بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

بطالة الشباب تتخطى المحظور… الصرف العشوائي شريك

قصفت الأزمة الاقتصادية الشرسة صميم الاقتصاد اللبناني الهش، واستفادت بعض الشركات من شرارة الإفلاس التي سرت في هشيم سوق العمل، لتعديل سياسات عملها وتقليص عدد العاملين لديها أو استبدالهم بعمال أجانب أقل أجراً مقابل زيادة نسب أرباحها. وراحت تستغل مظلة الضائقة المالية لتبرر صرف عاملٍ من هنا وموظفٍ من هناك، ما صنع صنيعه بمعدلات البطالة التي تخطت المحظور مع تقديرات تشير إلى معدلات تفوق الـ37 إلى 38 في المئة بشكل عام، و55 إلى 60 في المئة في صفوف الشباب، ما يهدد لقمة عيش آلاف المواطنين اللبنانيين ويضع مصير عيشهم الكريم على محك المزاج السياسي المتعكر والمتعثّر عن حل بديهيات الأزمات فكيف إذا كانت الأزمة بطالة تجاوزت كل الخطوط الحمر؟!   تتوالى عمليات صرف الموظفين العاملين بمؤسسات لبنانية وأجنبية منذ بداية العام 2016 حتى بلغ عدد المصروفين من بداية العام وإلى نهاية آب الماضي 2210 أجراء لبنانيين، حسب أرقام وزارة العمل .أما الأسباب فتعود إلى تعثر هذه المؤسسات اقتصادياً، وتكبدها خسائر مالية. وطالت عمليات الصرف تلك عاملين في مؤسسات عاملة بقطاعات مختلفة (تجارة، صناعة، منظمات وهيئات دولية، صحف، مطاعم، مستشفيات، وشركات خدمات). فصرفت بعض المؤسسات 762 أجيرا لسبب صعوبة آداء عملها في بعض المناطق، وأخرى صرفت 590 أجيرا، فيما صرفت مؤسسات اخرى موظفين وعاملين لبنانيين واستبدلتهم بآخرين أقل أجراً، تحديداً من الأجانب. ولم تقتصر عمليات الصرف على الفردية فصرفت بعض المؤسسات كامل أجرائها في نيسان الماضي والبالغ عددهم 247 أجيرا، لعدم تجديد عقود عمل معها. كما أن بعض الجمعيات والهيئات الدولية صرفت أكثر من 100 أجير وأخرى 31 أجيرا وثالثة 41 أجيرا، لعدّم توفر التمويل لبرامج عملها. والملفت أن وتيرة الصرف تلك من بداية العام وحتى مطلع أيلول لم تتراجع. وبحسب وزارة العمل الأسباب عديدة، منها: مزاحمة اليد العاملة السورية النازحة لليد العاملة اللبنانية في مختلف القطاعات. والأزمة السياسية الضاغطة على الوضع الاقتصادي، منها استمرار الشغور الرئاسي، الأزمة الحكومية، والصراع بين القوى السياسية والانقسامات المتحركة على إيقاع الخلافات الإقليمية. هذا بغض النظر عن تعذر بعض الشركات عن أداء مهامها على الأرض لأسباب أمنية. وتسير الأزمة، وعلى ما يبدو، نحو مزيد من التأزّم، وتستمر حتى كتابة هذه السطور عمليات صرف الأجراء من مؤسسات عدة في لبنان، ويؤخذ على بعض المؤسسات بحسب الوزارة القفز على الخطوة الأخيرة وهي صرف الأجير قبل اعتماد أي سياسة إدارية تنظيمية. علماً أن مؤسسات عديدة مرشحة لاتخاذ خطوات مماثلة، ما يرفع منسوب البطالة في لبنان ويهدد لقمة عيش آلاف اللبنانيين، ويؤثر سلباً على الاقتصاد اللبناني الهش. عمليات صرف “مبطنة”للوقوف على حقيقة هذه الأرقام وتأثيراتها السلبية على الاقتصاد اللبناني ومعدلات البطالة، كان لـ”البلد” حديث مع الخبير الاقتصادي البرفيسور جاسم عجاقة، الذي يرى بأن الأرقام الحقيقية للعاملين اللبنانيين المصروفين من مؤسسات وشركات لبنانية هم أكثر بنسبة تتراوح بين الـ30 والـ50 في المئة زيادة عن الرقم المذكور أعلاه، (2210 عاملين) و”هي الأرقام التي تعرفها وزارة العمل فقط، فهناك عمليات صرف مبطنة تقوم بها الشركات من دون أن تعلم بها