بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

تأخير إقرار الموازنة كارثة على المالية العامّة وعلى الاقتصاد والمواطن

الديار | بروفسور جاسم عجاقة

الظاهر من الأرقام المتوافرة أن الاقتصاد اللبناني بدأ يدخل مرحلة صعبة قد يصعب الخروج منها في العام المُقبل حتى ولو استطاعت الحكومة الإيفاء بتعهداتها في ما يخص عجز الموازنة أي الوصول إلى نسبة عجز 7.59% من الناتج المحلّي الإجمالي. ويأتي التأخّر في بتّ مشروع موازنة العام 2019 ليزيد من الأضرار الاقتصادية مع توقعات سلبية من ناحية زيادة العجز في هذه الموازنة بعد انتهاء لجنة المال والموازنة من دراستها وتعليق المُستثمرين كل مشاريعهم لحين البت في الموازنة.

 عوامل سياسية ومالية سلبية

الاشتباك السياسي الذي حصل ويحصل منذ الانتخابات النيابية في أيار من العام الماضي، أدى دوراً سلبيا في ثقة المستثمرين والمُستهلكين. فقد علّق معُظم المستثمرين استثماراتهم بانتظار أن تتقشّع الصورة السوداوية التي تركتها مرحلة تشكيل الحكومة وما رافقها من خطاب طائفي، مذهبي وحزبي أشعل المخاوف وأوقف الاستثمارات. وترافقت هذه المرحلة مع توقّف القروض السكنية مما دفع إلى تراجع القطاع العقاري بنسبة تاريخية منذ بداية الأزمة السورية.

وأخذ المُصطادون في المياه العكرة ببثّ إشاعات حول وضع الليرة اللبنانية وانهيارها «المرتقب» بحسب تعبيرهم. وهذا الأمر دفع باللاعبين الاقتصاديين (مستهلك ومُستثّمر) إلى زيادة الطلب على الدولار الأميركي كما تُثبته أرقام دولرة الاقتصاد اللبناني التي كانت 68.35% في أيار 2018 لتبلغ 70.87% قبل تشكيل الحكومة في أواخر كانون الثاني 2019. وإذا انخفضت هذه النسبة إلى 70.6% بعد تشكيل الحكومة، إلا أن الإشاعات التي استمرّت مدعومة بتوتّر كبير رافق مناقشة مشروع موازنة العام 2019 في مجلس الوزراء عادت لتزيد من نسبة دولرة الاقتصاد.

وكأن ذلك لا يكفي فأتت تصريحات مسؤولين كبار في الدولة عن إمكانية إفلاس الدولة اللبنانية لتضرب بشكل أكبر ثقة اللاعبين الاقتصاديين وخصوصًا المُستهلك الذي وبحسب الأرقام أخذت نسبة الإستهلاك إلى الناتج المحلّي الإجمالي بالتراجع حتى وصلت إلى 85.6% مقارنة بـ 88.3% عند بداية الأزمة السورية (أرقام البنك الدولي). وازدادت المخاوف أكثر مع تحوّل أرقام المالية العامّة إلى مادّة إعلامية تتناقلها وسائل الإعلام وكأن لبنان أصبح على باب قوسين من إعلان إفلاسه وهذا يُثير مخاوف لدى عامّة الشعب نظرًا إلى أن المادّة الاقتصادية هي مادّة غير شعبية ومصطلحاتها ليست في متداول الجميع.

مكونات الاقتصاد تتراجع

الرأي العام حفظ نتيجة واحدة من كل الأرقام التي تمّ طرحها في الإعلام وهي أن البلد ذاهب إلى الإفلاس. ولم يعِ الرأي العام أن بسلوكه الاقتصادي عبر خفض الاستهلاك والاستثمار هو من يفتعل الأزمة.

في لبنان يتمّ تمويل عمودي الاقتصاد أي الاستثمار والإستهلاك بشق كبير من خلال القروض المصرفية. وقد وصلت هذه القروض في العام 2017 إلى حدود الـ 60 مليار دولار أميركي وهو رقم يفوق الناتج المحلّي الإجمالي. وتُشير الأرقام إلى تراجع القروض في لبنان مع انخفاض بلغت قيمته 4 مليار دولار أميركي على 4 أشهر خلال هذا العام! هذا الانخفاض آت من منطلق بدء مرحلة رفع المديونية التي بدأتها المصارف والتي هي صعبة جدا على الاقتصاد وبالتحديد على الاقتصاد اللبناني الذي كما وسبق وذكرناه في مقالاتنا السابقة يعتمد بالتمويل على المصارف (Banking based Economy).

