بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

جدول أعمال روتــيــنــي فاجأ الأسواق التي تنتظر إجراءات إقتصاديّة من الحكومة

المقاربة السياسيّة للملفات ستُعطّلها والحلول جزئيّة

الديار | بروفسور جاسم عجاقة

لبنان على موعد الأسبوع القادم مع جلسة لمجلس الوزراء هي الأولى بعد جلسة إقرار مشروع الموازنة. وإذا كانت الأسواق تنتظر من الحكومة البدء ببحث شؤون إقتصادية، فاجأت الأمانة العامة لمجلس الوزراء الأسواق بإصدار جدول أعمال روتيني من 100 بند يحتوي على شؤون مالية (تحاويل من الإحتياط إلى بنود أخرى، تجديد عقود مع شركات، تسديد أتعاب، إعفاءات من رسوم بلدية…)، شؤون وظيفية، شؤون عقارية، إتفاقيات، وشؤون متفرّقة (من بينها أذون سفر). بالطبع هذه الأمور هي أمور أساسية يتوجّب على الحكومة بحثها وإقرارها وذلك بهدف تيسير أمور الإدارات العامة والمواطنين. إلا أن ما كانت تنتظره الأسواق في الوقت الحالي أن يكون هناك بنود تتعلّق بالواقع الإقتصادي خصوصًا أننا على أبواب بدء بحث موازنة العام 2020 والإستفادة من أموال سيدر.

بالطبع جرت العادة أن يتمّ طرح بنود من خارج جدول الأعمال (من صلاحيات رئيس مجلس الوزراء) إلا أن طرح بند بحجم الملفات الإقتصادية يتطلّب أوراق ومستندات يتوجّب دراستها من قبل الوزراء قبل طرحها على طاولة مجلس الوزراء.

مقاربة عملية للملفات الإقتصادية

جرت العادة أن أي ملف (إقتصادي أو غير إقتصادي) يُطرح على طاولة مجلس الوزراء هو موضوع تجاذبات سياسية وهذا أمر طبيعي بحكم أن مجلس الوزراء هو مجلس سياسي. لكن ما هو غير طبيعي أن يتمّ تعطيل الملفّ في حال كانت التجاذبات قوية، إذ من المفروض أن يطغى الطابع العلمي على الملف وليس تأجيل البت فيه لحين إيجاد توافق السياسي. في الواقع ما يجب عمله هو المثابرة على دراسة الملف موضوع الخلاف ضمن مقاربة علمية تضّمن نهاية سعيدة لمصلحة الشعب اللبناني.

لكن ما هو الملفّ الإقتصادي الواجب على الحكومة بتّه؟ الجواب بسيط، إقرار خطّة إقتصادية للنهوض بالإقتصاد اللبناني وتحويله من إقتصاد شبه ريعي إلى إقتصاد مُنتج. لكن عمليًا ما هي الخطوات الواجب إتخاذها؟

نصّت الفقرة ومن مُقدمة الدستور أن الاقتصاد اللبناني هو إقتصاد حرّ. وعبارة «إقتصاد حرّ» هي عبارة مقتبسة من اللغة الأجنبية «الليبرالية الإقتصادية» والتي نشأت نتيجة أبحاث العالِمَيّن أدام سميث وديفيد ريكاردو اللذين اعتبرا اعتماد مبدأ حرية السوق هي الطريقة الأكثر فعّالية لتعظيم النشاط الاقتصادي من خلال ترك اللاعبين الإقتصاديين (شركات وأسر) أحرار في نشاطاتهم الإقتصادية. وأصرّ الباحثون على منع أي تدخّل من قبل الدولة يُزعزع هذه النشاطات (العجز المُزمن في الموازنة والإقتراض من الأسواق هو نوع من أنواع التدخل الذي يُزعزع الإقتصاد).

التجارب التاريخية خصوصًا أزمة العام 1929 أثبتت أن هذا المبدأ محدود مما دفع حكومات الدوّل إلى تغيير دورها في اللعبة الإقتصادية. وبالتالي وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، أصبحت الحكومات تتدخل أكثر وأكثر في الحياة الإقتصادية حيث بررّه العالم الإقتصادي كنيز بقوله «يتوجّب على الدولة أن تتدخل حين تفشّل الدورة الإقتصادية». إذًا دوّر الدوّلة في الإقتصاد هو دور تشريعي، تنظيمي، رقابي إضافة إلى إعادة توزيع الثروات (مبدأ ظهر مع تمدّد الإشتراكية في أوروبا). في هذا الإطار يرى الليبراليون أن دور الدوّلة هو دور «مُشجّع للتنافسية من خلال خلق إطار قانوني يسمح بتأمين عمل طبيعي للأسواق».