الوزارة، فبدل من أن تصرف الشركة 10 أو 15 موظفا تقوم بصرف موظفيها الواحد تلو الآخر تحت حجج مختلفة، وتمرير العمل بمن تبقى من موظفين أو توظيف عمال أجانب عوضاً عنهم. ووزارة العمل ليس لديها القدرة الكافية لكشف كل هذه التجاوزات والمخالفات التي تحصل في سوق العمل اللبناني، بسبب الرقابة شبه المعدومة، كون الوزارة لديها فقط 9 مراقبين على 80 ألف شركة خاصة في لبنان”. ظاهرة جديدة خطيرةويؤكد عجاقة بأن ظاهرة الصرف”بهذه الضخامة” جديدة على سوق العمل اللبناني الذي لم يشهد مثيلا لها من قبل. وذلك أن هناك تراكما لعاملَين أساسيين “أولهما الوضع الاقتصادي والنزوح السوري، وثانيهما طمع وجشع بعض الشركات التي تبالغ بالصرف التعسفي بحجة أن هناك ظروفا مالية قاهرة”. ولا شك بأن عمليات الطرد تلك تؤثر بشكل سلبي على الاقتصاد المأزوم في الأساس، فـ”المواطن عندما يتوقف عن العمل يتوقف عن الاستهلاك، ما ينعكس على الانتاج الذي يصيبه التكديس وبالتالي ينعدم الانتاج، ما يعني بشكل آخر انعدام الاستثمار، ما يوقع الشركات والمؤسسات بأزمة إلغاء فرص عمل من جديد، وتعاد الكرّة… وهكذا دواليك، لتأخذ القضية ديناميكية وأبعادا خطيرة على الاقتصاد اللبناني”. ويعتقد عجاقة، أن من الأسباب الرئيسية التي أوصلت سوق العمل إلى ما هو الحال اليوم، أن هناك نقصا كبيرا تجاه ما يمكن أن تقوم به الدولة لصالح العمال اللبنانيين، “مثل المحافظة على اليد العاملة اللبنانية، ووضع كوتا على اليد العاملة الأجنبية، كأن لا تتجاوز نسبة تشغيل الأجانب في المؤسسة اللبنانية الـ10 في المئة، وتحديد وقت للشركات لتنظم العمالة الأجنبية داخلها مع تكثيف الرقابة، الأمر الذي يتطلب تضافر الجهود بين وزارات الداخلية، المالية، العمل والاقتصاد”. أرقام مخيفةأما تأثير عمليات الصرف على معدلات البطالة فيوضح عجاقة ذلك أيضاً، حيث أن لدينا سنويا 16 ألف خريج من الجامعات اللبنانية، وكان يستوعب الاقتصاد في الأحوال الطبيعية منهم 3 آلاف، ما يعني أن 13 ألف خريج جامعي سنويا كانوا ينضمون إلى صفوف البطالة. أما اليوم، فالموجودون في سوق العمل يعاود صرفهم، وإذا أضفنا 2200 عامل (حسب إحصاءات وزارة العمل) إلى الـ13 ألفا المنضمين سنوياً إلى صفوف البطالة بطبيعة الحال، نكون أمام 15 ألف و200 عاطل عن العمل، وبالتأكيد الـ3 آلاف خريج الذين كان يستقطبهم سوق العمل من قبل، لن يستطيع استقطابهم كلهم في ظل أزمة التوظيف والصرف. وبالتالي نكون بهذه الحالة أمام ما يقارب الـ17 ألفا إلى 18 ألف لبناني عاطل عن العمل، ما يرفع معدلات البطالة بشكل عام من 35 في المئة في العام الماضي إلى ما يفوق الـ37 و38 في المئة هذا العام (حسب التقديرات) ويرفع نسب البطالة في صفوف الشباب من 50 في المئة في العام الماضي إلى ما يقارب الـ55 إلى 60 في المئة. على شفير الهاويةأمام هذه الأرقام المخيفة والتي لا تنبئ إلا بمستقبل اقتصادي يتأرجح على شفير الهاوية، والوضع الذي يسير بخطوات متسارعة نحو الأسوأ في ظل حكومةٍ ما استطاعت حتى أن تتعلم من كيس نفاياتها، لا يمكننا القول إلا أن سوق العمل اللبناني دخل في المحظور، والذي يجب أن تلتفت الوزارات المعنية لمسؤولياتها وتحاول إنقاذ ما تبقى من هشيم الاقتصاد اللبناني الذي لا تنقصه شرارة بحجم أرقام البطالة الأخيرة الصادمة. رابط البلد

Print Friendly, PDF & Email

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More