بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

تحذيرات “موديز” المتكررة وغواية أموال صفقة القرن

موقع المدن | خضر حسان

أطلقت وكالة “موديز” للتصنيف، مطلع العام 2019، نداءً تحذيرياً للطبقة السياسية اللبنانية، مفاده ضرورة إجراء إصلاحات اقتصادية ومالية لتفادي الأسوأ. والنداء جاء إثر تخفيض الوكالة لتصنيف لبنان من B3 إلى CAA1، مع تعديل النظرة المستقبلية إلى مستقرة. لكنها أبقت باباً إيجابياً باتجاه التعديل، فيما لو قامت الحكومة بإصلاحات مالية مهمة، تدعم استقرار الاقتصاد الكلي، مع خفض نسبة الدين العام، من دون الحاجة إلى هيكلته. وفي حال العكس، فإن التصنيف قابل للإنخفاض أكثر.

موديز تحذّر ولبنان يطمئن

جدّدت موديز تحذيراتها للبنان بعد نحو خمسة أشهر من التحذير الأول. لم يطرأ أي جديد على الاقتصاد اللبناني. ولعلّ هذا الثبات هو المدخل الذي اعتمدته الوكالة لإعادة تذكير لبنان بأزمته الاقتصادية والمالية. وهذا المدخل يتشعّب إلى ثلاثة أقسام، حسب الخبير الاقتصادي غازي وزني، الذي يشير في حديث لـ”المدن”، إلى أن “أسباب التحذيرات تستند أولاً على تحفظات موديز على مشروع موازنة 2019، ثانياً على تباطؤ تدفقات الرساميل الآتية من الخارج، وثالياً على ضعف نمو الودائع”. وارتكازاً على ما تقدّم، رأت موديز أن هناك احتمالاً لأن تقوم الحكومة “باتخاذ تدابير تشمل إعادة جدولة الدين أو القيام بإجراء آخر لإدارة الالتزامات”.

إزاء التحذيرات المبنية على معطيات اقتصادية، استند وزير المال علي حسن خليل، وقبله حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، على معطيات واقعية لطمأنة اللبنانيين والمجتمع الدولي إلى قدرة لبنان على سداد ديونه والتزاماته المالية، على الأقل خلال العام 2020. كما أن موديز نفسها أقرّت في آذار الماضي، بقدرة القطاع المصرفي اللبناني على تمويل القطاعين العام والخاص، وهذا مؤشر إيجابي في الفترة الحالية.

سباق مع الوقت

تنتظر وكالات التصنيف العالمية الثلاث موديز وفيتش وستاندرد أند بورز، بروز أي معطيات مستجدة، لتغيير تصنيف لبنان، سلباً أو إيجاباً. وفي الوقت الراهن، تتجه الأنظار نحو انعكاسات إقرار مشروع موازنة العام 2019، وما ستحمله من تغييرات إيجابية حول خفض العجز.

وبالتوازي، تنظر وكالات التصنيف إلى ما سيفعله لبنان حيال مشروع موازنة العام 2020. فلبنان يسابق الوقت، لأن وازرة المالية يفترض بها التحضير لموازنة 2020، فيما مجلس النواب يسارع إلى إقرار موازنة 2019، في ظل انقضاء نصف السنة المالية المتعلقة بتلك الموازنة. ما يعني أن الإصلاحات المرتبطة بموازنة 2019، يجب أن تُنفَّذ خلال نصف المدة المعهودة، وهذا ما يزيد الضغط على لبنان، ويستدعي تحذيرات من وكالات التصنيف. وهذه المؤشرات دفعت وزني إلى دعوة الحكومة لأن تكون “أكثر حزماً في تنفيذ الإصلاحات من جهة، وأن تتخذ من موازنة 2020 خطوة أكثر جدية للانطلاق نحو معالجة العجز المالي”.

إعادة الجدولة وصفقة القرن

يقلل الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة من تأثيرات تقرير موديز المكرر. فبرأيه أن “كل ما تقوله الوكالة هو أن احتمالات عدم إلتزام لبنان بتخفيض العجز، ترتفع مع الوقت، لأن لبنان تأخر في إقرار الموازنة، وسط عدم إنجاز شيء عبر موازنة 2018، بالإضافة إلى استمرار تفشي الفساد، فضلاً عن معطيات كثيرة تساهم في تفاقم النظرات السلبية. لكن يبقى التقرير تقريراً تحذيرياً ليس إلا”.

ويلفت عجاقة النظر خلال حديث لـ”المدن”، إلى أن حديث بعض وسائل الإعلام عن “إعادة هيكلة الدين بدل جدولة الدين” هو تفسير خاطىء لكلام موديز. فإعادة الهيكلة “تشير إلى الإفلاس”. ويوضح أن “إعادة الجدولة هي إعادة تنظيم للديون، تسمح بتمديد فترة سدادها من دون كلفة إضافية، فيما إعادة الهيكلة تعني ترتيب أكلاف إضافية على الدولة، وبالتالي ترتفع قيمة الديون”.

طرح احتمال إعادة الجدولة في ظل السباق مع الوقت وتغلغل الفساد من دون نية جديّة لمحاربته، يعني أن الاقتصاد اللبناني لا يقف على أرضية ثابتة. وما الكلام عن استقرار واضح للعام 2020، سوى محطة لطرح تساؤلات عمّا بعد العام المقبل، الآتي بعد ستة أشهر، ليس فيها بوادر إصلاحات. وعدم ثبات الأرضية، حمل موديز إلى توجيه رسالة اقتصادية لا تخلو من البُعد السياسي غير المباشر، والمرتبط بصفقة القرن التي تعد المنطقة العربية بانفراجات اقتصادية، نتيجة طرح مبلغ 50 مليار دولار في أسواقها عبر المشاريع الاقتصادية. ومن وجهة نظر عجاقة، فإن موديز تلوّح من باب الاقتصاد، بوجوب قبول لبنان بصفقة القرن للحصول على الأموال الآتية عبرها.

مصدر موقع المدن

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More