خلال الأربعة الأشهر التي انخفضت فيها القروض، كان هناك تسديد للقروض القائمة بقيمة 4 مليار دولار أميركي وهذا قابله انخفاض بالودائع بقيمة 1.3 مليار دولار أميركي آتية من منطلق أن القروض المُسدّدة كانت مضمونة بودائع.

في مقابل ذلك انخفض الاستهلاك بحكم تراجع القوّة الشرائية للمواطن ولكن أيضا نتيجة المخاوف مما دفعه إلى حصر استهلاكه بالأساسيات وكما سبق الذكر، الاستهلاك هو مكوّن أساسي من مكونات الناتج المحلّي الإجمالي.

نمو سلبي هذا العام؟

ولكي تزيد الأمور سوءاً، بقي الاستيراد من الخارج على حاله في الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام مقارنة بحجم صادرات هزيل (أرقام الجمارك اللبنانية). هذا الأمر يعني أن عجز الميزان التجاري سيستمرّ في تسجيل أرقام تفوق الـ 15 مليار دولار أميركي سنويا ومعها ميزان المدفوعات الذي يؤدي دورا أساسيا في تصنيف لبنان الائتماني ولكن أيضا في سعر صرف الليرة اللبنانية.

ولكن الأمر الأكثر أهمية من الناحية الاقتصادية يبقى الميزان الأوّلي. فهذا المؤشر يُشير إلى وضع الماكينة الإقتصادية أو بمعنى أخر النشاط الاقتصادي اللبناني وبالتالي نرى أن هذا المؤشر ومنذ كانون الأول 2017، أخذ منحى إنخفاضياً مع تسجيله عجزاً قياسياً في شهر أيول 2018 بقيمة ألف مليار ليرة لبنانية أو ما يوازي 666 مليون دولار أميركي. وهذا الرقم قد لا يعني شيئاً للقارئ إلا أن ما يجب معرفته أن لا انتظام مالي في مالية الدوّلة إذ لم يُسجّل هذا المؤشر فائضاً بقيمة أعلى من قيمة خدمة الدين العام. فكيف الحال إذا كان يُسجّل عجزًا!!!

أمر كارثي اننا لم نسمع من قبل السلطة أي إجراءات فعلية لإصلاحه، وبالتالي هناك شبه حتمية أن يُسجّل الاقتصاد اللبناني هذا العام انكماشا للمرة الأولى منذ انتهاء الحرب الأهلية في تسعينات القرن الماضي.

تأخير بتّ الموازنة سيكون كارثياً

في ظل هذا الإطار الأسود، نرى استخفافا في التعاطي مع مشروع موازنة العام 2019 والذي كان من المفروض إقراره (في ظل احترام المهل الدستورية) في شهر كانون الأول من العام الماضي. إلا أن المناكفات والتعطيل الذي واكب تشكيل الحكومة والتي انعكست على جلسات دراسة مشروع موازنة العام 2019 في مجلس الوزراء الشهر الماضي، أدّت إلى تأخير إحالتها إلى المجلس النيابي. واليوم نرى أن المجلس النيابي يحتاج إلى شهر ونصف لإقرار هذه الموازنة مما يعني أن دراسة الموازنة ستأخذ من شهرين إلى ثلاثة أشهر بين مجلس الوزراء ومجلس النواب في الوقت الذي نرى فيه البلد متوقّفاً عن الحركة وتراجعت الإستثمارات والإستهلاك. إلى أين ذاهبون؟ ألا يكفي تأخير في الموازنة؟

إن القوى السياسية المُمثّلة في المجلس النيابي ولجنة المال والموازنة هي نفسها المُمثّلة في الحكومة. إذا ماذا يعني أخذ شهر ونصف إضافي في المجلس النيابي لدراسة الموازنة؟ بالطبع لجنة المال والموازنة تُمارس حقها، لكن السؤال: ماذا ستُعدّل في مشروع الموازنة خصوصًا أن بعض التعديلات مرهونة بموافقة الحكومة؟

إننا إذ نرى في هذا التأخير كارثة على اقتصاد ينتظر صعود الدخان الأبيض من المجلس النيابي بإقرار الموازنة للإنطلاق في الإستثمارات، نجد أنه من الضروري أن يعي المعنيون أهمّية إقرار الموازنة اليوم قبل الغدّ. وبتقديرنا، تأخير إقرار الموازنة على فترة ثلاثة أشهر سيؤدّي إلى تراجع النمو الاقتصاد 0.2% من الناتج المحلّي الإجمالي مع صعوبة عودة النشاط إلى حاله بعد إقرارها نظرا للقرارات التي اتخذها وسيتخذها المُستثمرون من ناحية القيام باستثمارات في لبنان أو الخارج.