كيف يرى المُشرّع اللبناني «الإقتصاد الحرّ» بقوّله «النظام الاقتصادي حر يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة»؟ بالطبع هذا الأمر يحتاج إلى كتاب لشرح هذه الرؤية، لكن أبسط ما يُمكن قوله هو أنه كان يمتلك الرؤية السائدة في ذلك الوقت وهي حرية النشاط الإقتصادي مع دور تشريعي، تنظيمي، ورقابي للدولة إضافة إلى إعادة توزيع الثروات.

التطبيق على الأرض بعيد كل البعد عمّا قصده المُشرّع اللبناني، إذ نرى أن هناك تدخّلاً للدوّلة على عدّة أصعدة:

الأول: دورها المنصوص عليه في النظرية الإقتصادية وهنا نرى أن هناك تقصيراً هائلاً في التشريع، الرقابة، التنظيم وحتى العدالة الإجتماعية؛

الثاني: دور في الإنتاج وهو مخالف لمبدأ الإقتصاد الحرّ الذي يحصر النشاط الإقتصادي في الشركات أحد اللاعبيّن الإقتصاديين.

الثالث: دور غير منطقي تقوم به الطبقة السياسية من خلال إمتلاكها شركات تُساهم في العملية الإنتاجية.

النتيجة على الأرض: الإقتصاد اللبناني في حال يُرثى لها، والمالية العامّة حدّث ولا حرج.

 

الخطّة الإقتصادية

الوعود التي أطلقتها الحكومات المُتعاقبة لم تؤتِ ثمارها، وأخرها حكومة إلى العمل مع بيانها الوزاري المليء بالوعود. لذا ولتتمكن هذه الحكومة من الإيفاء بوعودها يتوجب إتباع ما سنطرحه تاليًا.

السياسة الإقتصادية هي عبارة عن مجموعة قرارات تأخذها الحكومة وتخدم الأهداف المُعلنة التي وضعتها. هذه السياسة ومن خلال أهدافها تهدف إلى تحسين الوضع الإجتماعي للبلد خصوصًا تحقيق عدالة إجتماعية، تضامن وطني، تقليل التمايز بين الطبقات الإجتماعية، وتحسين مُستوى المعيشة. ولتحقيق هذه الأهداف تستخدم السلطات عدة أدوات تُسمّى السياسية الإقتصادية ولها عدّة أوجه: السياسة المالية، السياسة الضريبية، السياسة الإجتماعية، السياسة النقدية، وسياسة الدخل. وتنقسم السياسة الإقتصادية إلى شقّين بحسب البعد الزمني: سياسية هيكلية وسياسة ظرفية.

السياسة الهيكلية هي سياسة إقتصادية وإجتماعية هدفها التأثير الإيجابي على العوامل الأساسية للماكينة الإقتصادية والحياة الاجتماعية، وتكون نتائجها على الآمد البعيد. وبالتالي يُمكن وصفها بإجراءات آنية مع نتائج بعيدة في الوقت تهدف إلى تغيير عميق (هيكلي) في طريقة عمل الماكينة الإقتصادية بهدف تحسين هيكلية وأُسس الاقتصاد. فعلى سبيل المثال، تعتبر الإستثمارات في التربية من خلال خلق إختصاصات جديدة نوع من أنواع السياسة الهيكلية لأنها تُحسّن عوامل الإنتاج وبالتالي تضمن تنافسية مُستدامة.

إجتماعيًا يُعاني لبنان من لا عدالة إجتماعية كبيرة تتمثّل بتركيز كبير للثروات والنشاط الاقتصادي في بيروت وجبل لبنان ونسبة فقر في الأطراف تفوق الـ 36%. من هنا تبدأ أسس السياسة الهيكلية مع هدف واضح خلق فرص عمل في هذه المناطق من خلال تطوير النشاط الاقتصادي للقطاع الخاص. ولمعرفة نوع الأنشطة التي يُمكن القيام بها يتوجّب القيام بعملية مسحّ للقدرات البشرية الموجودة في هذه المناطق بهدف القيام بتحليل «Value Chain Analysis» (يُستخدمّ من قبل البنك الدولي) يسمح بإستخراج القطاعات التي من المُمكن الإستثمار بها. مما يعني إلزامية وضع سياسية ضريبية مؤاتيه في هذه المناطق بهدف جذب الإستثمارات في هذه المناطق وتوظيف عُمّالها. وبالتوازي مع هذا الأمر، يتوجّب على الحكومة تأمين البنى التحتية اللازمة لهذه الأنشطة من طرقات وكهرباء وغيرها.

يُعاني لبنان من تخلّف إقتصادي (يُعرّف بإستثمار جزئي للثروة الطبيعية والبشرية). وبما أن لبنان يحّوي على العديد من المهارات العالية (في مجال التكنولوجيا والمعرفة)، لذا يتوجّب على الحكومة وضع الأسس لبدء تخصص الماكينة الإنتاجية عبر تحويل إقتصاد المعرفة والتكنولوجيا إلى مُكوّن مُهمّ من الناتج الإجمالي المحلّي. لهذا الهدف يجب خلق مُجمّعات تكنولوجية على شكل السيليكون فاليه تكون مُلتقى الجامعات والشركات الخاصة (خصوصًا الصغيرة والمُتوسطة الحجم) وذلك من خلال سياسة ضريبية مُقنعة.

