الحالي على الليرة اللبنانية أو على المصارف اللبنانية. لكن إستمرار الوضع السياسي على ما هو عليه، قدّ يؤدّي إلى تداعيات نذكر منها:

أولًا – زيادة الضغط على الليرة اللبنانية وهو ما قدّ يؤدّي إلى إستنزاف إحتياط مصرف لبنان من العملات الصعبة؛

ثانيًا – زيادة الضغط على المصارف اللبنانية التي بأغلب الظّن لن تقوم بتلبية كل المطالب من قبل المودعين خصوصًا في ما يتعلّق بالدولار الأميركي؛

ثالثًا – مالية الدوّلة ستتعرّض إلى نكسة كبيرة خصوصًا في أخر هذا العام مع موعد إستحقاق إعادة تقييم تصنيف لبنان الإئتماني من قبل وكالتي ستاندآرد آند بورز وفيتش والذي أغلب الظنّ سيكون خفض التصنيف على مثال التخفيض الذي قامت به وكالة موديز. وهذا الأمر سيكون له تداعيات على خدّمة الدين العام التي سترتفع حكّمًا وبالتالي ستزيد من العجز الذي سيتحمّله القطاع المصرفي ومصرف لبنان أي بمعنى أخر زيادة الضغط على الليرة وعلى القطاع المصرفي؛

رابعًا – زيادة نسبة الفقر نتيجة تردّي الوضع الإقتصادي وصرف العديد من الموظّفين وهو ما حذّر منه وفد البنك الدوّلي الذي زار فخامة رئيس الجمّهورية من يومين حيث قال أن إستمرار الوضع على ما هو عليه سيرفع نسبة الفقر إلى 50% من الشعب اللبناني. الجدير ذكره أن 67% من الشعب اللبناني يمتلك ثروة أقلّ من 10 الاف دولار أميركي للشخص الواحد!

هذا الواقع الآليم لا يُمكن الخروج منه إلا من خلال عدد من الإجراءات التي لا يُمكن تخطّيها:

أولاً – تشكيل حكومة في أسرع وقت ممكن نظرًا لما لوجودها من تداعيات إيجابية في الأسواق من ناحية الثقة التي قدّ تُلقيها لدى اللاعبين الإقتصاديين. هذا الأمر هو أهمّ نقطة على الإطلاق؛

ثانيًا – مساعدة المجّلس النيابي على إقرار موازنة العام 2020 بأسرع وقت مُمّكن حتى لا نتخطّى المُهل الدستورية نظرًا إلى أن وكالات التصنيف تُعلّق أهمّية كبرى على هذا الأمر؛

ثالثًا – تنفيذ الإصلاحات التي أقرّتها الحكومة في موازنة العامّ 2019 و2020 بالإضافة إلى عدد من الخطوات السريعة بهدف إمتصاص التداعيات الإقتصادية والمالية للشلل الحاصل في لبنان منذ أكثر من شهر (تشديد الرقابة على الجمارك، تشريك القطاع الخاص في الكهرباء، إعادة تقييم بدل إشغال الأملاك البحرية والنهرية، إلغاء كل المؤسسات والوزارات التي لا لزوم لها، لجم الإيجارات، لجم بدل السفر والتعويضات وغيرها)؛

رابعًا – تنفيذ الإصلاحات المطلوبة من قبل مؤتمر سيدر بأسرع وقت لتحرير أموال مشاريع البنى التحتية المنوي القيام بها لما لدخول الأموال بالعمّلة الصعبة وتحفيز الماكينة الإقتصادية من تأثير على النمو الإقتصادي وعلى دعم الليرة اللبنانية ومحاربة الفقر.

في الواقع لبنان لا يمّلك ترف الوقت، لذا يتوجّب على القوى السياسية العمّل سريعًا على تشكيل الحكومة التي تُعتبر الممرّ الوحيد للخروج من هذه الأزمة!

Print Friendly, PDF & Email

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More