مصرف لبنان… أم الصبي

إقتصاد يتراجع، مالية عامّة مزرية، صراع سياسي مُستمرّ، هذه هي مكونات الواقع الاقتصادي اللبناني. والأهم تعلو صرخات من هنا وهناك تُطالب مصرف لبنان بتمويل الدوّلة وتخفيض سعر صرف الليرة وفي الأخير ممنوع على مصرف لبنان إبداء الرأي!

المادّة سبعون من قانون النقد والتسليف أقرّت مهام مصرف لبنان بأربعة: المُحافظة على النقد، المحافظة على الاستقرار الإقتصادي، المحافظة على القطاع المصرفي، تطوير السوق النقدية والمالية.

مصرف لبنان يتبع قانون النقد والتسليف بحذافيره، ومهامه منصوص عليها في هذا القانون. وانتقاد أداء مصرف لبنان يجب أن ينبع من مبدأ وجود مخالفة لقانون النقد والتسليف وليس أي شيء أخر.

مهمّة مصرف لبنان الأولى هي الحفاظ على سعر صرف الليرة، وهناك من يجرؤ على لوم مصرف لبنان لمحافظته على سعر صرف الليرة ويدعوه إلى خفض قيمتها! أليس خفض سعر صرف الليرة مُخالفة للقانون؟

المهمّة الثانية لمصرف لبنان هي المحافظة على الاستقرار الإقتصادي وهذا ما فعله من خلال الدعم الذي قدّمه للقطاعات الإنتاجية والإستهلاكية منذ العام 2013 عبر رزم تحفيزية بقيمة مليار دولار سنويًا. والأصعب أن هناك من يلوم مصرف لبنان على القيام بهذا الأمر. هل خالف مصرف لبنان القانون بقيامه بدعم الإقتصاد؟

المهمّة الثالثة لمصرف لبنان هي الحفاظ على القطاع المصرفي وهذا ما فعله من خلال تنظيمه هذا القطاع الذي أصبح يُنافس نظرائه في الدول المُتطوّرة. ويأتي من ينتقد مصرف لبنان لسماحه للمصارف بالاستفادة من الهندسة المالية باعتبار أن الأرباح والعائدات التي أخذتها المصارف هي من أموال الدوّلة! كلا، هذه الأموال ليست من أموال الدوّلة ومن لا يعرف فليطّلع على قانون النقد والتسليف وسيعرف.

المُهمّة الرابعة لمصرف لبنان هي تطوير السوق النقدية والمالية وهذا ما فعله عبر مشروع المنصة الإلكترونية وبورصة بيروت والذي ينتظر تعيين أعضاء مجلس الإدارة من قبل الحكومة.

البعض اليوم يطلب من مصرف لبنان تمويل عجز الدولة ودينها باعتبار أن مصرف لبنان هو مؤسسة عامّة. نعم مصرف لبنان هو مؤسسة عامّة ولكن أمواله ليست للدولة اللبنانية، في الواقع هناك قسم كبير من هذه الأموال هو من المال العام. وقد منع قانون النقد والتسليف على مصرف لبنان إقراض الدولة بشكل تلقائي. فالمادتان 88 و89 سمحت لمصرف لبنان بتقديم تسهيلات لصندوق الخزينة على أن تكون في مرّة واحدة في السنة. والمادّة 90 كانت واضحة بقولها باستثناء التسهيلات لا يمنح مصرف لبنان قروضًا للقطاع العام.

المادّة 91 أعطت استثناء من خلال تحديد ظروف استثنائية الخطورة يُمكن للحكومة أن تطلب من حاكم مصرف لبنان قرضا. وأضافت المادة أن المصرف يدرس مع الحكومة إمكانية استبدال مساعدته بوسائل أخرى منها إصدار سندات، وفي حال وفقط في حال لا يوجد أي حلّ أخر يُمكن للمصرف المركزي منح القرض شرط قيام الحكومة بإجراءات (يقترحها المركزي) للحدّ من تأثير هذا القرض في قوّة النقد الشرائية.

بلغت مساعدة مصرف لبنان للدولة اللبنانية (الكلفة على مصرف لبنان) 2.8 مليار دولار أميركي في العام 2018 ويحمل مصرف لبنان 40% من دين الدوّلة. إذا ما المطلوب أكثر من مصرف لبنان؟ فعلا مصرف لبنان يقوم بدور «أم الصبي».

Print Friendly, PDF & Email
مصدر الديار الجريدة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More