عجز هيكلي في الميزان التجاري بحسب أرقام القطاع الخارجي، تُشير إلى عجز يفوق الـ 17 مليار دولار أميركي ويعود السبب إلى ضعف قطاعي الصناع والزراعة. وهنا تبرز الإجراءات الهيكلية التي من المفروض على الحكومة إتخاذها وعلى رأسها تقوية القطاع الصناعي والزراعي مع تخصّص في مجالات مُعيّنة. ويُمكن إتباع منهجية تنص على تحديد أول 20 سلّعة يستوردها لبنان ومحاولة إنشاء مصانع لإنتاج هذه السلع أوّ أقلّه تجميعها. وهذا الأمر سيُقلّل من عجز الميزان التجاري ومعه عجز ميزان المدفوعات كما سيسّمح بخلق وظائف للبنانيين مما يؤدّي إلى إنماء إجتماعي.

على صعيد الثروة النفطية، يُمكن ملاحظة غياب أي خطّة لمواكبة عصر النفط والغاز والذي ستبرز ملامحه الأولى بحلول العام 2025. هذه الخطّة أساسها تحديد القطاعات التي ستتأثر مباشرة من هذه الثروة (من خلال إعتمادها على النفط والغاز ـ مثل قطاع النقل) أو غير مباشرة (القطاعات الداعمة ـ مثل قطاع الفنادق). ثمّ على أساس هذا التحديد يتمّ وضع خطّة تسمح لهذه القطاعات بمواكبة إنتاج النفط والغاز مثل إنشاء خزّانات إستراتيجية.

السياسة الظرفية محدودة في الوقت (مدى قصير ومتوسط) تهدف إلى تحقيق الأهداف التالية: خفض البطالة، لجم التضخم، تحفيز النمو، وتوازن الميزان التجاري. هذه السياسة معروفة باسم المُربّع السحري للإقتصادي نيكولا كالدور.

تردّي الوضع المالي لا يسمح للدوّلة بالقيام بالإستثمارات اللازمة لخلق فرص عملّ للشباب اللبناني، من هنا نرى أن تفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص وتحفيز الإستثمارات الخاصة هو من أكثر الأمور الضرورية. والأهمّ يبقى خصخصة بورصة بيروت ليُصبح الإقتصاد اللبناني من الإقتصادات التي تتموّل من الأسواق المالية بدل إعتمادها الكلّي على المصارف.

أمّا لجم التضخّم فهو أمر يتناقض وتحفيز الإستثمارات، من هذا المُنطلق يتمّ إستخدام ما يُسمّى بالـ «Pulse Injection» لضخّ الأموال في السوق. الجدير ذكره أن مصرف لبنان برفعه للفوائد على الآمد القصير إستطاع إمتصاص التضخّم الناتج عن سلسلة الرتب والرواتب وإرتفاع أسعار النفط.

تحفيز النمو يتمّ من خلال السياسة الضريبية التي تستهدف قطاعات ومناطق مُعيّنة بهدف تحقيق الأهداف البعيدة الآمد في نفس الوقت الذي يتمّ تحفيز النمو على الآمد القصير. ولكن الأهم أنه يُقوّي من الصناعة والزراعة التي مع رسوم على الإستيراد تُعيد التوازن إلى الميزان التجاري.

وتبقى مُشكلة المالية العامّة التي تعصف بمشروع موازنة العام 2019 وحتميًا ستعصف بمشروع موازنة العام 2020. على هذا الصعيد، يتوجّب القول إن الدوّلة اللبنانية فقدت الإنتظام المالي الذي يفرض أن يكون الميزان الأولي (أي نتاج الماكينة الإنتاجية) أعلى من خدمة الدين العام. وللأسف هذا الأمر لم يحصل منذ ستينات القرن الماضي. لذا يبقى خفض العجز من خلال تقوية الماكينة الإقتصادية (الميزان الأولي) وخفض الإنفاق (محاربة الفساد) الممرّ الأساسي لخفض العجز. لذا وبهدف عدم أخذ إجراءات تذهب بعكس السياسة الإقتصادية، يجب على الحكومة معالجة الفساد بالدرجة الأولى (تهريب جمركي، تهرب ضريبي، أملاك بحرية ونهرية…) والموارد غير المُستخدمة في الإقتصاد (الشقق الشاغرة، الحسابات المصرفية…) والأهم معالجة مشكلة الكهرباء.

في الختام يبقى القول أنه في لبنان، الحسابات السياسية تفوق الحسابات العلمية وبالتالي فإن أي إصلاحات هيكلية أو ظرفية تبقى رهينة التوافق السياسي.

Print Friendly, PDF & Email
مصدر الديار الجريدة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More