بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

تراجع الإستهلاك مؤشر خطير يُنذر بأزمة

جريدة الشرق | البرفسور جاسم عجاقة

الأزمة الإقتصادية التي يعيشها لبنان هي نتاج غياب السياسات المالية للحكومات المُتعاقبة. وهذا الأمر يُمكن ملاحظته من خلال توزيع الناتج المحلّي الإجمالي على القطاع الأولي، الثانوي وقطاع الخدمات.

عند الإنتهاء من الحرب الأهلية اللبنانية في تسعينات القرن الماضي، كان الإستهلاك يبّلغ حدود الـ 4 مليار دولار أميركي. وأخذ بإلإرتفاع في السنين اللاحقة حتى وصل إلى 20 مليار دولار أميركي في العام 2005. في نفس الوقت إرتفع الدين العام من 3 مليارات دولار أميركي إلى 38.5 مليار دولار أميركي مما يعني أن قسم كبير من هذا الإستهلاك تمّ تمويله بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال هذه الإستدانية (توظيف في القطاع العام، مناقصات عمومية…).

الأرقام أخذت أبعادًا جديدة بين الأعوام 2006 إلى 2010 حيث إرتفع الإستهلاك من 22 مليار دولار أميركي إلى 38 مليار دولار أميركي كنتيجة للنمو الإقتصادي الذي تمّ تحقيقه من الطفرة العقارية. وإستمر بالإرتفاع إلى أن وصل في العام 2018 إلى 56.13 مليار دولار أميركي أي أكثر من 100% من الناتج المحلّي الإجمالي. لكن هذا الإرتفاع الذي كان من المفروض أن يأتي من النشاط الإقتصادي، قسم منه كان مُموّلًا من الإستدانة إذ أن كِلا القطاع الخاص والقطاع العام إستدان أرقامًا ضخمة من القطاع المصرفي. فقد بلغت قيمة القروض إلى القطاع الخاص 60 مليار دولار أميركي في أوائل العام 2018 لتنخفض إلى أقلّ من 50 مليار دولار أميركي حاليًا. وهذا الإنخفاض ناتج بالدرجة الأولى عن وقف القروض بشكل كبير (Credit Crunch) الذي بدأت المصارف بتطبيقه. كما أن إرتفاع الفوائد دفع العديد من المُقترضين إلى سدّ ديونهم قبل إستحقاقها لتفادي دفع فوائد مُرتفعة.

بعد ما يقارب الثلاثون عامًا على إنتهاء الحرب الأهلية، لم تستطع الحكومات المُتعاقبة من خلق هيكلية متنوّعة للإقتصاد اللبناني الذي أصبح خدماتيًا بإمتياز مع أكثر من 75% من هذا الإقتصاد آت من قطاع الخدمات. والأصعب في الأمر أن القطاعين الصناعي والزراعي تراجعا إلى مستويات فقد لبنان معها أمّنه الغذائي. وما إرتفاع سعر الدولار لدى الصيارفة والناتج عن القيود على الدولارات التي فرضتها المصارف، إلا دليل قاطع على التعلّق الكلّي للإقتصاد اللبناني بالخارج.

عمليًا، إرتفاع أسعار الدولار لدى الصيارفة سيُقلّل من الإستيراد بحكم أن إرتفاع الدولار يزيد من أسعار البضائع المُستوردة وبالتالي يُخفّض من القدرة الإستهلاكية للمواطن. هذا الإنخفاض في الإستهلاك نُقدّره بما يُقارب الملياري دولار أميركي في العام 2019، ليأخذ أبعادًا أكبر في العام القادم. وبالتالي سيتمّ اللجوء إلى إستيراد البضائع من دول أخرى حيث كلفة البضائع أقلّ مثل الدول الإقليمية المُجاورة (تركيا، سوريا…).

خفض الإستيراد سيطاول بالدرجة الأولى الكماليات وعلى رأسها قطاع السيارات الذي يبلغ حجم الإستيراد فيه ما يقارب المليار دولار أميركي. أيضًا سيتمّ التعويض عن بعض السلع المُستوّردة تقليديًا من بلدان أوروبية بسلع مُستوردة من الصين، الهند، تركيا، البرازيل وغيرها.

التداعيات الإجتماعية ستكون كبيرة حيث سنشهد ظاهرة إقتصادية جديدة أسميناها ظاهرة «العودة إلى الحجّم الطبيعي». فتخطّي الإستهلاك للناتج المحلّي الإجمالي يعني أن الشعب اللبناني يُنفق أكثر مما يُنتج. وبالتالي فإن هذا الإنفاق الفائض كان يُموّل من الإستدانة أو من الفساد أي دين على الدوّلة.

القيود على القروض المصرفية والإحتجاجات الشعبية أوقفت هذا التمويل وبالتالي من المُتوقّع أن يعود الإقتصاد إلى مستويات أقلّ تعكس القدرة الحقيقية للإنتاج الوطني. وبإعتقادنا وفي ظل غياب أية إصلاحات إقتصادية، من المُتوقّع أن ينخفض هذا الإستهلاك أكثر من 30% في العام المقبل!

بالطبع الحلّ يكمن في تشكيل حكومة قادرة على إقرار إصلاحات مالية وإقتصادية. ومن أهم هذه الإصلاحات (في ما يتعلّق بالماكينة الإنتاجية)، تخصيص أملاك عامّة لتأجيرها لمستثمرين يريدون إنشاء مصانع لتصنيع المُنتجات الغذائية التي يستوردها التجار وذلك بهدف تصحيح الخلل في الماكينة الإقتصادية ولكن أيضًا تدّعيم الأمن الغذائي. أيضًا يجب أن يكون للمُستثمرين في القطاع الزراعي حصّة من هذه الأملاك وذلك لزرع القمح وتربية الأبقار والدواجن نظرًا إلى الأرقام الهائلة لإستيراد هذه المواد (540 مليون دولار إستيراد لبنان من الأبقار الحيّة ولحوم الأبقار).

في الواقع غياب مثل هذه الإجراءات يعني زيادة البطالة والفقر وبالتالي زيادة الإحتجاجات الشعبية والهجرة. ومن المُتوقّع أن يزيد عدد طلبات الهجرة من لبنان إلى الخارج بشكل ملحوظ في الأشهر القادمة خصوصًا إذا ما ساءت الأوضاع السياسية والأمنية في لبنان.

على كل الأحوال هناك إلزامية للتسريع في تشكيل حكومة تُلبّي التحدّيات الراهنة وتُنقذ البلد من آتون الصراعات التي تعصف بالمنطقة.

Print Friendly, PDF & Email
مصدر جريدة الشرق الجريدة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More